هبّة القدس.. دون المطلوب

الرئيسية » بصائر الفكر » هبّة القدس.. دون المطلوب
665001584001_5670217320001_5670215480001-vs

لعل من الإنصاف أن نذكر أن ما حدث من تصريحات صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا تشكل محورا محوِّلا لطبيعة القضية الفلسطينية ولا تضيف شيئاً جوهرياً على طبيعة الصراع هناك، ففلسطينُ محتلةٌ كلُّها إلا القليلَ مما يُسمى قطاعَ غزة، والقدسُ مهودة وتحت سيطرة الجيش المحتل، ومتى ما شاء اليهود سمحوا للمسلمين بالصلاة هناك ومتى ما شاؤوا لم يسمحوا لابن أنثى بالدخول هناك، والمعابر كلها بيد اليهود باستثناء معبر واحد، وهو معبر رفح، ولا يشكل فرقاً نوعيًا عن معابر اليهود من حيث إغلاقها لسبب أو دون سبب منذ انقلاب السيسي على مرسي.

لكن تبقى #القدس هي مهوى الأفئدة، وهي أيقونة الجهاد المقدس، وهي موعودة المسلمين كعاصمة آخر الزمان كما يرى الكثير من العلماء، على الأقل هي محور الصراع آخر الزمان، وشاءت الأقدار الإلهية أن يكون هذا الشيء مشتركاً بين جميع الأديان السماوية، وهي حتمية الصراع نهاية الزمان، ومحوره القدس وما حولها؛ لذا كان من الطبيعي أن نرى الهبّات الشعبية وتحرك بعض الأنظمة رسمياً وبغض النظر عن أهدافهم الحقيقية، ورأينا التفاعلَ الإيجابي من قبل قادة الكيان الصهيوني، فما يجري من حراك أغلبُه تحركه العواطف ليس أكثر فيما يتعلق بالمستوى الشعبي، خاصة أن القرار الأمريكي هو قرار دولة وليس اعترافاً دولياً كما أنه لا يمثل سوى نقل موظفين من مدينة إلى مدينة أخرى ، هذا هو الوضع الراهن، بعيداً عن التكهنات والتنبؤات بما يسمى بخطورة هذا القرار.

أما المستوياتُ الرسمية فللأسف فإنها لا تزال تضحك على شعوبها، والشيء المخزي أكثر أن هذه الشعوب صدقت كذبة الأنظمة ودارت في فلكها في هذه القضية، ورأت أن تلتف الجماهير حول قيادتها من أجل إيقاف هذا القرار، ولا تزال أيدي هذه الأنظمة ملخطة بدماء الشهداء الفلسطينيين في الداخل والخارج، وهذا يدلل على طبيعة العقلية السياسية البسيطة والعاطفية لدى الشعوب والجماهير، ويؤكد نظرية أنه لن تقاد هذه الأمة إلا بالنخب.

النظام العربي الذي لا تزال بينه وبين اليهود معاهدات سلام، ويده بيده، ثم يدعو شعبه للتحرك ماذا يريد؟ وما هو هدفه من هذا التحرك؟

مشاعر الشعب تتداخل وتذرف الدموع على هذا النظام الذي يريد الحفاظ على مقداستنا ونقف خلفه ونهتف باسمه، والحقيقة (مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً)، للأسف فإن هذا الحراك الذي تريده الأنظمة ما هو إلا للمحافظة على معاهدات السلام، والعلاقات المشتركة مع الكيان الصهيوني كي يضغطوا على أمريكا بأن هناك حراكاً في الشارع ضد قراركم، ولو أرادوا الحفاظ على القدس لضغطوا على اليهود وأمريكا بتلك المعاهدات وألغوها وألغوا ما فيها، لا أن نهددهم من خلال حراك الشارع، والغريب والمضحك بنفس الوقت أن الشعوب التي صدقت وقامت اجتهاداً بالتوجه للسفارة الأمريكية للتظاهر هناك تم قمعها من ذات النظام الذي دعاها للتحرك ضد القرار الأمريكي!

للأسف فإن هذا الحراك الذي تريده الأنظمة ما هو إلا للمحافظة على معاهدات السلام، والعلاقات المشتركة مع الكيان الصهيوني ولو أرادوا الحفاظ على القدس لضغطوا على اليهود وأمريكا بتلك المعاهدات وألغوها وألغوا ما فيها

إذن؛ ما هو المطلوب؟؟

المطلوب قد يكون كثيراً أو قليلاً؛ إلا أنه في الحقيقة كبير وكبير جداً، وهنا أبرز المحاور المؤثرة والتي يجب أن يتم تغييرها لتحويل مسار هذه القضية:

- قطع العلاقات مع "إسرائيل" من قبل جميع الدول وخاصة الدول المؤثرة وبشكل مباشر في القضية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء الاعتراف بها رسميا ودولياً والإعلان عن بدء التعبئة في الداخل الفلسطيني.

- إلغاء جميع معاهدات السلام التي بين اليهود وبين الأنظمة العربية والإسلامية وعلى رأسها الأردن ومصر وتركيا وإيقاف أي تعاون عسكري أو نشاط تطبيعي أو تجاري أو أي تمثيل رسمي وسحب السفراء وإغلاق السفارات.

