نحو مدرسة حداثية لقراءة التراث

الرئيسية » بصائر الفكر » نحو مدرسة حداثية لقراءة التراث
islamic books20

لا تُعتبر قضية واقع النظرة والتوظيف للتراث الإسلامي من نافلة القول، حيث التراث الإسلامي هو الشروح الوافية للشريعة الإسلامية، أي أنه صَمَّام الأمان للعقيدة، والأمان النفسي والعقدي لكل مسلم  ، مع تضمنه –في أبسط وأهم تقدير في آنٍ– لتفسير الرافدَيْن الأساسيَّيْن للشريعة، وهما القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة.

ولئن كانت هناك قضية على أكبر قدر من الأهمية في تاريخ الأمة في الوقت الراهن، فهي قضية إنقاذ التراث الإسلامي، الذي يحتوي بين جنباته خلاصة تجارب عقول الأمة، ويُعتبر ضميرها الحي الباقي، وميراثها الذي حقّق مفهوم النموذج التفسيري الذي هو التطبيق الأكيد لحقيقية عقيدية أكيدة، وضعها الله تعالى في قرآنه الكريم، وشريعته التي ارتضاها للناس، وهي أن يكون الدين صالحًا لكل زمان ومكان.

وفي مواضع سابقة، تناولنا العديد من المشكلات التي تواجه مسألة انسياح التراث بين ظهرانينا، وسيروراته في الزمان والمكان الآنيَّيْن والمستقبليَّين، وكان من بين أهمّها ما يعود إلى أصحاب الشأن ذاته، وهم المسلمون، وخصوصًا بعض الحركات المحسوبة أمام العالم، على الإسلام.

ويبقى السؤال أو مجال العمل المهم الآن، هو البحث في قضية كيف يمكن تأسيس مدرسة حداثية لقراءة التراث الإسلامي وتطبيقه، والأخذ بما فيه من رؤى، -وخصوصًا- فيما يتعلق بالفرع الأهم من التراث، وهو –وفق الكثير من العلماء– علم أصول الفقه.

وهذه الأهمية ليست في واقع الأمر من فراغ، وإنما لأن علم أصول الفقه هو الذي يتعلق بإنزال الحكم الشرعي على الواقع، وفق أسس ومقتضيات موضوعية  .

ولعل أهمّ ما يحمل "إشكاليات" في الوقت الراهن لدى خصوم التراث الإسلامي، هو علم أصول الفقه ذاته؛ لأنه بسبب الاستخدام الخاطئ للبعض لأمور من التراث الفقهي، مثل استخدام الأحكام الاستثنائية كأحكام عامة، أو بسبب لجوء البعض لرسم هذه الأحكام على واقع معين، وفق هوىً معين، نتيجةً لذلك، فإن هناك حشداً إعلاميًّا لرفض الأحكام الفقهية الموجودة في التراث بالكامل.

ويبدأ حلُّ الأزمة وفق تصوري الخاص بنقطة إدراكية شديدة الأهمية، وهي ضرورة تحديد المقدَّس وغير المقدَّس في التراث.

فَتَحت بند ارتباط التراث في الأساس المعرفي له، بالنص القرآني والنص والفِعْل النبويَّيْن، أصبح النص التراثي مقدَّسًا، وهذا خطأ إدراكي.

لكن قبل تناول ذلك، ثَمَّة إيضاح مهم، وهو أن التراث يصبح مقدسًا في حالة واحدة، وهي إذا كان قرآنًا كريمًا، أو نصًّا نبويًّا صحيحًا.

التراث يصبح مقدسًا في حالة واحدة، وهي إذا كان قرآنًا كريمًا، أو نصًّا نبويًّا صحيحًا

وهنا من المعروف أن النصوص الشرعية (القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية)، إما أن تكون قطعية الدلالة لا تقبل الاجتهاد والتفسير، ولا يوجد خلاف حولها، وهذه لا يُقبل فيها الاجتهاد أو "التجديد" فيها، فهي متجددة بطبيعتها، كما وضعها الله تعالى، سواء أوحاها لنبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو نطق بها النبي عليه الصلاة والسلام، تفسيرًا وتوضيحًا للقرآن الكريم.

وإما أن تكون ظنيّة الدلالة، وهو ما يمكن معه أن تقبل التفسير على وجوه عدة، وهنا تأتي نقطة مراجعة أو تجديد فهم الأئمة الأوائل المتقدمين أو المتأخرين لها.

فالنص التراثي هو قراءة صاحبه للنص المقدَّس قرآنًا وسُنَّة، أو الفعل النبوي، وبالتالي، فهو في النهاية اجتهاد عقلي، ومِن ثَمَّ فإنه عرضة للنقض والتبديل، سواء لجهة احتمالية وجود خطأ لدى صاحبه، أو لجهة تبدُّل الظروف.

