إبراهيم الجرمي : كان النبي يشفق على العصاة.. وفي أيامنا نتربص بالمخطئين ونلمز أصحاب الزلات

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » إبراهيم الجرمي : كان النبي يشفق على العصاة.. وفي أيامنا نتربص بالمخطئين ونلمز أصحاب الزلات
الجرمي- المولد

تطل علينا نسائم ذكرى المولد النبوي الشريف، ذلك اليوم الذي أضاءت بنور مولده مشارق الأرض ومغاربها، مبددة ظلمات الوثنية التي استفحلت، جاء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فلا ظلم ولا عبودية، لا رق ولا سيادة، لا فرق بين عربي وعجمي، الأبيض والأسود سيان، الكل في ميزان الله واحد، حتى عمت العدالة ونشأ خير القرون وخير البشر.

الوقوف على بستان حياة محمد صلى الله عليه وسلم وارف لا يمل، وعلى كل مسلم أن يقتفي أثر محمد عليه السلام؛ ليحيا حياة محمدية سعيدة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي على الأرض، رحيماً عادلاً قوياً محباً، يجمع بين كل الصفات التي سعى كل مسلم للتحلي بها؛ لتبدل حال الأمة إلى غير الحال الذي نحياه، العديد من المحاور والوقفات حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تناولناها في حديثنا مع الدكتور إبراهيم الجرمي-المستشار الشرعي، والداعية الإسلامي-، فإلى الحوار.

بصائر: في هذه الذكرى، كيف للمؤمن أن يجدد عهده مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ خاصة أن بعض المسلمين يتهاون في القيام بالسنن، والأخذ بها بحجة أنها ليست واجبة!

د. إبراهيم الجرمي: "علاقة المسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم علاقة وثيقة في كل وقت وفي كل حين، وهي غير مرتبطة بزمن -وإن كنا نستغل بعض الأزمنة كنوع من تجديد الصلة الوثيقة- وإلا فالإنسان من بدء يومه وحتى نومه يكرر الأذكار، ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد أن العلاقة موجودة، وفي هذا اليوم يجدر ببعض الغافلين، أو الذين تناسوا أو نسوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتنبهوا ، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يغتنمون الأوقات، فيعلمون الناس المغازي، ويحفظونهم السيرة، كما يحفظونهم السورة من كتاب الله، إذ هي دعوة لنا جميعاً أن يكون لنا جلسة مع الأبناء، أو العائلة، أو الأقارب أو الأصدقاء، نتذكر فيها حدثاً من السيرة النبوية الشريفة، أو نقرأ عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليزدادَ من هو حي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليتذكرَ الغافل أن هذا الإنسان كان سبباً في هدايته من الظلمات إلى النور، وأذكر هنا أن مؤلفاً أمريكياً يهودياً، كتب كتاباً أسماه الخالدون المئة، واضطر أن يضع على قمتهم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، ونحن في زمن يحاول فيه البعض النيل من هذه الشخصية العظيمة، ألا فلنتقرب من سنته وهديه".

هذه المناسبة هي دعوة لنا جميعاً لأن يكون لنا جلسة مع الأبناء، أو العائلة، أو الأقارب أو الأصدقاء، نتذكر فيها حدثاً من السيرة النبوية الشريفة، أو نقرأ عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام؛ ليزدادَ من هو حي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليتذكرَ الغافل أن هذا الإنسان كان سبباً في هدايته من الظلمات إلى النور

بصائر: برأيك، ما هي أبرز المواقف النبوية التي على المسلمين استذكارها في الوقت الراهن والتعلم منها؟

د. إبراهيم الجرمي: "في ظني يجب أن ننظر لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم بسعة وشمول، لننظر لعلاقته بالله عز وجل كيف كانت، وعلاقته بالناس كيف كانت، لننظر لعلاقته بمن آمن وعلاقته بمن كفر، علاقته بالحيوانات، إذا حاولنا أن ننظر لهذه العلاقات الممتدة في كل الاتجاهات نراها في القمة، علاقته بالله تمثلت في غايته العظمى أن يرضى الله عنه.

بالمقابل كان تعامله مع المؤمنين في قمة الرحمة والرأفة، حتى مع الكافرين، كان عليه الصلاة والسلام يفرق بين الكافر الجاهل فهذا كان يترفق به ويحاول أن يدخل الإيمان في قلبه، وأن يوصل إليه الهداية، أما الكافرون المعاندون المعارضون، فكان لهم بالمرصاد؛ دفاعاً عن حرية العقيدة، وقد نزل عليه قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، فكان يحيا بها، ولا يريد لأحد أن يُكره أحداً على الدخول في الإسلام.

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً حتى بالعصاة -كماعز والغامدية التي زنت-، كانت نظرته إليهم نظرة شفقة، كان يشفق عليه الصلاة والسلام على أهل المعاصي والآثام لا كما نفعل اليوم، بمجرد خطأ من الناس فإذا بنا ننبز وننبذ، هذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الجانب الخيّر في الناس وليس للجانب السيئ ، إذاً فالنظرة الشاملة لتعامل النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقاته مهم في مثل هذا اليوم".

