المصروف اليومي: فرصة تربوية عظيمة

الرئيسية » بصائر تربوية » المصروف اليومي: فرصة تربوية عظيمة
children-money

إذا نظرت إلى المصروف اليومي -الذي تعطيه لطفلك- من زاوية تربوية، وفكرت به تفكيراً متعددًا،فلن تجده عبئًا ماديًا وثقلاً أو مفسدة، وليس -كذلك- حلاً؛ لإسكات طفلك عن "الزَّن"،إنه -كما تشير الأبحاث- فرصة تربوية عظيمة، تستطيع من خلالها تطوير مهارات أبنائك، وتعزيز القيم لديهم، وتعليمهم الكثير من الدروس، التي يستفيدون منها طَوَال حياتهم.

وحتى أساعدك في الوقوف على المنصة الصحيحة عند النظر إلى موضوع مصروف طفلك، سأعرفك على عدة مخاطر ،قد يتعرض إليها طفلك، أو يسهم في تعريض الآخرين إليها، إن لم تأخذ ذلك الموضوع على محمل الجد وبدرجة عالية من الحذر والحكمة.

يرسم الوالدان لأبنائهما مستقبلهم المعيشي من خلال التعامل معهم في المصروف اليومي  ، فالبعض يكون عادلًا في معرفة احتياجات ابنه، فيتعامل مع الموضوع بوعي وحكمة أب، ودون تخطيط مسبق، وإنما يتبع لتقدير ذاتي وحسب. آخرون يمنحون الطفل فوق حاجته أو أقل منها، ما يقود الطفل إلى مشاكل مختلفة: نفسية، وأخلاقية، وتنموية، وحياتية مختلفة، بينما يتبنى البعض خططًا ومنهجيات تحدد الاحتياج المنطقي الحقيقي، ويتعاملون طبقًا له.

أثر المصروف اليومي في شخصية طفلك:

يصبح المصروف اليومي فرصة تربوية، ويؤثر -فعلاً- إذا صاحب صرفه للابن قواعد وإرشادات تربوية، وكلمات تحفيزية، يوجهها الوالدان في مكانها ووقتها الصحيح، مثل: "أنا أثق بك يا عزيزي (تزيد ثقته بنفسه)، تفضل؛ لأنني أعرف أن طفلي حبيبي شخصٌ مسؤول (تنمي مسؤوليته)، كم يعجبني تدبيرك للمال! (تجبره على التدبير؛ لينال إعجابك أكثر)، أنت ولد رائع في الادخار؛ لذلك أعطيك المزيد (سيدخر أكثر؛ لتمدحه أكثر)، هناك جائزة لأفضل خطة نتبعها في البيت للادخار (تحفزه ليتحدى نفسه، ويبتكر خططاً، وتقيد روح المنافسة)".

يصبح المصروف اليومي فرصة تربوية، ويؤثر -فعلاً- إذا صاحب صرفه للابن قواعد وإرشادات تربوية، وكلمات تحفيزية، يوجهها الوالدان في مكانها ووقتها الصحيح

وإذا تعاملا معه على أساس منهجية محددة، يمكن للمصروف اليومي أن:

1. يبني لدى الطفل شعورًا بالاستقلالية، ويعلّمه الاعتماد على النفس.
2. يعزز الإحساس بقيمة المال وما يمكن أن يجلبه له.
3. يتعلم إدارة المال، كم سيصرف؟ ومتى؟ وعلى أي شيء؟
4. يتدرب على ضبط النفس والصبر، والتصرف بالمال حسب الأولويات.
5. يطور قدرته على التكيّف، والعيش في حدود إمكاناته المالية.
6. الادخار يعلمه حسم الكثير من الأمور في حياته مستقبلًا.
7. يشعر بالإنجاز وتزداد ثقته بنفسه كلما تقدم نحو تحقيق هدفه.

مخاطر التعامل مع مصروف الطفل بعشوائية:

1. إذا لم تعطه مصروفاً: سيشعر بالحرمان، وقد تدفعه قسوة الحرمان إلى السرقة؛ لإشباع رغبته، أو الكذب؛ لينفيَ عن نفسه شعور العَوَز والحاجة، أو العدوانية والعنف تجاه أقرانه الذين يشعر بأن لديهم الكثير مما يحتاجه؛ ليستوليَ على حاجياتهم كلما سنحت له الفرصة.

2. إذا أعطيته مصروفاً لا يغطي حاجته، فأنت تدفعه بيدك نحو السلوك المنحرف، وكأنك تقول له: "أنا أعرف أن لديك حاجات، ولم أغطها لك كاملة، اذهب واحصل بنفسك على ما تريد، بطريقة ما" ويزيد من خطر هذا التصرف ألا تؤدي واجبك الإرشادي والتربوي.

3. إذا أعطيته مصروفًا زائداً عن حاجته، فأنت في هذه الحالة تدفع به إلى هاوية الفشل، حين يتعلم الإسراف، واللامبالاة، وعدم تقدير أهمية المال، أو تقدير قيمته،فربما يكون فريسة لتجار المخدرات، والتدخين والانحراف المبكر، أو ربما يشعر بأنه أفضل من زملائه وأرفع مستوى، وهنا سيغترُّ ويتكبر ويختال! فيكبر كشخص غير سوي، حتى وإن لم ينحرف، فسيكون غير محبوب في محيطه، ولعل تلك الصفات ستعوقه -أولاً وأخيرًا- عن تحقيق أي شيء في حياته، ثم الفشل والسلبية في مستقبله!