النص التراثي هو قراءة صاحبه للنص المقدَّس قرآنًا وسُنَّة، وبالتالي، فهو في النهاية اجتهاد عقلي، ومِن ثَمَّ فإنه عرضة للنقض والتبديل، سواء لجهة احتمالية وجود خطأ لدى صاحبه، أو لجهة تبدُّل الظروف

مع الوضع في الاعتبار لشيء شديد الأهمية، يجب التأكيد عليه ردًّا على البعض، وأكّدته سِيَر هؤلاء الأئمة ومعاناتهم مع الحُكَّام المستبدين في حينه، حيث غالبيتهم ممن نستند إلى تفاسيرهم ورؤاهم، ونطمئن إليهم حاليًا، لم يضعوا هذه الرؤى لهوىً في نفوسهم، ومعاناة الإمام أحمد بن حنبل وغيره تشهد على ذلك.

كما أنهم كانوا من المستوفين للمعايير الحداثية حاليًا لإجازة عالم ما في مجال التفسير أو الحديث، مثل العدل والثقة، ومثل أن يكون قد ألمَّ بعدد معين من العلوم الشرعية، ويصل عددها في الأزهر الشريف إلى تسعة عشر، والمعارف الأخرى.

بل إنه من الخطأ الكبير الأخذ بالفقه بشكل جامد؛ لأن معنى كلمة "فقه" في الاصطلاح ببساطة، هي إسقاط الحكم الشرعي على الواقع، ومِن ثَمَّ، فإن الفقه في الأصل متغير، فلا يجوز في الغالب الأعم، الوقوف عند أحكام فقهية تقادمت بينما النص المقدَّس متجدد  ، وهو ما شاءته حكمة الله عز وجل.

والدليل على ذلك، أن الأئمة الأربعة وعلماء ثقات كثيرون أعادوا النظر في كثير من الأحكام، وبدلوا فتاوى – للتوضيح: لم يبدلوا القاعدة أو الحكم الشرعي وإنما الفتوى ذاتها – بناء على تغير الظروف أو تغير المجتمع، وتطور الزمن.

والمذاهب الإسلامية بها نماذج تبرز حالة من الانفتاح الكبير في هذا الصدد، ففي مذهب الإمام أبي حنيفة، هناك من أتباعه من يقدم رأي بعض تلاميذه على رأي أبي حنيفة ذاته، بسبب تغير الظروف، ما يجعل رأيهم أكثر صوابًا.

وهو ما نجده عند المتأخرين على آراء المتقدمين، وهكذا.

يتصل بذلك ضرورة الاتفاق على منهج أو نموذج معرفي متفق عليه في قراءة النص المقدَّس، وفي التعامل مع التراث ذاته.

ويشبه الأمر في ذلك الوسيلة التي لجأ إليها الإمام أحمد بن حنبل في تعامله مع الأحاديث النبوية الشريفة، عندما عَمَد إلى وضع "المُسْنَد".

فهو تبنى نموذجًا معرفيًّا في التعامل مع الحديث النبوي، قام على أسس من بينها:

- عدم اشتراط الصحة في الحديث، وإنما المشهور منه، ولكنه كان يتعامل وفق منطق محدد مع الأحاديث الضعيفة، حيث كان يَقبلها إذا كانت في ميدان فضائل الأعمال، ولا يَقبلها في الأحكام، وكذلك كان يقبله إذا لم يكن يخالف القواعد العامة، ولم يعارض حديثًا صحيحًا في نفس الباب.

- إدراج أحاديث بعض الصحابة في مسانيد غيرهم، وتكرار بعض الأحاديث سندًا ومتنًا، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، مع تباعُد روايات الحديث الواحد عن بعضها، بحيث كان يفصل بينها أكثر من ألف حديث أحيانًا.

وسار على هذا النهج، حتى عندما توفاه الله تعالى قبل جمع صحائف "المُسْنَد" معًا، سار أولاده وتلاميذه على ذات المنهج، بحيث قاد ذلك إلى أن تضمن ستة وعشرون ألف حديث نبوي، من بينها أحاديث صحيحة لم ترد في "البُخاري" و"مسلم".

وهناك أمثلة أخرى مهمة تكشف أن ابن حنبل كان يتبع منهجًا علميًّا سليمًا، والذي من خصائصه أن يكون معتمدًا بشكل موضوعي من آخرين.

ومن بين أهم هذه الأمثلة كتاب "الرسالة"، للإمام الشافعي، والذي هو مُصنَّف على أنه أول كتاب في مجال أصول الفقه، وكان من بين أهم أهدافه، تأسيس نموذج معرفي واضح لفهم النص الشرعي، وبالتالي التأكيد على أهمية هذه القواعد وإلزاميتها -كما في أي علم في حقيقة الأمر- لكل من يريد أن يفهم النصوص أو يصدر الأحكام الفقهية اجتهادًا.

