في حادثة الهجرة.. عندما نتعلم من المشركين

الرئيسية » خواطر تربوية » في حادثة الهجرة.. عندما نتعلم من المشركين
p22_books

هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الحادثة العظيمة في تاريخ الإسلام، بل الأعظم من بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ذلك لأن البعثة تمثل -في التاريخ الإسلامي بداية الدعوة، والهجرة- تمثل بداية انتشار الدعوة، وبناء الدولة.

وفي حادثة #الهجرة الكثير والكثير من المواقف المعلّمة، نتناولها بالبحث والتدقيق والدراسة كل عام، عندما تأتي ذكراها العطرة.
وقد درج الناس على تذكر هذه الحادثة العظيمة في بداية العام الهجري، أي: في أول المحرم منه، إلا أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، بدأت في السابع والعشرين من صفر من العام الأول للهجرة، ووصل النبي -صلى الله عليه وسلم- في نهايتها إلى المدينة في الثالث والعشرين من ربيع الأول من العام نفسه.

ونحن هنا سننظر إلى أحداث الهجرة من زاوية مختلفة، نلقي من خلالها الضوء على الأحداث والمواقف المتعلقة بالمشركين أنفسهم. وننظر إلى هذه المواقف منهم، لا من باب إدانتهم وتوبيخهم، فهم مدانون موبخون بالطبع، ولكننا نذكرها من باب تبيين الفروق بينهم وبين جاهليتنا المعاصرة؛ ليتبين لنا أفضلية تلك الجاهلية الأولى على هذه الجاهلية المعاصرة في مثل هذه المواقف والممارسات!
وعندما نستخدم مصطلح "الجاهلية المعاصرة"، فنحن نقصد تلك الجاهلية التي نعيشها الآن، والتي تماثل الجاهلية الأولى في كثير من التصورات والرؤى والممارسات، هذا وإن خالفتها في أصل العقيدة.

فالجاهلية الأولى كانت جاهلية كافرة مشركة، وجاهليتنا المعاصرة جاهلية مسلمة، غير أن إسلامها لا يتعدى الاسم، أو على الأكثر لا يتعدى الأشكال العبادية التقليدية، والتي ما جاء الإسلام لأجلها قط، وإنما جاء لما هو أعظم منها، جاء لتكون حياة الإنسان كلها لله سبحانه وتعالى، وما العبادات في هذا السياق إلا معينات روحية على الوظيفة الأهم، والغاية الأكبر.

أولا- حرمة البيوت.

تخبرنا المرويات عن حادثة الهجرة، أنه لما أراد المشركون قتل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لينتهوا من قصته ودعوته، اختاروا لذلك من كل قبيلة فتى جلداً، وأعطوا كل واحد منهم سيفاً صلداً، ثم خرجوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً، فلما جاءوه، أبوا أن يقتحموا عليه بيته، وآثروا أن يبيتوا ليلتهم على أبوابه، حتى يأتي الصباح، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم.

هكذا كانت حرمة البيوت عند الجاهلية الأولى، وعند صناديدها من أبناء الكفر والشرك.

أما في جاهليتنا المعاصرة، فنجد اقتحام المنازل والبيوت في منتصف الليالي، وترويع من بها من نساء وأطفال وشيوخ ورجال! فلا حرمة عند الجاهلية المعاصرة للمنازل! بل إن إتلاف ما بداخلها، وإفزاع من بها، والاعتداء عليهم، كل ذلك يكون مقصوداً ومخططاً!
وذلك ممن يفترض أنهم حماة للأمن والأمان!

نجد في جاهليتنا المعاصرة، اقتحام المنازل والبيوت في منتصف الليالي، وترويع من بها من نساء وأطفال وشيوخ ورجال! فلا حرمة عند الجاهلية المعاصرة للمنازل

ثانيا- حرمة المرأة وكرامتها.

وتخبرنا المرويات أنه لما علم المشركون في الصباح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غادر منزله، أسرعوا برجالهم وعتادهم إلى دار أبي بكر، وهم يعلمون أنه صاحبه ورفيقه الذي لن تكون حركة محمد -صلى الله عليه وسلم- وهجرته إلا به، فلما طرقوا الباب، ودخلوا على أسماء ابنة أبي بكر، سألها أبو جهل: أين أبوك. فلم تجب، فلطمها على وجهها، ثم استحى من جرمه، ونظر إلى رفاقه وقال: اكتموها، ولا تحدثوا بها عني؛ لئلا تتحدث العرب أننا ضربنا النساء!

