مثقفون تحت الطلب

الرئيسية » حصاد الفكر » مثقفون تحت الطلب
money-through-glasses

في معمعة الصراعات المضطرمة في المنطقة تلجأ أنظمة سياسية إلى توظيف أعداد من المثقفين ليخوضوا عنها الصراع في جانبه الفكري، وغالبا ما توفق تلك الأنظمة في اصطياد من يقع عليهم الاختيار لأداء تلك المهمة، لأن غالب أولئك المثقفين ممن تشرئب أعناقهم لاقتناص مثل تلك الفرص كلما لاحت لهم في الأفق.

يبدأ المثقف مسيرته الثقافية متجردا في طلبه للمعرفة، فهو يسعى إليها ويحرص على الاستزادة منها لما وجده في عوالمها المتنوعة من غذاء معرفي أثرى عقليته، وعمق فهمه، ووسع مداركه، وأكسبه معرفة جيدة بثقافات الأمم الأخرى عبر مراحلها التاريخية المتعاقبة، فالمثقف في حال تجرده يحرص على أن يكون طلبه للمعرفة لذات المعرفة، مع ترفعه عن أن يكون أداة رخيصة بأيدي أصحاب السلطة والثروة.

لكن المثقف ما أن يقترب قليلا من عالم المال والأعمال، ويجد نفسه منخرطا في عالم الكتابة مدفوعة الأجر، حتى تبدأ نفسه تتشوف إلى الظفر بالمزيد من تلك الفرص، وصاحبنا يعلم علم اليقين ـ وهو العالم ببواطن الأمور، والمدرك لخلفيات المشهد الظاهر ـ ، أن الممول يريده أن ينضبط تماما بأجنداته الفكرية والسياسية، ولا يتسامح معه بمخالفة ذلك ولو بالنزر اليسير، ما يعني بالضرورة تكيفه التام، وخضوعه الكامل لتوجهات الدافع وتعليماته.

ينتقل مثقفنا الطامح إلى أفق دنيوي أرحب، من نمطه الحياتي المتواضع، إلى نمط حياتي آخر، يختلف في مستواه وإطاره الاجتماعي عن سابقه، الأمر الذي يقيده ويكبله بمواصفاته وشروطه الجديدة، ما يبقيه بشكل دائم متطلعا إلى المزيد من الفرص هنا وهناك، ليلبي متطلبات «برستيجه» الجديد الذي وضع نفسه فيه، وبعد أن يذوق صاحبنا حلاوة ذلك، مع طلبه للمزيد منه، تنهار مناعته الذاتية التي كانت تحول بينه وبين الانجرار إلى ما كان يرفضه في سابق عهده.

من عجائب تلك الطبقة من المثقفين أنها وهي تمارس مهمتها التنويرية ـ التوصيف المحبب إليها ـ غالبا ما تشتد في توجيه سهام نقدها إلى الجهة الأضعف، ألا وهي الحركات الإسلامية السياسية، مع أن ما في تلك الحركات من سلبيات ونقائص وأخطاء، لا تكاد تذكر إذا ما قورنت بمصائب وآفات وكوارث الأنظمة السياسية التي تقوم بدفع رواتب تلك الطبقة من المثقفين ومكافآتها، أي أنها بكل بساطة رضيت لنفسها القيام بالمهمة القذرة.

حينما يتصدر بعض أولئك المثقفين لإثارة المخاوف والهواجس حول حقيقة توجهات اتجاهات إسلامية في إعلانها الدائم عن قبولها بالخيار الديمقراطي، واحترامها التام لمساراته ونتائجه، ومشاركتها السياسة استنادا إلى ذلك، مع صمت أولئك المثقفين في الوقت نفسه عن انتقاد الذين انسلخوا من أفكارهم حينما وصلوا إلى السلطة أو تحالفوا مع أصحابها، فإنهم بذلك يسقطون في امتحان الممارسة العملية، مع أنهم صدعوا رؤوس الناس من قبل في عالم التنظير المثالي.

من المؤسف حقا أن ترى تلك الطبقة من المثقفين، تبيع ثقافتها وفكرها لصالح أنظمة كانت توصف من قبل في أدبياتهم وقواميسهم بالرجعية والمتخلفة، فمن الذي بدل وغير؟ وما الذي تغير في عالم الرؤى والأفكار؟ هل فارقت تلك الأنظمة ما كانت عليه حينما كانوا يصفونها بتلك الأوصاف، أم أنهم هم الذين تغيروا، فبات تحصيل المكافآت من هنا وهناك هو مقصدهم الأول والأخير؟.

ولأن التجارة الرائجة هذه الأيام، غالبا ما تشتغل بشن الحملات تلو الحملات لمكافحة الإرهاب (طبعا إرهاب الأنظمة الاستعمارية والاستبدادية خارج التغطية)، فإن تلك الطبقة من المثقفين تجد لها سوقا، بوصفها من أهل المعرفة العميقة، والخبرة الواسعة في تفكيك أفكار ورؤى التطرف والغلو والعنف، فهم جاهزون لذلك، وتحت الطلب.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة السبيل
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

وعد بفلور.. ووعد الشعب الفلسطيني

مئة عام مرت وما زال الجرح على مصراعيه مفتوحا. ماذا كان يدور في خلد وزير …