لكنك عند الله غالٍ

الرئيسية » خواطر تربوية » لكنك عند الله غالٍ
A Muslim man reads the Koran during the holy month of Ramadan in

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان خير البشر الأنبياء والرسل أولى باستقامتها وصفوها، حتى إذا مسَّك ضرٌ، وأصابك حزن، واستوحشت في غمار أيامها وسنينها، فأصبحت الغربة زادك وعتادك اشرأبت نفسك، وولج قلبك سبل الأنبياء والصالحين؛ لتجد في سيرتهم ما يؤنس وحشتك وغربتك، ويمسح على آلام روحك ويضمد جراح قلبك.

فتطل عليك السيرة النبوية بقبس يضيء لك جنبات نفسك، ويبدد ما أظلم حولك وفي وجهك، ويخط لك منهجاً من النور إذا ما اتبعته كان فيه خلاصك وارتفاعك، ولأنوار السنة النبوية افتح قلبك وفكرك، واتركهما ينهلان من عذوبتها، فلا ترتوي روحك ولا قلبك حتى تَرِدَ الحوض، وتشرب منه حقيقة لا مجازاً، وحتى تبلغ ذلك اليوم علل قلبك وراوده بأروع ما وصلك من سيرة حبيبك ونبيك؛ ليصلنا عبر الزمان والمكان شعاع نور ينير دروبنا، ويزيل الأذى عن قلوبنا، فيجعلنا ذلك نتمسك بالحق ما استطعنا إليه سبيلاً.

فهذا الصحابي زاهر-الذي كان يعرف بذمامة في وجهه تُنفر الناس منه- يروي أنس بن مالك لنا قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:

"إن رجلاً من أهل البادية يقال له زاهر بن حرام، كان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهراً بادينا ونحن حاضروه، قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت إليه فلما عرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري هذا العبد؟ فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسداً. قال: لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال صلى الله عليه وسلم: بل أنت عند الله غالٍ." [صحيح ابن حبان].

فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى جاء؛ ليرسخ مفهوماً جديداً، ويرسم منهجاً صادقاً في تعامل الإنسانية بعضها مع بعض، ويقوّم الاعوجاج الذي يقع به بعضنا -إن لم تكن غالبيتنا- عندما تخطف أبصارنا الشكليات والمظاهر، فما شقيت الإنسانية، ولا ضاعت معاني إنسانيتها إلا بعد أن أصبحت تتحاكم للمظاهر والشكليات، وقد أعرضت عن حقيقة الأشياء وجوهرها.

فلو نظر الناظر منا لتصرفات الكثير من البشر، لوجد تهافت الكثير، ووقوفهم حول شخص يسعل إثر نزلة برد من أصحاب القصور الشامخة، والسيارات الفارهة، والأموال الطائلة، وكأنهم الحصن الحصين الذي يصد عنه ذرات الغبار، وتأمل لو أنه رَكن سيارته لعطلٍ طارئٍ، كم شخص يتسابق لعرض خدماته عليه!

هؤلاء الذين ينظر لهم البعض على أنهم مجرد رقم في التعداد السكاني، قد يكونون أثمن بكثير ممن ظننا بأنهم أعظم شأناً وأجل قدراً

أما أولئك المعدمون الذين لسعت ظهورهم سياط الفقر، ومزقت أحشاءهم مخالب الجوع، ونهشت من أرواحهم أنياب الابتلاءات، لما وجدت أحداً يأبه لأمرهم، أو ينظر لحالهم، فيأتي الوحي النبوي؛ ليعيد الأمور لحقائقها، فمن ينظر لهؤلاء ويشتريهم وجزاءه على ملك الملوك؟ هؤلاء الذين ينظر لهم البعض على أنهم مجرد رقم في التعداد السكاني، قد يكونون أثمن بكثير ممن ظننا بأنهم أعظم شأناً وأجل قدراً، فيقرر النبي المصطفى عليه السلام: (ولكنك عند الله غال)، فثمة معيار آخر يقيّم الإنسان، ويقرر قدره وقيمته، معيار دقيق، هو قدرك ومكانتك عند الله من يقرر ثمنك إن كنت غالياً أو رخيصاً، أما قيمتك في نظر أولئك الذين يسيرون وفق معايير الأرض، لا تسمن ولا تغني من جوع.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

المسلمون ونفير القدس

لاشك أننا نحيا ونعاصر أحداثًا جساماً يشهدها العالم وتشهدها منطقة الشرق الأوسط خصوصا مع تصاعد …