- التحرك الشعبي الحقيقي حول القدس ونعني هنا بالدرجة الأولى أهل الضفة الغربية، وإشعال انتفاضة جديدة مستمرة تحمل طابعاً غير طابع الحجارة بل تقوم على المواجهة الحقيقية بالسلاح، وتحت دعم رسمي من القوات الأمنية التابعة للسلطة في الضفة، فالمفروض أن نقاتل حتى نسترد ممتلكاتنا، لا أن نفاوض مفاوضات عبثية استمرت عقوداً  ابتداء من كامب ديفيد إلى يومنا مرورا بأوسلو ووادي عربة ولم نجنِ منها سوى الاستنزاف للموارد وتكاليف حراسة الحدود ولعنة دماء الشهداء التي تصيبنا كل يوم.

- التخفيف من الضغط العسكري على أهل الضفة وتشتيت العدو من أي جهة قريبة من العدو وتستطيع الدعم العسكري وفتح جبهة ضد الاحتلال، مثل المقاومة في غزة، وليثبت حزب الله وبعض الأنظمة صدقهم من كذبهم تجاه قضية فلسطين والقدس وليرموا بأسلحتهم على هذا العدو لا على شعوبنا.

- تحرك الشارع العربي الممنهج والواضح وتقديم الدعم المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني المضطهد، وليقد تلك الجماهير تلك النخب الحقيقة بتشكيل ائتلافات من الأحزاب والتنظيمات الكبرى، والإيمان من قبل هذه الأحزاب وكذلك الجماهير أن مفتاح التغيير هم الشعوب لا الأنظمة الحالية، وأنه حتى يتم التحرير يجب أن يتم المرور من فوق الأنظمة أولاً، مع ضرورة تغيير مبادئ القوات المسلحة وتوجيه البنادق من على صدور الشعوب إلى صدر العدو.

يجب الإيمان من قبل الأحزاب وكذلك الجماهير أن مفتاح التغيير هم الشعوب لا الأنظمة الحالية

- السعي الحقيقي لتشكيل منظمة إسلامية حقيقية لها قوة عسكرية تابعة لها، ممتدة من الشرق إلى الغرب تدافع عن حقوق المسلمين وتواجه بالقوة كل من يفكر بالاعتداء على أي مسلم في شرق الأرض أو غربها، ولا ينقص هذه الأمة القوة لهذا الشيء، فالموارد لدينا ولدينا القوة ولدينا الكتلة البشرية، حتى إن بعضاً من دولنا قادرة على التسليح النووي كغيرنا من دول الإرهاب العالمي، بل ومنها من نجح بفعل ذلك، وهذا لن يتم دون ضغط شعبي جارف كالربيع الذي أزال تلك الأنظمة البائسة، فيجب أن يكون هناك حراك في الشارع؛ حتى تنصاع الأنظمة لقرارات الشعوب أو يتم إزالتها؛ لكن هذه المرة سيكون الهدف واضحاً والبوصلة محددة، إنها القدس، إنها الوحدة الإسلامية.

وأخيراً؛ قد تبدو تلك النقاط والمتطلبات ضربا من خيال أو حلماً من أحلام اليقظة، لكن تفكّر معي للحظة، بغير تلك الأمور لن تعود لنا فلسطين، ولن نحرر أراضينا ولا أنفسنا كذلك، لكن الأهم من ذلك وما يجب البدء به هو أن نصلح أنفسنا وعلاقتنا مع ربنا فبالتأكيد نحن بحاجة إلى المدد الحقيقي من رب العالمين، ومن ثم السعي إلى تحقيق ما تم ذكره آنفاً.

قد يكون من الصعب تحققه اليوم أو على المدى القريب، لكن وجود هدف واضح نسعى جميعاً للوصول إليه سيساعدنا بتحديد خطواتنا القادمة وبأي اتجاه نسير، بدلاً من التخبط العشوائي، وكل الناس يفتي على مواقع التواصل ويوجه من حيث يدري ومن حيث لا يدري.

وجود هدف واضح نسعى جميعاً للوصول إليه سيساعدنا بتحديد خطواتنا القادمة وبأي اتجاه نسير، بدلاً من التخبط العشوائي

ثقوا تماماً يا أبناء أمتنا أن هذه الأنظمة القائمة ما هي إلا حرسٌ على هذا الكيان الغاصب يحول بيننا وبينه، ومن ثم ثقوا بأن هذه الأنظمة عملت طوال عقود على تدجيننا خشية التحرك يوماً، فجعلت أكبر همنا أن يمضي شهرُنا دون الحاجة إلى أحد أو أن نستطيع أن نسدد أجرة البيت أو دفعة مالية شهرية، وكل هذا خلقته هذه الأنظمة من خلال نظام الوظائف اللعين، وكذلك تعسير العيش على الشعوب فهم يستخدمون مع شعبوهم سياسية العصا والجزرة، وهذا ما يحدث فعلياً اليوم وحرفياً، فالأنظمة لم تزل مقتنعة بأن الشعب إذا شبع فإنه سيفكر، وسيرى حجم الفساد لهذه الأنظمة ما يجعله يثور عليه ثورة واحدة، فإما أن نغرقهم بالمال بجهلهم فلا يفكر سوى بشهوته، أو نفقرهم لدرجة أن لا يفكر سوى بشبع أولاده.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

فن تغييب الوعي واغتصاب العقول (2-2)

إن العقل هو النعمة التي كرَّم الله تعالى بها الإنسان وميَّزه بها عن سائر المخلوقات، …