العمل السياسي وعقدة الحواجز الوهمية

الرئيسية » بصائر الفكر » العمل السياسي وعقدة الحواجز الوهمية
MEETINGS17

تثير القضايا المتعلقة بالعمل السياسي الكثير من الجدل والنقاش بين أبناء الحركة أو الحزب الواحد، حيث تتباين وجهات نظر، ويحتدم الجدل، وتنقسم الآراء إلى أقسام متعددة، لكل منها أدلة خاصة تقويها.

وهذا الأمر بحد ذاته طبيعي لا مشكلة فيه، فتعدد الآراء داخل الحزب الواحد يدل على وجود ظاهرة صحية، لأنه يتم من خلاله النظر إلى القضايا المختلفة وفق زوايا متعددة، وهو ما يجدر وجوده. فالقرارات السياسية تعتمد على الرأي، الذي يعتمد بدوره على الاجتهاد العقلي وتوخي المصلحة، وحسن قراءة المشهد ، لذلك لا توجد فيه أي نتيجة قطعية أو نهائية، فكله محل تقدير واجتهاد.

لكن هذا لا يعني أن العمل السياسي يكفي فيه التخمين أو الظن فحسب، بل هو مبني على الاجتهاد الذي يعني استفراغ الوسع في قراءة المشهد، والنظر إلى المآل والغايات، والموازنة بين الأمور للوصول إلى القرار السليم في النهاية.

ولهذا فالدخول في معترك #السياسة ليس هيناً البتة، والظن أن العمل السياسي هو شبيه بالعمل المسجدي أو الطلابي سبب للخسارة والوقوع في التناقض والبعد عن مقصود العمل وتحقيق غايته المنشودة.

الدخول في معترك السياسة ليس هيناً البتة، والظن أن العمل السياسي هو شبيه بالعمل المسجدي أو الطلابي سبب للخسارة والوقوع في التناقض والبعد عن مقصود العمل وتحقيق غايته المنشودة

ولأن العديد منا قد يدخلوا معترك السياسة دون فهم لأبعاده، أو يخشون من المواجهة عند اتخاذ قرارات حازمة ومصيرية، فإن هذا كله أورث لنا العديد من الحواجز الوهمية التي وضعناها بأنفسنا، وخشينا من التطرق إليها والخوض فيها، خوفاً من التجديد، أو الخشية عن وصفنا بالبعد عن الطريق السوي وروح الدعوة.

وأكتفي في هذا المقال للإشارة إلى اثنتين من هذه الحواجز:

مناصب الدولة الحساسة

خذ مثالاً على ذلك، موضوع المشاركة في الوزارات، في ظل الحكومات الحالية، فإنك تجد رأي التحريم قوياً جداً داخل الدعوة، وتخشى على نفسك أحياناً من الجهر بخلاف ما هو شائع، وكل ذلك لأن البعض يعتبرون الوزير أداة تنفيذية وتجميلية للنظام، مع العلم أن الوزير قادر على التغيير أكثر من عضو المجلس النيابي أو التشريعي، حيث لا يقتصر دور النائب في كثير من الأحيان إلا على الاعتراض وليس أكثر!!

وقس على ذلك تولي المناصب العامة، أو المشاركة في القضاء والجيش وغيرها من الوظائف الحساسة، بحيث نعزف عنها، أو نتركها للآخرين يتحكمون بها، ثم نهدد من يشارك بها من أفرادنا، ويقتصر دورنا على الانتقاد والمعارضة لمن يتولون هذه المناصب ليس أكثر!

جوهر المشكلة التي لا يدرك البعض خطورتها، أننا ننظر كثيراً للتغيير السطحي، دون الخوض في أساس التغيير ومقومات نجاحه واستمراره.

وحتى لا يضيع جهد الحركة سدى، لابد أن تكون أكثر حنكة في التعامل مع هذه القضايا، فلا يوجد هناك محرم ثابت في العمل السياسي، طالما أنك تعيش في دولة مسلمة، وتتعامل مع أناس مسلمين، ولهذا يدور الأمر مع المصلحة وجوداً وعدماً لا أكثر ولا أقل.

لا يوجد هناك محرم ثابت في العمل السياسي، طالما أنك تعيش في دولة مسلمة، وتتعامل مع أناس مسلمين، ولهذا يدور الأمر مع المصلحة وجوداً وعدماً لا أكثر ولا أقل

ولهذا بات علينا أن نكسر الحاجز الوهمي الذي يرى أن العمل المشترك مع السلطة، هو جريمة بحد ذاته، وخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، علماً أن العمل المشترك لا يعني أنني أقر بالخطأ، بل على العكس هو يفيد في العديد من الأمور، منها:

1- فهم كيفية اتخاذ القرارات داخل الدولة، وربما يوفر ذلك للمرء القدرة على التغيير والتأثير في إصدار هذه القرارات؛ كونه في موضع نفوذ وسلطة.

2- فهم سلبيات العمل، والقدرة على فهم كيفية الارتقاء به، حال تولي هذا المنصب أو ذاك، مما يعني دراية أكبر بذات العمل وطرق إدارته، والعلم بمظاهر الخلل والنجاح فيه.

قد يدعي البعض ويقول أليس من الأسلم عدم الخوض في دنس السلطة والمشاركة فيها؟ والجواب: نعم، إذا كان هناك العديد من الأكفاء أمثالك، يقدرون على إدارة هذه المناصب. أما إن لم يكن هناك أحد إلا أنت، فلا يجوز أن تتنكب عن الطريق وتعتزل المشهد ثم تنم في بيتك، وتصلي على سجادتك، وتدر ظهرك لأمتك وشعبك !

