ست بصائر عند اختيار شريك الحياة (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » ست بصائر عند اختيار شريك الحياة (2-2)
Linked Wedding Rings

4. التفكر الجاد

أحيانا مع طول امتداد فترة التعارف، تجد أن أحد الطرفين إذا سئل عن تقييمه للآخر تكون إجاباته حائرة عائمة، وتوصيفاته فضفاضة، ويتبين أن فترة التعارف الثمينة أهدرت في غير تركيز، بسبب الهيام في دنيا الأحلام وسحر اللحظة. ما لا نتنبه له غالبا إلا متأخراً بعد أن تتعلق القلوب على غير هدى، هو أن فترة التعارف إنما شرعت للتعرف في الأساس لا لأي شيء ولا شعور آخر . لذلك لابد من اليقظة في اللقاءات بما يعينك بعد انتهاء اللقاء على التفكر في ملاحظاتك وانطباعاتك عنه، سواء دوّنت تفكرك كتابة، أو اكتفيت بمحاورة متأنية مع نفسك، بعد اقتطاع وقت خاص بعيد عن الضوضاء والمشتتات.

والتفكر المراد هنا ينقسم إلى:

1. عقلي\منطقي: من حيث مدى مقاربة أو مباعدة هذه الشخصية من مرجعيتك ومعاييرك، ومدى ارتضائك للموازنة المترتبة على ذلك، ومدى استعدادك للرفض القطعي أو القبول المبدئي، أو حاجتك للاستزادة من التعارف.

2. وشعوري\وجداني: بتتبع مشاعرك وانطباعاتك، فتحددها بصياغتها ما أمكنك، ثم تمضي وراءها كأنما يقودك خيط غير مرئي إلى جذورها. فلا يكفي - مثلا – التوصيفات الفضفاضة من قبيل: "أشعر بالارتياح" أو "أشعر بالضيق"، بل تابع كل شعور بتساؤل: لماذا شعرت هكذا؟ ما الذي ساءني بالضبط؟ هل هو أمر عابر أم يدل على طبع أو صفة في الشخصية؟ هل هذا مما يمكن لي تقبله؟ وفي مقابل ماذا؟ هل يستحق إثارة نقاش حوله المرة المقبلة أن يمكن تمريره؟ هل لو تكرر سيسعدني\يضايقني ثانية؟

والهدف من هذه التقسيمة والاهتمام بالصياغة والتحديد ليس التعقيد والتضييق، وإنما أن تكون تحليلياً لا تكتلياً في طريقة تفكيرك بشكل عام، بمعنى ألا تعامل المواقف بتعميمات هُلامية والأشخاص على أنهم "كتل" صماء. فالشخص الذي "يريحك" التواجد معه ليس ملاكاً تماماً، بل لأن فيه صفات معينة هي أهم ما تبتغي تغلب فيه على ما يمكن ألا يوائمك، فمن الضرورة الاجتهاد في تتبع هذه المواصفات للوقوف على مدى اكتفائك بها، وبالتالي حين تكره من الطرف الآخر شيئا مستقبلاً تعلم تماما أنك ارتضيت شيئاً في مقابله، فلا هو ملاك إذا رضيت وشيطان إذا غضبت!

الشخص الذي "يريحك" التواجد معه ليس ملاكاً تماماً، بل لأن فيه صفات معينة هي أهم ما تبتغي تغلب فيه على ما يمكن ألا يوائمك

وهذا النهج في التفكير من خير ما ينفع في معالجة الانجراف للتعلق بالطرف الآخر قبل التوثق من أهليته، لأن هذا التفكر ومحاولة صياغة العواطف من خير ما يحكم زمامها ويجعلك الموجه لها لا العكس، فلبعض الشخصيات جاذبية أو نجومية اجتماعية قد لا يكون لها أحياناً سند من أصالة المعدن، وهذا ما سيتضح لك عقلانياً بالضرورة مع تتابع جلسات التقييم والتفكر، حتى لو كره قلبك الإقرار بذلك في البداية.

لابد من دوام تذكير النفس أن هذا التعارف مقدمة لتمكين محتمل للطرف الآخر من نفسك، بكل ما يحمله التمكين من معنى وما يتبعه من مسؤوليات. لذلك لابد من الجدية والدقة في التعامل مع الأمر، بما يعين على اتخاذ قرارك بحسم لا يؤرجحه تردد ولا يتبعه ندم، وتبنى عليه مسؤوليات وتَبِعات في الدنيا والآخرة معاً.

5. المكاشفة والمصارحة

والهدف الثاني من جلسات التفكر، أن تكون ملاحظاتك منها هي مادة لقاء التعارف التالي إذا كان هنالك مزيد تعارف. فبقدر ما ينبغي أن يكون كل طرف واضحاً في البيان عن نفسه، كذلك ينبغي أن يكون واضحاً في طلب المكاشفة من الطرف الآخر. وطلب الصراحة والوضوح بأدب وحسن لباقة هو خير شرعاً ونفساً من الدوران في دوامات ظنون وتخمينات وتأويلات، خاصة وأن النفس تميل لبناء أحكام وقرارات وتصرفات بناء على الظنون كأنها ثبتت في حق المظنون به، ناهيك عن كم الاستنزاف النفسي والحيرة والتخبط وسوء الظن التي يقع فيها أصحاب التأويلات.

