إلى من حاد عن صفي!

الرئيسية » خواطر تربوية » إلى من حاد عن صفي!
alone-night18

إلى من حاد عن صفي وولى تاركا كفي

ضللت الدرب يا صاح وخنت العهد يا إلفي

بهذه الكلمات ترنمت وتغنت أسماعنا وألسنتنا دهراً، وكنا نطرب لسماعها ربما لأن لحنها جديد علينا، وربما لقوة تقريع كلماتها إن أنت أكملت هذا النشيد بالغ الروعة؛ خاصة أنها تصف حال الشاب الذي انتقل من الالتزام إلى الفتن والشهوات.

أما اليوم فبتنا بحاجة ملحة إلى أن نعيد صياغة هذا النشيد وهذه الكلمات لنحوِّرها إلى من ترك صف الدعوة وانتقل ليشتغل بانتقادها والقدح في قيادتها وذمها ووصف من تمسك بعرى الدعوة بالقطيع، وأصبح شغله الشاغل أن يبين توبته عن ضلاله، ووعيه بعد جهله، ولا يدري ذاك المسكين أنه إنما يكشف عوار نفسه وقلة وعيها ولؤم طبعها وسوء معشرها وانعدام مروءتها ونكران الجميل.

في البداية سأذكرك أخي المخالف لنا بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: "الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظه"، وكلاهما معاً رأيتَهما في ركاب الدعوة؛ أي الود والاستفادة ومنكر ذلك جَحود بطّال، ولا يزال المثل الشعبي يحث على الوفاء لمن كان بينهم تناول للخبز والملح، أي الطعام مهما قل، فكيف بمن كان بينهم جلسات ود وذكر وآيات وعلم ودعاء وتعاهد؟؟

لا يزال المثل الشعبي يحث على الوفاء لمن كان بينهم تناول للخبز والملح، أي الطعام مهما قل، فكيف بمن كان بينهم جلسات ود وذكر وآيات وعلم ودعاء وتعاهد؟؟

سأذكرك أخي المخالف بفضل الجماعة علينا، وأنها كيف انتشلتنا من الشوارع، وأنها وضعت أقدامنا على الطريق الصحيح في هذا الدين، وأنها قامت بحراستنا من أن تتناولنا يد المخربين، وأنها جازت بنا مرحلة المراهقة دون همّ يذكر سوى هم تحرير البلاد ودعوة العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى.

سأذكرك أخي حين مستك الحاجة في دراستك الجامعية، وكيف استنجدت بإخوانك ووقفوا معك جميعاً وهبّوا لمساندتك، وإنني أعلم أناساً قد أتموا دراستهم بفضل إخوانهم وبفضل دعوتهم المباركة التي أمّنت لهم حاجتهم وسترت عليهم دون إعلان أو تشهير حتى يحفظوا لهم ماء وجوههم بين إخوانهم، وكذا يوم زواجك كم من أخ قدّم لك سرّا ما يعينك على هذا المشوار الجديد.

سأذكرك أخي بأولئك الناس الذين دعوتهم أنت وأقنعتهم بسلوك مسلكنا، والالتزام بدعوتنا وأنت مقتنع تمام القناعة بأن المستقبل لهذا الدين وهذه الدعوة، وأن الدعوة التي تفهم هذا الدين ذلك الفهم الشمولي فإنها دعوة خالدة، وإنها دعوة ربانية قام رعيلها الأول بها بالإخلاص ونهضوا بنا بالإخلاص، فهي دعوة مباركة تسير برعاية الله وتحميها يد الله من كل الشرور مهما تعرضت إلى ابتلاءات.

سأذكرك أخي بأولئك الناس الذين دعوتهم أنت وأقنعتهم بسلوك مسلكنا، والالتزام بدعوتنا وأنت مقتنع تمام القناعة بأن المستقبل لهذا الدين وهذه الدعوة، وأن الدعوة التي تفهم هذا الدين ذلك الفهم الشمولي فإنها دعوة خالدة

سأذكرك أخي يوم التقينا وبادر أحد الشباب بانتقاد القيادات في الجماعة فقمت له وذكرته بأن عملنا لله لا للأشخاص، وأن هذه الدعوة لا تقف على الأشخاص وإنما هي الفكرة، وأن الدعوة تنفث خبثها بين الحين والآخر، وأنه من السفاهة أن يترك أحدنا الصف لأجل شخص فيها مهما علت رتبته أو منصبه.