وما قصة سيدنا يوسف عليه السلام وتوليه مسؤولية الأموال عند الملك "الكافر" إلا مثالاً واضحاً على ذلك في قوله تعالى: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف:55]

وقد تناول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة، بشيء من التفصيل، فقال: "فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وإقامة ما يمكنه فيها من الواجبات واجتناب ما يقدر عليه من المحرمات لا يؤخذ بما يعجز عنه فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار ومن فعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلف ما يعجز عنه".

التحالف السياسي

في العمل السياسي لابد أن تلجأ أحياناً إلى بعض #التحالفات مع التوجهات الأخرى للحصول على حق مشترك لكليكما، وهذا أمر لا بأس فيه، طالما أن الغاية المرجوة لا تتنافى مع ديننا، ولا يترتب عليها تنازل عن ثابت لا خلاف حوله.

التحالف السياسي لا يعني أنني أقر بمبادئ الحزب الفلاني أو غيره، وإنما هو محض التقاء رغبات على تحقيق أمر ما، ويكون أكثر أهمية وضرورة حال تعنت السلطة وتعسفها، أو الاستبداد والسعي لمصادرة الحقوق والحريات داخل الدولة، ففيه نتائج أكبر ومصالح أعظم من أن يواجه كل حزب السلطة لوحده.

التحالف السياسي لا يعني أنني أقر بمبادئ الحزب الفلاني أو غيره، وإنما هو محض التقاء رغبات على تحقيق أمر ما

والإسلاميون بشكل عام، دائماً ما يتحالفون مع الآخرين ويعملون على السعي لتحقيق وحدة معهم، وهو أمر يحسب لهم، وهذا انطلاقاً من عموم الآيات القرآنية التي تدعوا إلى التعاون والوحدة، يقول تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" (حديث مرسل رواه أحمد والبزار والبيهقي وغيرهم، وله شواهد تقويه).

والتحالف السياسي لا يحتاج إلى شعار فقط، بل إلى برامج ورؤى واضحة يشترك بها الجميع، ونقاط تفصيلية يتفقون عليها أثناء العمل المشترك، وإلا كان أجوفاً لا يحمل في داخله أي قيمة، وسرعان ما ينفرط عقده عنده أول اختلاف في الرأي.

لقد شهدنا الكثير من التحالفات والاتفاقيات السياسية قد انفرط عقدها لأمور عديدة، إما داخلية أو خارجية، لكن الأهم إعادة النظر في أسس نجاح مثل هذه التحالفات، والسعي لتطبيقها وتطويرها.

ومن الحواجز الوهمية التي صنعها البعض، أن هناك جهات لا يمكن أن نلتقي معها، ولا يجوز التحالف معها، أو دعمها، حتى لو كان لها أناس أكفاء لمجرد الاختلاف السياسي أو الرؤى والأطروحات.

وهنا أقول، لا بأس أن أختلف مع هذا وذاك، وأدعم من أراه مناسباً لتحقيق رؤيتي وبرنامجي الإصلاحي، لكن التحالفات لا يوجد بها ثوابت وأمور نهائية، طالما أنه يمكن أن نلتقي على برنامج مشترك ، أو قواسم تتقاطع بينك وبينهم، حتى لو كان يخالفك، فالمهم موقفكما في هذه الجزئية ومثيلاتها.

والأصل أن تكون اليد ممدودة للجميع، لأن النجاح يعم جميع أبناء الوطن، وكذلك الحال حال الفشل والإخفاق. وأما إن لم تكن هناك قواسم مشتركة، فلست مجبراً على التحالف لأجل إعطاء صورة مشرقة عنك، ثم يقوم العديد منهم بمهاجمتك بعدها، مما يشكل طعنة قوية في خاصرة العمل الحركي والدعوي.

ختاماً.. العمل السياسي لا يجوز أن يخوض معتركه أي شخص، لابد فيه من الانفتاح ودراسة كافة الخيارات، والتعرف على التجارب السياسية الأخرى، وتحليلها وتقييمها، وهذا يتطلب توفير خبراء سياسيين، وغيرهم في جميع الجوانب القانونية والشرعية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.

إن سمو الغاية ونقاء الهدف، لا يحكم بالضرورة على نجاح المسيرة والوصول إلى التمكين والنصر، وإنما الأمر يتطلب بذل الجهد والإعداد لذلك

إن سمو الغاية ونقاء الهدف، لا يحكم بالضرورة على نجاح المسيرة والوصول إلى التمكين والنصر، وإنما الأمر يتطلب بذل الجهد والإعداد لذلك. وفي الوقت نفسه فإن ما يتعرض له أصحاب المنهج الأفضل والأصلح من ابتلاء، لا يشترط أنه بسبب صلاح منهجهم دائماً – علماً أنه وارد بكثرة- لكن أحياناً بسبب سوء وفشل التخطيط فيكون لهم دور في الإخفاق.

لكن لا يعني أنني أخفقت هنا أو هناك أن أحكم على تجربتي كلها بالفشل، فالعمل السياسي مليء بالمفاجآت، ولا يمكن إلا أن تواجه مصاعب ومشاق خلاله، لكن المهم هل نتعلم من تجاربنا السابقة، أم نعيد تكرارها بحذافيرها؟

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له …