لماذا نريد الخلافة؟

الرئيسية » بصائر الفكر » لماذا نريد الخلافة؟
masjid-islam27

ارتبطت كلمة "الخلافة الإسلامية" بأذهان البشر بصورة نمطية تقليدية رسخها الاستعمار والإعلام على حد سواء، وربطوا مفهوم #الخلافة بالحكم الديني أو حكم رجال الدين أو الدولة الثيوقراطية كما تسميها المدنية الحديثة.

وارتبط مفهوم الخلافة في كثير من الأحيان بسوط يجلد أو سيف يقطع الرقاب والأيدي، بل وربما حجارة ترجم حتى الموت، وأكثر من ذلك رسموا في خيالاتنا أن عالَم الخلافة يعني (صحراء وإبلاً، سيوفاً وأثواباً بيضاء ورايات سوداء، وجواري تباع وتشترى، وحاكماً بيده السطوة ويجمع ما يريد من المال والنساء بحجة أنه ظل الله في الأرض، ومجموعة من أصحاب اللحى الطويلة يداهمون أوكار الضلال بالعصي والسياط)! هذا ما صنعه الغزو الفكري، وربطوا أن الخلافة هي معاداة المدنية والحضارة.

ولكن المضحك المبكي هم جمهرة (مفكري المسلمين) الأشاوس الأفذاذ، الذين خدعوا بهذه الخدعة، فوضعوا الإسلام كله في قفص الاتهام وبدؤوا يدافعون عنه، لكن دفاعهم كان بالتنازل عن عرى الإسلام عروة عروة، فباعوا الخلافة أولاً، ومن ثم الجهاد في سبيل الله، ومن ثم الحجاب، ومن ثم السمع والطاعة، ومن ثم الفروقات الخَلقية بين الرجل والمرأة، إلى الأخلاق والانفتاح الماجن، وكلما نعق ناعق في الإعلام، ترى جمهرتهم يبدؤون برسم دين جديد هو منهم بريء كما هو بريء ممن حمّلوا الدين ما لا يحتمل من سلب للحقوق أو قتل البريء أو اضطهاد المرأة.

إنك إذا أردت أن تعرف لماذا أراد الغرب منا عدم الرجوع لنظام الخلافة، فذلك لمعرفتهم الجدية والحسنة أن هذا الدين لا يقوم إلا بنظام إسلامي شامل، هذا الدين الذي ينشأ في المساجد ويترعرع في البيوت ويبلغ تمامه في ساحة المعركة، فإسلامنا دين ودولة، ومصحف وسيف، حكومة وأمة، وهو دستور وقانون، كما هو ثقافة وأخلاق.

إنك إذا أردت أن تعرف لماذا أراد الغرب منا عدم الرجوع لنظام الخلافة، فذلك لمعرفتهم الجدية والحسنة أن هذا الدين لا يقوم إلا بنظام إسلامي شامل

لم يكن الغرب في يوم من الأيام يسعى لمصلحتنا، ونحن هنا عندما نقول الغرب فإننا نعني بالضرورة أصحاب النفوذ والقوة، وهم أصحاب القرار، سواء أكانوا على هيئة حكام أو سياسيين أو حتى رجال دين أو تجار وربما يكون أغلبهم من الصنف الأخير.

ما هي الخلافة؟

الخلافة ليست كما صورها المعادون وليست كما يريد بعض السذج المدافعين، وهي كذلك ليست كما يريد المتنطعون المتشددون الذين لا يرون في الخلافة سوى مظهر من مظاهر الحكم.

الخلافة ابتداء هي أن لكل إنسان حقه في الحياة، كما له حرية اختيار الدين والمعتقد، إذن فالخلافة بالدرجة الأولى هي الحرية  ، ومن هنا كان ما يسمى بجهاد الطلب، أي مجاهدة الكفار وقتالهم حتى نسمح للناس باختيار دينهم الذي يرتضونه، فإذا منع نظام معين رعيته من الاستماع وحرية اختيار أي دين آخر، فإنه يجب على الخليفة أن يحطم هذا النظام الظالم، ولذلك لا تستغرب حين تقرأ في كتب التاريخ أن رعايا الدول التي فتحها المسلمون كانت تقف مع المسلمين بل ومنهم من أعان بالفتح من خلال معلومات أو مشاركة في القتال.

