حقيقة إحسان الظن بالله ليست على ما تظن!

الرئيسية » خواطر تربوية » حقيقة إحسان الظن بالله ليست على ما تظن!
A Muslim man reads the Koran during the holy month of Ramadan in

حسن الظن بالله تعالى لا يعني –كما شاع- وضع قائمة بالأمنيات، وتصورًا بالتطلعات، وتوقعات بالنتائج، ثم ننتظر من الله أن يلبّي لنا على ما نهوى! مهما تسترت تلك النفسية وراء شعارات –صحيحة البداية لا النهاية- من باب الطمع في فضل الله وكرمه، فهي عقديًا غير سويّة؛ لأنها تنقلب لنفسية تشرّط العبد على سيده أن يوافق مراده، وإلا خابت توقعاته فيه!

وإنما حسن الظن بالله أن تعتقد بالله ما الله أهله، بغض النظر عن أي اعتبار آخر لفهمك القاصر   ، فهو فرع صدق اليقين بالله؛ إذ مهما جاءت نتيجة على غير توقع، أو وقع أمر دون معرفة وجه الحكمة، يظل اليقين بالله يقينًا لا يتزعزع؛ لأنه يستمد أنفاس حياته من الله رأسًا، فالله أهل كل خير وحكمة قطعًا، فافهم عن الله ما الله أهله، وأيقن بذلك "بالغيب"، بما يعني دون تشرّط أو طلب دليل إثبات!

وحسن الظن بالله يعني الافتقار لفضل الله لا لذات الأمنيات، ورجاء كرم الله بغير تحجيره في صورة معينة، إذا لم تتأتَ خاب الظن فيه! بل لنفهم عن الله سننه التي سنّها في تدبيره وأرضه وبين خلقه، وما وعد به فلنلزمه، ولا نزيد عليه توقعات من عند أنفسنا، الله وعد بالإجابة، لكن ليس في التو واللحظة، ووعد بإكرام السائل، لكن ليس بنفس تصوّره القاصر لجواب مسألته، وهو يَقدُر لنا الخير قطعًا، لكنه "الخير حيث كان"، كما في دعاء الاستخارة؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم.

وحسن الظن بالله هو اليقين بصفاته وقدرته وسننه التي قدّرها، بغير محاسبة على المتى والكيف واللِّمَ... وإلا كيف يكون إيماناً بالغيب؟ والشغل الشاغل للمؤمن هو كيف يفهم عن ربه رسالته فيما يبعث من أقدار، وليس متى يأتي قدر أو يذهب آخر، و ليس في الدنيا جزاء حقيقة، وإنما كل جزاء هو امتحان جديد   ، سواء كان نعمة أم ابتلاء، حتى إذا وضعت الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً.

الشغل الشاغل للمؤمن هو كيف يفهم عن ربه رسالته فيما يبعث من أقدار، وليس متى يأتي قدر أو يذهب آخر

وإنه ليؤتى بأشد أهل الأرض بلاءً، فيغمس في الجنة غمسة، فيقول الله له: "عبدي هل مر بك شقاء قط؟ فيقول:لا يا رب، وعزتك ما رأيت بؤساً قط. ويؤتى بأنعم أهل الأرض من المتجبرين، فيغمس في النار غمسة، فيقول له الله: عبدي هل رأيت خيراً قط؟ فيقول: لا وعزتك ما ذقت نعيماً قط".[رواه ابن ماجه].

يا لها من غمسة، لو أننا لله نصطبر! لكننا نستعجل الآخرة في الدنيا، ونضيع الدنيا في الآخرة، ونلوك الإيمان بلساننا، وما خالط اليقين قلوبنا بعد، ولو خالطها لألهمها رشدها، وصبّرها، وحسن فهمها عن الله تعالى، ولاستوت في وعيها ووجدانها طمأنينة لكل تقديرات الله تعالى، ومهما ضاقت استعانت بالمولى على ما ضاقها، فيزيدها صبراً يوسعها حتى يأذن بفرج من عنده.

يقول الرافعي في كتابه وحي القلم "والإيمان الصحيح هو بشاشة الروح، وإعطاء الله الرضى من القلب، ثقة بوعده ورجاء لما عنده، ومن هذين يكون الاطمئنان. وبالبشاشة والرضى والثقة والرجاء، يصبح الإيمان عقلاً ثانياً مع العقل، فإذا ابتلي المؤمن بما يذهب معه الصبر، ويطيش له العقل، وصار من أمره في مثل الجنون، برز في هذه الحالة عقله الرُّوحاني، وتولّى سياسة جسمه حتى يفيق العقل الأول. فيغلب أقواهما الأضعف، ويخرج الأعز منهما الأذل".

الإيمان الصحيح هو بشاشة الروح، وإعطاء الله الرضى من القلب، وثقة بوعده ورجاء لما عنده، ومن هذين يكون الاطمئنان

مفتاح حسن الظن بالله، أن توقن أنّ الله يعلم وأنك لا تعلم، وأنه تعالى لا يعجزه شيء، وإنما جعل لكل شيء قدرًا وأجلًا لا يخلفه. فتأدب ولا تتشرط على ربك أو تتعجله، ولتعِ أنه تعالى الله الرب، وأنت العبد، فإما أن تسلّم لله مولاك واثقاً غير مرتاب على ذلك فلن يخيب ظنك أبداً، أو تحيد عن ذلك ولن يتحقق لك ظن أبداً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

ويحك أمتي.. متى تستيقظين؟

قلت: يا ترى! ما هو الحدث الذي إذا وقع في أمة الإسلام؛ سيوقظها من غفلتها …