بين الكراهية والوجوب.. كيف نحتفل بالمولد النبوي الشريف؟

الرئيسية » بصائر الفكر » بين الكراهية والوجوب.. كيف نحتفل بالمولد النبوي الشريف؟
المسجد_النبوي_الشريف_-_المدينة_المنورة

تضاربت الأقوال بين إباحة الاحتفال بذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، آخر رسل الله إلى الأرض ونبي هذه الأمة، وبين كراهية الاحتفال به استناداً إلى حديثه عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (لا تُطروني كما أَطْرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) [البخاري].

والإطراء: هو الإفراط في المديح، ومجاوزة الحد فيه، وهذا هو المحظور في التعامل مع محمد صلى الله عليه وسلم كنبي مرسل.

وعلة الكراهة في الاحتفال هو الإطراء الذي يخرج شخص النبي صلى الله عليه وسلم كإنسان بشري، ليدخله في دائرة الإلوهية، والشرك في العبادة، كما فعل النصارى بتقديسهم للنبي عيسى عليه السلام حد تأليهه، وجعله ابنا لله الواحد الأحد.

ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام أهل للتعظيم، ليس في يوم واحد من أيام السنة، وإنما هو أهل لذلك كل أيام العام، وكل يوم من أيام عمر الإنسان الذي يدين له بعد الله بالهداية، والنجاة من الخلود في النار في الآخرة، والخروج من ربقة الجهل والشرك والضلال في الحياة الدنيا، وأهل أن تذكر سيرته العطرة في كل لحظة؛ لأنه المبلغ لرسالة رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل.

لا شك أنه عليه الصلاة والسلام أهل للتعظيم، ليس في يوم واحد من أيام السنة، وإنما هو أهل لذلك كل أيام العام، وكل يوم من أيام عمر الإنسان الذي يدين له بعد الله بالهداية

قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عليهمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}[الأحزاب: 21].

{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[سورة الحشر: الآية 7].

{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63 ].

الآن يا عمر

وحب النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتفاء به شرط لاكتمال الإيمان ، فعن عبد الله بن هشام قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر) [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: (فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والِدِهِ، وَوَلَدِه، والناسِ أجمعين) [متفق عليه].

وتختلف شعائر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من قطر مسلم لقطر آخر، ولكل شعب من تلك الشعوب عاداته وتقاليده التي لا تمت للدين لا من قريب ولا من بعيد، ولا تخدم قضية العقيدة في شيء، وإنما هي مجرد شعائر يفعلها أصحابها بلا وعي، كإقامة السرادقات والغناء المصاحب للموسيقى الصاخبة، وما إلى ذلك من شعائر ليست من الإسلام في شيء، وفي الوقت الذي تحتفي فيه الأنظمة بتلك الترانيم، تحرص على تشويه السيرة النبوية الشريفة، وتفريغها من مضمونها، حتى لا تتحول سيرته صلى الله عليه وسلم لطريق هداية، وسبيل رشاد، إن اتبعته الأمة فسوف تخرج حتماً من كبوتها الحالية.

لا يجوز أن تمر هذه الذكرى على المسلمين مرور الكرام، وإنما يجب أن تكون حافزاً لمعرفته صلى الله عليه وسلم بعمق أكثر، فمعرفته أدعى لمحبته

وذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن تمر على المسلمين مرور الكرام، وإنما يجب أن تكون حافزاً لمعرفته صلى الله عليه وسلم بعمق أكثر، ومعرفته أدعى لمحبته، فالجهل بإنسان يبعث على التحرز منه، والأنبياء أكثر الناس استحقاقاً لمعرفتهم بشكل تفصيلي، بما أنهم قدوة للإنسانية في كل صغيرة وكبيرة، وبما أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو النبي الخاتم، وحامل الرسالة الكاملة الشاملة والأخيرة للبشرية، فهو أولى الأنبياء بكامل المعرفة.

وللنبي علينا عدة واجبات لمحبته واستحقاق اتباعه، واستحقاق شفاعته يوم القيامة، واستحقاق محبة الله عز وجل، الذي جعل شرطاً لمحبة الله اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران،31]. وتتمثل هذه الواجبات بما يلي:

أولاً- قراءة سيرته

والسيرة النبوية هي التفسير العملي لكتاب الله عز وجل، والقرآن الكريم نزل منجماً تعقيباً على أحداث، أو تبييناً لها، مثلما حدث في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وتعامله مع المشركين في الحديبية، ومع أهل الكتاب في المدينة، فهي تبين الخطوط العامة للتعامل مع الصف المسلم أولاً، ومع الآخر ثانياً، كمنهج للعلاقات الدولية في الدولة المسلمة.

كذلك فإن من فوائد قراءة السيرة النبوية بشكل منهجي، أنها تساعد على فهم العقيدة بطريقة عملية، من خلال السلوك العملي للنبي صلى الله عليه وسلم عبر مسيرته الحافلة بمواقف الإيمان والثبات في مواجهة المحن والإيذاء والمساومات، خاصة في المرحلة المكية التي شهدت صراعاً عقيدياً شديداً بين معركة الإيمان والكفر، من ضغوط في التعذيب البدني، ومساومات على الدين، وإغراءات بالملك، وكيفية الثبات على المبدأ رغم كل ما مر بالصف المسلم من عنت وجهد إلى حد القتل من شدة التعذيب، والتهجير من الديار، والتفريق بين الأحبة!