ثم إن الخلافة تعني توفير الحياة الكريمة لكل مواطنيها على حد سواء، مسلميهم وغير المسلمين منهم  ، أي أن الإسلام جعل نظاماً تكافلياً بين الناس ابتداء، فالمسلم تنفق عليه أسرته، فإذا لم يكف سد أهل الحي حاجته إلى أن تقع المسؤولية في ذلك على الدولة، لذلك كانت هناك الزكاة التي تقوم الدولة بجمعها وخمس الغنائم وزكاة الركاز وهو ما يخرج من الأرض وتنمية مال بيت المال أو خزينة الدولة من مدخرات الأرض كالذهب والنفط وغيرها وهذا كله كي تقوم الدولة بواجباتها من توفير للبنية التحتية والحياة الكريمة للمواطن وبناء الجيش، فالتعليم والصحة والمسكن وكل حاجات المسلم والمواطن الضرورية على هذه الدولة أن تقوم بتوفيره، واجب لا نافلة.

ومن هنا كان فرض عمر بن الخطاب المخصصات للطفل المفطوم ثم جعلها لكل وليد، وبما تسمح به أوضاع الدولة، أي بحسب قدرتها وقدرة خزينتها، ولك أن تتخيل لو كان اليوم هناك خلافة إسلامية واحدة تجمع تحت ظلها جميع المسلمين وجميع رعايا الدولة من غير المسلمين الذين يقيمون في أرض الإسلام لو كان كل النفط (على سبيل المثال) في يد الدولة، كيف سيكون حال المسلمين، أذلك خير أم أن يكون بيد الحاكم وحده فقط وكأنه ملك لأفراد لا ملك للدولة؟

وعلى الدولة كذلك أن تعفُّ أبناءها طالما وُجدت القدرة لدى الدولة على ذلك وهذا ما حصل زمن عمر بن عبد العزيز، حينما أقام العدل فقط في سنتين أغنى جميعَ الفقراء وبدأ بالنظر في حاجات المسلمين، ومن ذلك أنه بدأ بتزويج الشباب من مال الدولة.

وخير من نظام كافر جاحد لا يرى بأساً أن تقوم أرملة بالعمل وإنفاق جهدها ووقتها بالسعي خلف لقمة عيشها على حساب وجودها بين أبنائها وتربيتهم والاهتمام بهم فقط لأجل المساواة، خير من ذلك كله نظام إسلامي يقوم بإرسال راتب شهري حقاً لها لا منة ولا صدقة وهي معززة ومكرمة لا تطرق الأبواب ولا تفكر ببيع نفسها لكل رخيص فقط لتشبع جوع أبنائها.

والأهم من ذلك كله هو أن على الخلافة الإسلامية حماية جميع أبناء المسلمين في شتى بقاع الأرض، وفي تاريخنا المجيد العديد من القصص الرائعة في هذا السياق، حين استطاع الخليفة أن يحمي رجلاً ضعيفاً أو أقلية مسلمة هنا أو هناك ممن يقيمون خارج أراضي هذه الخلافة، واليوم كيف تستطيع أن تحمي رعاياك إذا كنا مشتتين؟ في كل شبر من الأرض نظام يدّعي أنه يحكم دولة.

"سعت الدولة العثمانية لجلب كافة المسلمين تحت جناحها واستعادة الخلافة الإسلامية، وظهرت أولى الإشارات على ذلك الطموح في معاهدة كيتشوك كاينارجي مع الإمبراطورية الروسية والتي عقدت يوم 12 جمادى الأول 1188 للهجرة (21 يوليو/تموز 1774م)، حيث طالبت فيها الدولة العثمانية بولايتها ووصايتها على الرعايا المسلمين حتى لو كانوا يقيمون خارج حدود دولتها، وكان الهدف بالتحديد مسلمي شبه جزيرة القرم التي هي اليوم جزء من جمهورية أوكرانيا."

لو كان اليوم لدينا خلافة واسعة وممتدة هل كان سيجرؤ أحد على الأقليات كما يحدث مع مسلمي الروهينغا أو تركستان الشرقية "الإيغور" وغيرهم الكثير الكثير  .

إن الخلافة تعني كذلك منع التمرد والفتن والبلابل التي تصيب البلدان، وتمنع كل صاحب فتنة من أن تسول له نفسه بخراب البلدان، فلو كان اليوم لنا خلافة هل كنا نرى دولة كاليمن يعبث بها العابثون وتتناولها جيوش المخربين من هنا وهناك؟

إن الخلافة تعني منع التمرد والفتن والبلابل التي تصيب البلدان، وتمنع كل صاحب فتنة من أن تسول له نفسه بخراب البلدان

أما الحدود الإسلامية والتي كانت أحد أهم أسباب رفض الخلافة من الكثير من السطحيين والمخدوعين، فعلينا ابتداء أن نعلم أن أغلب هذه الحدود مما نزل من القرآن الكريم المحكم، وهي شرع الله، أي لا مجال للاجتهاد فيها ولا لإلغائها ولا لتحريفها ولا غير ذلك ، وإنما كان يجب علينا أن نعلم أن هذه الحدود لا تطبق إلا بشروط، بل وشروط كثيرة، منها شروط يجب أن توفرها الدولة، ومنها شروط في طبيعة هذه الجرائم يجب أن تتحقق فيها وفي البيئة التي تمت فيها تلك الجريمة.