ولابد من التنبه إلى الذكاء في درجة المصارحة والمكاشفة المطلوبة بحسب كل مرحلة، فالتعارف الأوّلي غير الشروع في خطبة، والخطبة غير الإقدام على العقد. أي أن كل مرحلة تتطلب درجة مصارحة ومكاشفة أعلى لا ينبغي التحرّج منها أو استباقها قبل أوانها ، سواء تعلق الأمر بمشاعر وانطباعات، أو بالأهل والأواصر، أو بالتجهيزات والمادة... إلخ.

طلب الصراحة والوضوح بأدب وحسن لباقة هو خير شرعاً ونفساً من الدوران في دوامات ظنون وتخمينات وتأويلات، خاصة وأن النفس تميل لبناء أحكام وقرارات وتصرفات بناء على الظنون كأنها ثبتت في حق المظنون به

6. الاستخارة والاستشارة

فأما الاستخارة، فالتأمل في دعائها العظيم كفيل بالشفاء من كل هواجس المستقبل وتخوّفات العواقب، فالدعاء جامع مانع لطلب الخير وصرف الشر في عاجل الأمر – الآن، وآجله – المستقبل، وعاقبته أي في ميزان الحساب.
(اللهم إني أَستخيرُك بعِلمِك، وأستقدِرُك بقُدرتِك، وأسألُك من فضلِك، فإنك تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أَعلَمُ، وأنت علَّامُ الغُيوبِ، اللهم فإن كنتُ تَعلَمُ هذا الأمرَ - ثم تُسمِّيه بعينِه - خيرًا لي في عاجلِ أمري وآجلِه - قال: أو في دِيني ومَعاشي وعاقبةِ أمري - فاقدُرْه لي ويسِّرْه لي، ثم بارِكْ لي فيه، اللهم وإن كنتُ تَعلَمُ أنه شرٌّ لي في دِيني ومَعاشي وعاقبةِ أمري - أو قال: في عاجلِ أمري وآجلِه - فاصرِفْني عنه، واقدُرْ ليَ الخيرَ حيثُ كان ثم رَضِّني به) [البخاري].

وفي ختام الدعاء "واقدر لي الخير حيث كان" ما يلفت عين البصيرة إلى مفهوم الخير، الذي وضّحه حديث "أمر المؤمن كله خير". فكله خير من حيث عاقبته وليس في صورته المباشرة، أي من حيث أنه "إذا أصابته سراء فشكر" كان شكره هو الخير له وليس السراء في ذاتها، إذ قد تكون شراً في حق من يبطر ويجحد ولا يشكر، "وإن أصابته ضراء فصبر" كان صبره هو الخير له وليس الضراء، فتكون شراً في حق من يجزع ويسخط ويتذمر. فالعبرة ليست في نتائج الأمور بزواج أو طلاق ولا في صور الأرزاق بمنع أو منح، وإنما في كيفية تعاملك معها كلها على أنها جزء من أجزاء الاختبار الممتد، فإذا أحسنت التعامل على أمر الله كانت عاقبتك كلها خيرا بغض النظر عن صور السياقات.

وأما الاستشارة، فتنبه إلى أن كل ناصح ينصح بناء على نسقه الخاص ومرجعيته الشخصية، لذلك ليس كل مشورة مفيدة ولا كل نصيحة تتغاضى عنها . احرص أن تتخير من تستشير ممن يتفقون ومبادئك، ليكونوا أعون على تبصيرك أو تثبيتك. وكذلك لا تكتفي بالأحكام أو المشورات النهائية كأنها مسلّمات، وإنما استفسر عن سبب هذا الرأي وسر ذلك التقييم، أي احرص أن تفهم من ناصحك ما المعايير التي توصل بها لما نصح، فذاك أعون على انتفاعك بالنصيحة حين يتبين لك منظور الناصح، ومدى مقاربة هذا المنظور لحقيقة أمرك وسياقك.

احرص أن تفهم من ناصحك ما المعايير التي توصل بها لما نصح، فذاك أعون على انتفاعك بالنصيحة حين يتبين لك منظور الناصح، ومدى مقاربة هذا المنظور لحقيقة أمرك وسياقك

ومن الأهمية بمكان التنبه إلى الهوى في تقبل المشورة، فعين الهوى عن كل عيب كليلة، بمعنى أن يغلّب طرف هواه في إرادة الآخر، وبالتالي قد يصم آذانه لا إرادياً عن كل من يحذره أو ينبهه، فلا يَعِي ما وقع فيه إلا حين تبدأ عين البصيرة في إظهار الحقيقة وعين السخط في بيان المساوئ، ولكن بعد فوات الأوان. لذلك ينبغي تَخيّر الناصحين والمستشارين ممن يوثق برجاحة رأيهم وإخلاص نصحهم، والتنبه إلى ما يرونه بعين الخبرة، مما لا يراه الناظر بعين الهوى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

خمسة أسباب تمنع عملية تحديد الهدف، وخمسة تُعين عليها!

أن تكون خبيرًا في عملية تحديد الأهداف وصنع القرارات يعتبر أمرًا مهمًا بمكان، إذا أردت …