من فوائد قراءة السيرة النبوية بشكل منهجي، أنها تساعد على فهم العقيدة بطريقة عملية، من خلال السلوك العملي للنبي صلى الله عليه وسلم عبر مسيرته الحافلة بمواقف الإيمان والثبات في مواجهة المحن والإيذاء والمساومات

ثانياً- التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم

ومن واجبات المسلم التي لا يكتمل إسلامه إلا بها، حين جعل الركن الأول من أركان الإسلام هو النطق بالشهادتين، فجعل "شهادة لا إله إلا الله" وحدها لا تدخل الإنسان الإسلام، إلا إذا شهد بأن محمداً رسول الله وعبده ونبيه، وجعل التأسي به استكمالاً للدين، وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) [أبو داود]، وهناك من القضايا الكبرى التي لم يرد لها توضيحاً أو تفصيلاً في القرآن، مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والمعاملات، ووضحتها السنة النبوية، مثل أقواله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) [البخاري ومسلم]، و(لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) [البخاري ومسلم]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن) [مسلم].

ثالثاً- دراسة أحوال الأمة في ضوء السيرة النبوية

تمر الأمة الإسلامية اليوم بما لا يخفى على أحد، من مرحلة هبوط وتراجع وانهزام، ربما لم تمر بها من قبل، حتى في أشد أوقاتها تعرضاً للغزو فترات الغزو الصليبي والتتري، وما أحوج المصلحين اليوم لدراسة منهج يبين طريق الخلاص، وفقه النصر والتمكين، والجهاد والصبر والثبات ، والتعلق بالله مع الأخذ بكافة الأسباب الممكنة؛ لمواجهة العدو، مع حسن التربية التي تبلغ بالفرد المسلم أن تستوي عنده الشهادة بالنصر، ليقول أحدهم إنها إحدى الحسنين، إما النصر وإما الشهادة، أيضاً توضح جانباً هاماً وهو بركة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تجعل فئة قليلة تغلب فئة كثيرة في بدر، وفئة متكافئة تنهزم في أحد؛ لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

رابعاً- الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

ومن حق النبي علينا في ذكرى ميلاده، إفشاء الصلاة عليه؛ لتكون عبادة يومية للمسلم في كل أحواله مدى العام، وهو ما أمر الله به عباده المؤمنين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وفي معنى الصلاة في الآية الكريمة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: " قال البخاري رحمه الله تعالى: قال أبو العالية رحمه الله تعالى: صلاة الله تعالى: ثناؤه عليه عند الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وصلاة الملائكة المكرمون: الدعاء. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: يصلون: يبركون."

وصلاة المسلم على نبيه تبلغه عليه الصلاة والسلام، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (ما مِن أحدٍ يسلِّمُ عليّ إلَّا ردَّ اللَّهُ على روحي حتَّى أردَّ عليهِ السَّلامَ)[أبي داود:2041]، وصححه الألباني في [صحيح الجامع: 5679].

وفي الحديث النبوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (لا تجعلوا بيوتَكُم قبورًا، ولا تجعلوا قَبري عيدًا، وصلُّوا عليّ فإنَّ صلاتَكُم تبلغُني حَيثُ كنتُمْ) [أبي داود:2042] وصححه الألباني في [صحيح الجامع:7226]، وفي الحديثين الشريفين بيان لعظم أجر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهي صلة قوية بين النبي صلى الله عليه وسلَّم وبين أحبابه صلى الله عليه وسلَّم من المؤمنين.

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلَّم تنفي عن العبد صفة البخل المذمومة ، فعن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (البَخيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِندَهُ ، فلَمْ يُصَلِّ عليّ). صححه الألباني في [صحيح الترغيب: 1683].

ثم هي من علامات الإيمان، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ من والدِه وولدِه والناسِ أجمعينَ). [البخاري ومسلم].

وآيات الله في القرآن في هذا المضمار لا تحصى، وكذلك الأحاديث النبوية التي تحثنا على اتباع المنهج السماوي بشقيه: "كتاب الله وسنة رسوله". فعلينا بها سلوكاً ومنهاجاً، وليس مجرد أحاديث ترددها الألسنة، والاحتفاء بالنبوة بهذا الشكل يمثل واجباً إسلامياً يستلزم على الأمة إتيانه، وليس التنفير منه، ولا يؤدي بحال إلى خلل عقيدي، أو سلوكي مما وقعت فيه الأمم من قبل، نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك وهو عليه قدير.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

“أنامل التدوين” .. قشة نجاة الأمل في إحياء القضية الفلسطينية

لم تتوقف الكلمات السياسية في المحافل الدولية، خلال الأيام الماضية عن الشجب والتنديد بقرار ترامب …