فعلى الدولة أن توفر سبل العيش الكريم للناس كي لا يلتجئ أحد منهم لارتكاب هذا الجرم، فإذا قصرت الدولة فليس لها أن تقيم الحد، أي أنه لا يقام حد السرقة على من سرق وهو جائع وفي المقابل لم توفر له الدولة أسباب العمل أو الرزق، فهذا واجب على الدولة إقامته ومن ثم السعي لتطبيق الحد على من كان شبعاً وله رزق معلوم وله فرصة عمل يتكسب منها، ثم بعد ذلك يقوم بالسرقة، فهذا ليس بسارق، بل هو مجرم خارج عن القانون يريد أن يفسد نظام الدولة لا أن يسد جوعه بلقمة.

لذا نلحظ أن تطبيق الحدود كان متأخراً، ولما اكتمل بناء الدولة، لذا لا تستغرب أن تكون المرات التي أقام فيها النبي صلى الله عليه وسلم الحد على المخالفين هي مرات معدودة على أصابع اليدين، لأن حاجة الناس كفيت من طعام وشراب وقدرة على الزواج فلماذا بعد ذلك تأتي هذه الجريمة؟

يقول الدكتور يوسف القرضاوي في إحدى مقابلاته على قناة الجزيرة في برنامج الشريعة والحياة: "هي المشكلة يعني سوء التطبيق؛ يعني أن تطبق الحدود دون شروطها؛ قبل أن يطبق النبي صلى الله عليه وسلم حد السرقة كان طبق الإسلام كله {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ..}؛ أخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم، أقام التكافل الاجتماعي، شغّل العاطلين، فأقام حياة إسلامية، هنا في هذه الحالة تقيم حد السرقة إنما حين يكون الناس لا يجدون عملا؛ عاطل لا يجد عملاً، جائع لا يجد خبزاً، مريض لا يجد دواءً، يتيم لا يجد كفالةً، مشرد لا يجد مسكناً، يعني كيف تطبق الحد والناس على هذه الحال؟ ابداً. أقم الإسلام في هذه النواحي وبعد ذلك الذي يسرق، يسرق من شر في نفسه".

فالخلافة نظام حياة شامل يسعى لحياة مدنية فيها حرية، ومن ثم تسعى لتعليم أبنائها خير تعليم وتوفير سبل العيش الهانئ والوصول إلى أعلى مراتب الرفاهية في الحياة دون مخالفة الشرع وعبء ذلك كله على الدولة، فالإسلام حثنا على الابتداع في الدنيا وعلى الاتباع في الدين، ومن ثم تقيم الدولة لها نظاماً أمنياً وعسكرياً محكماً وتنافس كل قوى الشر في آخر الاختراعات والاكتشافات وتقيم العدل بين الناس بغض النظر عن جنسهم ولونهم ودينهم، وتوفر حرية العبادة لكل المخالفين للمسلمين مهما كانت ديانتهم بل وتحميهم من أي عدوان.

الخلافة نظام حياة شامل يسعى لحياة مدنية فيها حرية، ومن ثم تسعى لتعليم أبنائها خير تعليم وتوفير سبل العيش الهانئ والوصول إلى أعلى مراتب الرفاهية في الحياة دون مخالفة الشرع

فالخلافة هي التي احتضنت اليهود عندما طردهم الغرب وكذا النصارى الذين أقاموا بين المسلمين زمن عمر بن الخطاب وغير ذلك، ومن المهم إدراك أن الدولة تدار بالشورى لا برأي فرد واحد فقط، فالفرد أقرب للخطأ من الجماعة، وله أن يقيم حجته ويقنعهم إذا رأى أنه على حق كما فعل الصِّديق يوم حرب المرتدين فقد أقنع الصحابة بذلك، فلا يوجد ما يسمى بنائب الله في الأرض طالما أنه لا وحي، ومن المهم إدراك أن الإسلام رسم لنا منهجاً في معاملاتنا ولم يقم بتفصيلها  ، لذا فالإسلام يستطيع أن يقيم نظاماً سياسياً واقتصادياً على أن يراعي متطلبات الإسلام كمنع الظلم ومنع احتكار المال والسلطة وتقدير مصلحة الفقير إلى غير ذلك من هذه الأحكام.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

استهداف الدين لا تصحيح مساره.. عن منهجية بعض الإعلاميين الخاطئة

بدايةً، ينبغي التأكيد على أن هذا الموضوع غرضه الأساسي تنويري في إطار موضوعي، وليس لهجومٍ …