إذا أعطيت طفلك مصروفاً زائداً عن حاجته فأنت في هذه الحالة تدفع به إلى هاوية الفشل، حين يتعلم الإسراف، واللامبالاة، وعدم تقدير أهمية المال، أو تقدير قيمته

كيف يدير الوالدان المصروف اليومي لابنهما؟

ليس هنالك قاعدة جاهزة مسبقة الوضع لإدارة المصروف اليومي، فالتربية -كما هو مؤكد- ليست عملية حسابية قائمة على نظرية علمية بحتة، وإنّما- كغيرها مما يتعلق بالنفس الإنسانية- متغيرة القوانين، تبنى على الزوايا التي ينظر من خلالها والحالة النفسية والمادية والظروف المحيطة.

لكن مبدئيًا...

يجب على كل والدين أن يحسما التفكير في عدة أمور:

أولاً- من الضروري أن يتفقا على أرقام محددة فيها، لكل ابن من أبنائهما على حدة، وتوقيت، ومواعيد، وكمية، وكيفية؛ لأن الكثير من المسائل في موضوع المصروف اليومي تقديرية، عائدة إلى تقييمهما الفردي للظروف الاقتصادية للبيئة، كالحالة المادية للأسرة، وعمر الطفل، وطريقة تربيتهما له، وطرق تعاطيهما مع احتياجاته، وتوفيرهما لمستلزماته، وعلى نضجه، وقدراته، ومهاراته، وعمره، وذكائه... وغيرها الكثير.

فمثلاً، على الوالدين أن يتأكدا إذا ما كان طفلهما مدركاً لقيمة المال وضرورته؛ لجلب الاحتياجات المختلفة، وإذا ما كان يميّز بين فئات العملات  ، ويستطيع العدّ، أم لا، كما يجب عليهما إدراك وجود رغباته وطبيعتها.

وبعد دراسة الأمور بشكل عميق، يمكنهما تحديد الزمان الذي يبدءان فيه، بإعطاء ابنهما مصروفه اليومي، وكمية هذا المصروف، وتوقيت صرفه له، والمدة الدورية سواء كانت أسبوعية أم شهرية أم يومية، وذلك بناءً على:

1. ميزانية الأسرة وأحوالها المادية.
2. الأسعار المحلية لما يحتاج الابن شراءه: (الوجبات، المواصلات، القرطاسية، النثريات، الاتصالات).

كيف تدرب ابنك على الاستقلال، واتخاذ القرار بالمصروف؟

وضح لطفلك أنه لن يحصل على أي مبلغ إضافي قبل الموعد المحدد، حتى لو صرف جميع مصروفه قبل هذا الموعد؛ حتى يتعلم أن يدير المال بشكل أفضل

1. لابد من إعطاء المصروف بانتظام؛ حتى يتعلم الالتزام واحترام المواعيد، ووضِّحْ له: أنه لن يحصل على أي مبلغ إضافي قبل الموعد المحدد، حتى لو صرف جميع مصروفه قبل هذا الموعد؛ حتى يتعلم أن يدير المال بشكل أفضل، عندما يعلم أن هناك يوماً ثابتاً يحصل فيه على مصروفه.

2. عندما تعطي ابنك مصروفه،أعطه إياه بكمية تشجع على التوفير، زد فوق المصروف قطعة نقدية أخرى، واشرح له نسبة الادخار.

3. اصحب ابنك إلى البنك وافتح له حسابًا؛ ليبدأ بالتوفير مبكرًا، فيصير عادةً له حين يكبر. وتذكّر ألا تتدخل بقرار سحب مبلغ ما لأجل مشترياته؛ لأن رفضك سيحبطه ويمنعه عن الإيداع لاحقاً.

4. علمه أن يحتفظ بسجل لحساباته من مبالغ واردة إليه ومصروفات و حتى أرباح أو خسائر، ابدأ هذا المشروع بإحضار اثني عشر مغلفا، كل منها يمثل شهراً من السنة، واكتب اسم الشهر على كل منها، وضعها جميعاً في مغلف أكبر, ثم اطلب من ابنك أو ابنتك: أن تضع وصولات أو ملاحظات عن مصاريف ذلك الشهر داخل مغلفه.

5. اسمح لأبنائك بارتكاب بعض الأخطاء، طالما كانت في حدود ما هو غير مؤذ؛ لأنها فرصة للتعلم، فساعدهم على الاستفادة منها واستغلالها.

6. من حقك وضع حدود لما هو مسموح بإنفاق المصروف فيه، فيمكنك مثلاً منع الحلوى إلا في يوم محدد من الأسبوع، حتى لا تضر بشهية أطفالك وأسنانهم.

7. لا تعط نفس المبلغ لأبنائك من جميع الأعمار والمراحل؛ بل اعتمد على تقييمك للأمور بوعي وإدراك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

منظور المسلم لابتلاءات الإعاقات البدنيّة والعيوب الخَلقيّة

. - بداية: الملك ملك الله، والله قضى في ملكه أنه تعالى يخلق ما يشاء، …