هكذا كانت حرمة المرأة وكرامتها عند الجاهلية الأولى، أما في جاهليتنا المعاصرة، فنرى اعتقال النساء وضربهم وسحلهم، بل وتعذيبهم النفسي والبدني في السجون، إلى حد أن تذكر إحدى النساء أنها تعرضت للاغتصاب داخل السجون، وإلى حد أن تُعرض بعض الفيديوهات لسفيه مجرم من رجال الأمن وهو يجبر امرأة معتقلة على خلع ملابسها، ويصور ذلك ويتباهى به.

نرى في جاهليتنا المعاصرة اعتقال النساء وضربهم وسحلهم، بل وتعذيبهم النفسي والبدني في السجون، إلى حد أن تذكر إحدى النساء أنها تعرضت للاغتصاب داخل السجون

ثالثا- العري والتستّر.

وتخبرنا المرويات أنه لما استقر -النبي صلى الله عليه وسلم- هو وصاحبه أبو بكر في غار ثور، ولما تتبعه المشركون حتى وصلوا إلى باب الغار، نظروا إليه وظنوه مهجورا، وطمس الله على بصرهم وبصيرتهم، فاستبعدوا أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه قد أويا إلى مثل هذا الغار، وقام أحدهم؛ ليقضي حاجته أمام بابه، فقال أبو بكر: "قد رأونا يا رسول الله"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم!).

هكذا علم النبي -صلى الله عليه وسلم- حسن تستر الجاهلية الأولى، حيث إنهم على الرغم من جاهليتهم وكفرهم وشركهم، إلا أنهم كانوا أهل تستر، تنفر فطرتهم من العري والتعري.

وإذا قال قائل أنهم كانوا يطوفون حول البيت عراة! لقلنا له: إن هذا كان استثناء، وكان عن فهم خاطئ لبعضهم يظنونه دينا، فكان القادمون من خارج مكة لا يطوفون إلا في ثياب القرشيين، فإذا لم يجدوا طافوا عرايا، ولولا أنهم كانوا يظنون ذلك من الدين لما فعلوه.
أما عن جاهليتنا المعاصرة فحدث عن التعري ولا حرج، ولننظر إلى سيل الأفلام السينمائية التي يُعلن عنها على سبيل المثال، فلن نجد إلا عريّا يلاعبون به رغبات الناس، ويجذبونهم به إلى صالات عروضهم.

رابعا- الوفاء بالعهد.

وتخبرنا المرويات عن عبد الله بن أريقط الليثي، ذلك الرجل الذي استأجره النبي -صلى الله عليه وسلم- هو وصاحبه؛ ليكون هاديا لهما في الصحراء، وهو الماهر بها الخبير بدروبها.

وكان عبد الله بن أريقط على دين قومه، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- استأمنه، وعاهده بن أريقط على ذلك، فلم يغدر الرجل بعهده، بل وفى بما عليه، على الرغم من أن قريشا كانت قد حددت المكافآت العظيمة، لمن يدل على النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، ولم تكن الأجرة التي جعلها له النبي –صلى الله عليه وسلم- تساوي شيئا بجانب مكافآت قريش وأموالها.

أصبح الغدر شيمة عامة، وأقصى ما يفعله الغدّارون هو أن يكذبوا ليداروا غدرهم، فلا أحد يصدقهم إلا أهل الغدر أمثالهم

هكذا كان الوفاء بالعهد في الجاهلية الأولى، أما في جاهليتنا المعاصرة، فقد أصبح الغدر شيمة عامة، وأقصى ما يفعله الغدّارون هو أن يكذبوا ليداروا غدرهم، فلا أحد يصدقهم إلا أهل الغدر أمثالهم!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

الذي قال عند موته: “لقد ظلمني ربي”!!

لقد كتبت حول هذا المعنى من قبل تحت عنوان (الله ليس بظالم)، وقلت إن هناك …