بصائر: ما هي توجيهاتك للفرد المسلم في ذكرى المولد النبوي الشريف؟

د. إبراهيم الجرمي: على المسلم أن يفقه أن حقيقة العلاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم هي القدوة والاتباع ، فالله تعالى يقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، وهنا نتساءل جميعاً، هل ما نفعله في هذا اليوم، لو عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يقبل به أم يرفضه؟ فإذا كان يرضاه فافعله، وإن كان لا يرضاه فإياك أن تفعله، فمثلاً، الإطراء والمبالغة في المديح يرفضها النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) [البخاري]، فكل المبالغات غير مقبولة، ولو فرضنا جدلاً أن هناك اجتماعاً غير مناسب بين رجال ونساء، ولم تراعَ فيه الحرمات، فإن هذا في محل رفض من الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما توزيع الحلويات -ابتهاجاً- والجلسات العامة فهي مباحة، وبعض الناس يستنكر ذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلم في يوم المولد ويقول هو بدعة، كلا هذا ليس بدعة، فالسنة هي ما نقل عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وعندما نتذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية والخُلقية نكون في قمة السنة، أي شيء نفعله يجب أن يكون مما يوافق عليه الإسلام، فإن لم يكن من الموافق عليه فلا لفعله".

السنة هي ما نقل عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وعندما نتذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية والخُلقية نكون في قمة السنة

بصائر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يركز على التآخي وحسن التجاور بين الناس، في أيامنا أصبح مفهوم الجيرة معدوماً! وتشتت الناس وأصبحوا أكثر عزلة عن الآخرين، ما توجيهكم؟

د. إبراهيم الجرمي: "جاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليجمع الناس لا ليفرقهم ، جاء ليؤلف بينهم قال تعالى: {وألَّفَ بين قلوبهم}، هو الذي كان يرفض الناس أن يقابلوا السوء بالسوء، وعندما جاء رجل إليه عليه الصلاة والسلام فقال: "يا رسول الله إن لي قرابة أحسن إليهم ويسيئون إليّ، أصلهم ويقطعونني!" نصحه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى على ما هو عليه، فسيكون معه حفيظ من الله، وهذا ليس مقتصراً على ذلك الزمان، بل هو في كل الأزمنة، ويجب أن تكون علاقة المسلم بالمسلم علاقة أخوة، قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، فشبه الله عز وجل أخوة المؤمنين بأخوة الدم، أي مثل الأشقاء تماماً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) [البخاري ومسلم]، وهو الذي أمرنا كثيراً أن نتحمل وأن نصبر فقال: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [رواه الترمذي وغيره]. كم أوذي عليه السلام من أهله المقربين ومن غيرهم! لكنه صبر واحتسب، من لم يسر في هذه الطريق التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون في حبه للرسول نوع من الادعاء.

بصائر: ما أهمية الاعتياد على تكرار الصلاة على رسول الله وأثرها في حياة الفرد؟

د. إبراهيم الجرمي: "الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي من أكثر القربات، وأسهلها وأقربها إلى النفس، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}، الصلاة منا عبادة، فنحن نسأل الله أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم في الدرجات المستحقة، وهذا معناها، وهي العلاقة الوثيقة بهذا النور، وهو السراج، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ قُلْتُ الرُبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ النِّصْفَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ :مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ :إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"[رواه الترمذي].

فهذا الحديث يؤكد على عظمة الأمر، فمن أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد غنم، حتى ورد في بعض الأحاديث أن الدعاء لا يكون في محل للقبول إلا إذا بدأ بالصلاة على النبي، وختم بالصلاة على رسول الله، أي أن عليك أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو، ثم تختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم".

من أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد غنم، حتى ورد في بعض الأحاديث أن الدعاء لا يكون في محل للقبول إلا إذا بدأ بالصلاة على النبي، وختم بالصلاة على رسول الله

بصائر: تستشعر في هذه الذكرى حب المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف يضمن المسلم شربة من يد النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ورفقة الآخرة؟

د. إبراهيم الجرمي: "جميعنا نجب أن نرنو وننظر لهذه الدرجة العظيمة، وهي أن نكون في محل القرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ومن هنأ بشربة من يده الشريفة فهنيئاً له، ومن كان النبي راضياً عنه فهنيئاً له؛ لأن النبي الكريم كما يستقبل أناساً من أمته، سيتخلى عن أناس كما جاء في الحديث: (ليذاد أقوام عن حوضي، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك) [البخاري ومسلم]. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يذكر أن أحد الصحابة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله ادعو الله لي أن أكون رفيقك في الجنة، فقال له رسول الله: أعني على نفسك بكثرة السجود) [مسلم]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأحسابكم) . إذاً فإن عمل اللسان يجب أن يتبعه عمل الجوارح؛ ليصبح الإنسان محمدياً ، وهذا يحتاج لقول باللسان، واقتداء وعمل الجوارح؛ لنكون على نهج محمد صلى الله عليه وسلم وهديه".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

صحفية في موقع “بصائر” الإلكتروني، وصحيفة “السبيل” اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة “الفرقان” التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

حماد: قرار “ترامب” قفز بالقضية الفلسطينية إلى أعلى مستوياتها، والحديث عن سلاح حماس “انتحار”

بعد 30 عامًا من انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الأراضي المحتلة، الحركة التي عاصرت …