الصدقة.. أهميتها وكيف نربي أبناءنا عليها

الرئيسية » بصائر تربوية » الصدقة.. أهميتها وكيف نربي أبناءنا عليها
donation fund

ما زلت أذكر والدي -رحمه الله- وهويقود ضريراً فقيرأً إلى مائدة طعامنا، ثم يطعمه بيديه، والفرحة بادية على وجهه، والبسمة لا تفارق شفتيه، وهذا الأمر ليس بأمر جديد في بيتنا، فهو أمر يتكررباستمرار. وذات مرة، سألت والدي سؤالاً، وكنت طفلة صغيرةً حينذاك: لم تفعل ذلك يا والدي؟ فأنا دائماً أراك تطعم المساكين، وتساعد المحتاجين. عندها أخذ يهمس في أذني قائلاً: "يا ابنتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"، ثم أتبع الآية الكريمة -رحمه الله- بتعليق بسيط، ما زال يرن في أذني: "إذن لن ينفعني إلا عمل خير أقوم به، فيسجل لي في صحيفة أعمالي. يا ابنتي، هذه الحياة هي حياة زائلة وفانية، وكل يوم يطوى من حياتنا يقربنا إلى النهاية، ونحن لا نشعر بذلك، فالعاقل في هذه الدنيا من يفكر في آخرته، ويعد لها العدة، ويكون مستعداً للقاء الله". حينها أدركت أن والدي يعلمني درساً عملياً عن الصدقة، والتي هي شكل من أشكال الخير، يستطيع الإنسان كسب الأجر والثواب من خلالها بتقديم العون والمساعدة للآخرين. أما الآن وقد كبرت وأصبحت أماً، أشعر بعظم مسؤوليتي تجاه أبنائي، حيث يجب علي كأم أن أربيهم على حب الصدقة كما فعل والدي رحمه الله.

يعجبني من يربي أبناءه على حب الخير و#الصدقة، ويعجبني من يجعل الصدقة جزءاً لا يتجزأ من حياته وحياة أفراد أسرته، ويعجبني من يخصص جزءاً -ولو كان يسيراً- من ماله أو طعامه للفقير المحتاج.

سأتحدث في هذا المقال حول الصدقة التي نقوم بها طواعية؛ حباً في عمل الخير، وطمعاً في نيل رضى الله سبحانه وتعالى.
قد تكون الصدقة مادية محسوسة، حيث يعطي المسلم شيئاً من ماله الخاص، أو شيئاً مما يملك للمحتاجين؛ لمساعدتهم، ولرسم البسمة على شفاههم. وقد تكون الصدقة معنوية، وذلك من خلال السلوك والتصرفات الحسنة، كإماطة الأذى عن الطريق، وكذلك الكلمة الطيبة، والابتسامة في وجه الآخرين، وإفشاء السلام، وغيره الكثير الكثير.

إن ديننا الإسلامي الحنيف يحثنا دائماً على الصدقة؛ لما فيها من خير للمتصدق نفسه وللمجتمع من حوله. إن الصدقة لها من الأثر القوي ما يساعد على تكافل المجتمع الإسلامي، وحصول التآلف والتعاون والرحمة بين الناس. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة:267].

إن الصدقة لها من الأثر القوي ما يساعد على تكافل المجتمع الإسلامي، وحصول التآلف والتعاون والرحمة بين الناس

إن صدقة السرهي من أفضل أنواع الصدقة، والتي يقدم المسلم من خلالها المعونة للمحتاجين، دون أن يعلم أحد بذلك، فلا يشعر الفقير بالذل أوالإهانة أبداً. إن إخراج الصدقة يحتاج إلى نية خالصة لوجه الله تعالى، بعيدة عن الرياء والنفاق، ونيل إعجاب أومديح الآخرين.

إن الإسلام يحث على الصدقة، وخاصة على القريب المحتاج، فهي تحقق التكافل، وبها صلة للرحم، ونشر للمودة والرحمة بين الأقارب. ولن ننسى كذلك أهمية الإحسان للجار، والتصدق عليه إن كان محتاجاً. وإن أراد المسلم الخير الكثيرالدائم، فليتصدق بصدقة جارية، يستمد منها الأجر حتى بعد مماته، ما دام ينتفع بها الناس، كبناء المساجد، والمدارس، وحفر آبار المياه لمن هم بحاجة إليها، وغيرها من الصدقات الجارية.