سأذكرك أخي حين ضعف إيماني وغلبني الشيطان على نفسي حين زاد همي واتسعت الشبهات في رأسي، حينها قدمْت إلي وأنت الناصح الواعظ الصادق المخلص، لتشدني من غفلتي ولتمد يدك إلي كي لا أتنكب الطريق أو أنحرف عن المسار، أما ذكرتني بالله؟ أما أخبرتني بأن المرء قوي بإخوانه وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية؟ أما أثبتَّ لي أن كل من ترك الصف أصابه الفتور وضعفت عزيمته إلا من رحم الله؟

سأذكرك أخي حين كنت تضرب الأمثال تلو الأمثال عن أن العمل الكبير لا يتم إلا بالجماعة، وأن فوائد العمل الجماعي فاقت حد الندب إلى الواجب وربما الواجب العيني، فلا جيش دون جماعة، ولا حج دون جماعة، وأصل الصلاة الجماعة، بل إنك لن تستطيع أن تقوم ببيتك وحدك دون الاستعانة بالآخرين، فالعمل الفردي مضن ومستحيل، وحتى إن تمّ، فإنه يموت بموت صاحبه، وأما ديننا ودعوتنا فلا بد من خلودها، ولا تخلد إلا باستمرارها وزيادة أبنائها.

سأذكرك أخي حين كنت تضرب الأمثال تلو الأمثال عن أن العمل الكبير لا يتم إلا بالجماعة، وأن فوائد العمل الجماعي فاقت حد الندب إلى الواجب وربما الواجب العيني

سأذكرك أخي حين أسررت لي يوماً قائلاً: إن فضل الجماعة عليّ أكبر من فضل أمي عليّ، لأن همّ أمي أن آكل وأتعلم وأسلَمَ من كل مكروه، أما همّ الجماعة فهي أن أعيش داعياً خادماً لدين الله، وأن أموت في سبيل هذه الدعوة، وأن يكون ملتقانا الجنة، لذا فإنني أشعر بوجوب البر بالجماعة كما البر بالأبوين.

سأذكرك أخي بأناس سبقوك إلى هذا الطريق المعوج، فلم يعجبك ذلك، وتحرقت عليهم لحبك لهم ولدعوتك، وعندما جالستهم ودعوتهم من جديد عدت لتخبرني بأن حظاً في النفس قد أغرى بهم، وأنهم قد تكبروا على دعوتهم التي وقفت معهم منذ زمن ليروا أنها شاخت وكبرت وقد آن وقت موتها، وإن كان البعض منهم قد أشعرك أنه يدعو لهذه الدعوة بالخير وأنه سيذكر فضلها وسيبقى على الود منها، لكنه في الحقيقة غير ذلك، فالذي يريد أن يراعي الود لا يرمِ أمه أو أباه لأنهم شاخوا، بل يقف على رعايتهم، والدعوة لو شاخت يوماً فإنها قابلة لإعادة تجديد شبابها؛ من خلال أبنائها الصادقين المخلصين، ومهما كثر المنتفعون وأصحاب المصالح في الدعوة فلا بد أن نكثّر الأخيار فيها، لأن الانسحاب لن يكون هو الحل، بل هو رصاصة الرحمة التي ستطلق على هذه الدعوة.

الدعوة لو شاخت يوماً فإنها قابلة لإعادة تجديد شبابها؛ من خلال أبنائها الصادقين المخلصين، ومهما كثر المنتفعون وأصحاب المصالح في الدعوة فلا بد أن نكثّر الأخيار فيها

سأذكرك أخي بكل ما سبق وأنت جالس أمام شاشة هاتفك تطالع مواقع التواصل وتريد أن تخط بيمينك أقذع الاتهامات وأسوأ العبارات كي تنتقد فيها هذه الدعوة التي رسخت كالشجر الباسق وثبتت كالجبال الرواسي، فقط تذكر تاريخك المجيد، وتذكر وداد اللحظات، وتذكر دعاء الغيب من إخوانك لك، وتذكر مساندتهم لك، وتذكر ليالي البرد القارس التي قضيناها معاً في التهجد والقيام، وتذكر خدمتك للناس وعملك الدعوي معهم وتنظيفك المسجد، تذكر وأنت كالنحلة يكلفك أميرك بدعوة فلان وفلان وأنت تنتقل بينهم كما ينتقل النحل من زهرة إلى زهرة تنقل الخير وتجلب الخير.

سأذكرك أخي بالوفاء، إن أبيت إلا مخالفتنا فلا تكونن طاعناً لنا في ظهرنا ومعيناً لأصحاب الشيطان علينا، بل قدم نصيحتك لنا وادع لنا، وحاول أن تذود عنا، وأن تبرر لنا خطأنا في اجتهادنا لما عرفته عنا من حبنا للخير ومن سعينا لإقامة دين الله، فكلنا على ثغرة، فلا يؤتين أحد من ثغرته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

محاكاة منظومة “حلال” لمواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني

كان يمكن أن تكون مشكلةً مستفحلةً تحيل الحياة جحيماً لا يطاق، وتجعل من مجرد التفكير …