بين الرخصة والعزيمة

الرئيسية » خواطر تربوية » بين الرخصة والعزيمة
Choices of a businessman

كثر في الآونة الأخيرة ظهور بعض الشخصيات من رجال دين ودعاة ومشايخ، اعتلوا صهوة المنابر بسرعة البرق! لا سيما منابر المساجد، والجامعات، وشبكات التواصل الاجتماعية، والشاشات المتلفزة. فكثر التفاف الناس من حولهم، والانبهار بشخوصهم وأفكارهم، لدرجة التعصب لقولهم! فما يقولونه الحق الذي لا جدال فيه! وليس نحن هنا بصدد ذكر أسماء وصفات، إنما لنذكر أن الكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الذي لا ينطق عن الهوى، "محمد صلى الله عليه وسلم"، وأنّ الرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.

وسنة الله في خلقه أنه أوجد الفتن، والابتلاءات، والمحن؛ لتتمايز الصفوف، وتتضح الحقائق، فيتحقق فيهم قوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [سورة العنكبوت:2]، إذ لولا الفتن والمحن لما تباينت المواقف، ولما تميز الحق من الباطل، والصادق من الكاذب والمنافق .

ويذكرني شهرة الكثير من الرجال، والتفاف الكثير من كافة أنحاء المعمورة حولهم، ورفعهم شعارات، كانت كثيراً ما تلهب عواطف الشباب والشيب منا! وتثير حماستنا، وكأننا نملك العصا السحرية القادرة بلمسة واحدة على تغيير أحوالنا من سفاسفها لأعلى قممه! حتى إذا عُرض هؤلاء على فتنة، أو وقفوا على مفرق طرق، تساقطوا كما أوراق الشجر في يوم عاصف! وتنكروا لمبادئهم التي طالما رفعوها شعارات، واستقطبوا بها فكر ووجدان الشباب، بل ربما بها أوردوا الكثير منهم دروب المهالك، فكان هؤلاء أول المخالفين لأقوالهم، الناكصين على أعقابهم.

وكم سمعنا بأعظم الجهاد! ولطالما رفع بها صوته، وصدح بها ذاك الشيخ، أو هذا #الداعية على المنابر، وفي المحافل، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (رواه النرمذي)، حتى إذا جئت لتُلزم ذلك العالم أو هذا الداعية بقوله! أجابك: إنما أخذت بالرخصة، فخالف فعله قوله، وقد نسي من ضمن أدلته قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [سورة الصف].

كم سمعنا بأعظم الجهاد! ولطالما وصدح بها ذاك الشيخ، أو هذا الداعية على المنابر، وفي المحافل، حتى إذا جئت لتُلزم ذلك العالم أو هذا الداعية بقوله! أجابك: إنما أخذت بالرخصة، فخالف فعله قوله

وأتساءل: هل #الرخصة في الدين تبيح له مؤازرته للظالم يعيث فسادا! بل ومناصرته على أسر أو سفك دم مسلم! أو محاربته برزقه في سبيل النجاة بنفسه! أو الحفاظ على رفاهية عيشه! أو البقاء في منصبه!

ومن قال له إن نفسه ورفاهيته ومنصبه أثمن وأعز من دماء هؤلاء المظلومين، فكانت برخصته بمثابة المقصلة، التي تقطع أعناقهم، وأين رخصته من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك أنت ظالم، فقد تُوُدّع منهم"! (رواه أحمد)

أتراه نسي -ذاك الذي أخذ بالرخصة- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام! فهذا بلال الحبشي يواجه صخرة أمية: "بأحد أحد"، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز للصحابة الأخذ بالرخصة، والتلفظ بعبارات، تنقذهم وتنجيهم من عذاب قريش، لكن بلالاً يرفض ملزمًا نفسه بالعزيمة؛ لأن صخرة الوثنية ما كان لها أن تفتت لو كان كل صحابي أخذ بالرخصة! فما أكثر أشباه أمية بن خلف في زماننا! وما أقل أمثال بلال الحبشي! وما أحوجنا لمثله؛ لتتفتت صخرة الجاهلية عن صدورنا، وتُهدم الأوثان من أفكارنا ومعتقداتنا.

ما أكثر أشباه أمية بن خلف في زماننا! وما أقل أمثال بلال الحبشي! وما أحوجنا لمثله؛ لتتفتت صخرة الجاهلية عن صدورنا، وتُهدم الأوثان من أفكارنا ومعتقداتنا

وهذا أحمد بن حنبل، يحتمل ما يحتمل من عذاب وسجن على أن يأخذ بالرخصة، نعم فإذا كان رموز الأمة وقدواتها ومثُلها يأخذون بالرخصة، فماذا تركوا أو أبقوا لعوام الناس وعامتهم!

أما كان الأحرى بعلماء الأمة ورموزها، أن يحتملوا ما يصيبهم من محن في سبيل كلمة الحق ! أما علموا أن من وجوه نصرتهم لقادتهم وزعاماتهم، أن يمنعوهم من الظلم!

أما تعلّموا من مواقف أهل الباطل، وبذلهم النفس والنفيس في سبيل فكرة يعلمون حقيقة بطلانها! أما تعلموا من عزمهم وثباتهم على ما هم عليه من باطل! فإن عجز هؤلاء عن الجهر بكلمة الحق، أتبرر لهم الرخصة التي اعتمدوا عليها بصمتهم وامتناعهم عن نصرة المظلومين، أتراها تبرر لهم مهاجمتهم لأولئك الذين ما هانوا في سبيل الله، وأخذوا على عاتقهم مواجهة الظلم بالجهر بكلمة الحق، فاحتملوا نتيجة أخذهم بالعزيمة، أتبرر لهم رخصتهم بمهاجمة واتهام أولئك الراسخين كما جبل أحد، وإطلاق التهم عليهم جزافا!

ألم يدركوا حجم الفتنة التي أشعلوها بين الناس! فَفَقَدَ عامة الناس الثقة بكل من يعتلي صهوة الخطب والمنابر، أم تراهم أعدوا العدة ليوم لا ينفع به مال ولا بنون، ولا جاه ولا سلطان، يوم يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته وأخيه! فتحقق فيه قوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[سورة الأحزاب:67].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!

جاء في أمثال العرب: "ما هكذا تُوْرد يا سعد الإبل" وهو مثل في الأصل قيل …