فضائل الصدقة وأهميتها:

للصدقة فضائل عديدة، سأذكر بعضاً منها:

• الصدقة تطفيء الخطيئة ففي الحديث: (والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفئ الماء النار). (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).

• الصدقة هي دواء للأمراض، (داووا مرضاكم بالصدقة). (رواه الطبراني).

• تساعد الصدقة على تليين القلب من القسوة، ففي التصدق على الآخرين شعور يصحبه لين القلب.

• الصدقة تدفع البلاء والهم والمصائب عن المتصدق.

• الصدقة تساعد المسلم على نيل البر حيث قال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}[آل عمران:92]. فالمسلم إن كان إيمانه قوياً، هانت عليه الدنيا بكل ما فيها، وأصبح يشتري آخرته بكل ما يستطيع، فلن يكون ماله أثمن عليه وأغلى من آخرته.

• إن الله يبارك للمتصدق في ماله ويزيده، ففي الحديث: (ما نقصت صدقة من مال) (رواه مسلم).

• في الصدقة راحة نفسية عجيبة، واطمئنان وسعادة، وانشراح صدر للمتصدق.

• إن الله يضاعف الأجر للمتصدقين، قال تعالى: {إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[الحديد:18].

• إن الرسول الكريم عليه السلام قد جعل الغني الذي ينفق ماله بمنزلة من يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ففي الحديث: (لا حسد إلا في اثنين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار). (رواه أحمد في مسنده).

• يكفي أن يعلم المتصدق أن ملكاً يدعو له بالخير الوفير، بعكس من يبخل ويمسك يده عن الإنفاق فقد جاء في الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) (رواه البخاري ومسلم).

• الصدقة تدل على صدق الإيمان، (والصدقة برهان). (رواه مسلم).

كيف نربي أبناءنا على حب الصدقة:

إن الأباء والأمهات مسؤولون عن تعويد أبنائهم على حب الصدقة، وزرع أهمية مساعدة المحتاجين في نفوسهم، وهناك طرق بسيطة وسهلة تساعد في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر:

- تخصيص حصالة للأسرة، بهدف جمع مبلغ من المال، وتخصيصه للمحتاجين، وتشجيع الأبناء على المساهمة المالية في هذا المشروع، حتى لو كانت مساهماتهم غاية في البساطة، ولكن القصد من هذا كله، هو تعويدهم على أن الصدقة أمر مهم في حياة المسلم.

- تشجيع الأبناء على اختيار بعض القطع من الملابس التي لايحتاجون إليها، ومساعدتهم على التصدق بها للمحتاجين.

- إعطاء الأبناء بعضاً من المال أو الأشياء للتصدق بها على المحتاجين بأنفسهم، فذلك يشعر الطفل بالاعتزاز بنفسه، وبقدرته على مساعدة الآخرين؛ ليستمر بالعطاء طوال حياته.

- الاستمرار بتعزيز الأطفال وتشجيعهم على عمل الخير والصدقة، حتى تكون قد أديت واجبك تجاه أبنائك وربيتهم تربية صالحة.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الصدقة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    باحثة وأديبة ومحاضرة في الأدب والفكر، لها العديد من البحوث والمؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية. حاصلة على شهادة الدكتوراة في التعليم (القيادة التربوية والإدارية). تقوم بتقديم العديد من الدورات التدريبية وورش العمل في مجالات عديدة. درست الأدب الانجليزي والشريعة الإسلامية. وقدمت مساهمات في العديد من المؤتمرات العالمية والمحلية فيما يختص بتطوير التعليم وطرائقه. لها اهتمامات عديدة في مجالات الأسرة وكذلك تنمية وتطوير الذات.

    شاهد أيضاً

    أربعة أركان لتهيئة النفس قبل طلب العلم والتزكية (1-2)

    كثرت التصانيف والتآليف في تربية النفس وتهذيبها وتزكيتها، وفي كثير منها نفع عميم، لكن ضعف …