وفي ذلك يقول محمد بنعمر في دراسة له بعنوان: "المسالك المنهجية في التراث الإسلامي: منهج تفهُّم النص أنموذجًا" (مجلة "المنهاج" العدد 80/ ربيع وصيف 2016م): "لقد أدركت الممارسة التراثية في وقت مبكر القيمة المعرفية للمنهج، وعبَّرت عن هذه القيمة والإدراك المعرفي بصيغ وأشكال عدة، وعبارات ومقدمات ونقول شواهد عدة".

ويضيف أن "المنهج من مقدماته ومقتضياته ولوازمه ومكوناته، أن يتجرَّد مستخدمه من التحيُّزات القبلية، ويبتعد مستعمله عن الأفكار المسبقة، كما يجب أن يعمد إلى تغييب وإبعاد أحكام القيمة؛ لأن وسائل وأدوات المنهج وطرائقه، هي في النهاية مجرد وسائل موصِّلة إلى هدف معين ونتيجة خاصة مهمتها ووظيفتها تأمين الانتقال للباحث والدارس في جميع المراحل والأطوار التي يقطعها هذا الباحث في بحثه أو في تحصيله للمعرفة".

ولعل الأهم مما جاء في هذا الكلام، هو اسم الدراسة ذاتها، حيث إن بنعمر تحدث عن "منهج تفهُّم النص" في إطار علم أصول الفقه، وهو مصطلح شديد الأهمية في التعامل مع النص المقدَّس، حيث إن المطلوب تفهُّمه، وليس النقل الحرفي عن فهم الأقدمين.

نقاط أساسية للعمل:

يقوم المنهج المعرفي المقترح في هذا الصدد، على أساس وضع التراث كإطار استرشادي، وليس كنصٍّ مقدَّس في حد ذاته، وتجديده وجمع الموثوق منه في صورة مسند جديد قريب الشبه من تجربة مُسْنَد ابن حنبل، وفق تجربة منهجية متفق عليها بين علماء المسلمين والهيئات الإسلامية الكبرى، مع التأكيد على ضرورة تجديد وفق مقتضيات الأمر الواقع والمستجدات الحالية.

كما ينبغي التأكيد على أن التجديد لا يكون في الشكل فقط، بل يحتاج لتفهم الحكم نفسه، وتحليله، ومعرفة علته، والظروف المرتبطة به، وأن يحدد إن كانت تقبل الاجتهاد أم لا، وهذا يحتاج إلى إتقان العلوم الأساسية كما تقدَّم.

ينبغي التأكيد على أن التجديد لا يكون في الشكل فقط، بل يحتاج لتفهم الحكم نفسه، وتحليله، ومعرفة علته، والظروف المرتبطة به، وأن يحدد إن كانت تقبل الاجتهاد أم لا، وهذا يحتاج إلى إتقان العلوم الأساسية كما تقدَّم

والأهم من ذلك، الابتعاد عن توظيف التراث الإسلامي ومتونه سياسيًّا؛ لأن ذلك من شأنه هدم البنيان من أساسه.

وبطبيعة الحال، يطرح ذلك كله قضية مهمة للغاية، وسبق الإشارة إليها في المتن، وهي ضرورة أن يتصدى لهذه المسائل كافة، مَن هم: عدول، ثقات، أصحاب علم، وليس أيًّا كان، وهو ما يؤكد أهمية ضرورة إنشاء هيئة جامعة تضع أصلاً وأولاً، معايير الانضمام إليها، قبل العمل على وضع المسند التراثي المطلوب لو صح التعبير.

ولا نكون مبالغين لو قلنا إن الأمر يجب أن يتضمن بحثًا في السيرة الذاتية لهؤلاء. بحيث يتم التأكد أن أيًّا منهم لم يتبع الهوى السياسي ولو مرة واحدة، والإمام البُخاري كان له منهج قريب من ذلك في جمع الأحاديث من أصحابها، وتصحيحها.

وفي الأخير، فإن الأمر ينبغي أن يوضع في إطار كونه سياسة إصلاحية أو تجديدية لو صح التعبير، ولكن لا يعني ذلك قبول مساعي البعض للدخول من هذا الباب لهدم ثوابت الدين وأركانه، وإلغاء كل تراث الأئمة  ، حيث ذلك أمر مرفوض بطبيعة الحال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

قيمة الإنسان في الإسلام

قبل أن نتحدث عن تشريعات الإسلام للإنسان وأخلاقياته، والعقاب الشديد والثواب الكبير الذي وضعهما لمن …