دوامات إدمان الأفلام والمسلسلات : كيف تنجرف إليها؟

الرئيسية » خواطر تربوية » دوامات إدمان الأفلام والمسلسلات : كيف تنجرف إليها؟
Carmencitta-Why-you-should-stop-watching-TV-1-4

1. الفراغ:

ولا أعني به فراغ الوقت، بل طبيعة اهتماماتك واشتغالاتك الحياتية بالأساس. فإذا تركتَ ما تشاهد، إلام ستتوجه أفضل منه؟ لا شيء غالبًا، أو شيء لا يهمك كثيراً، لا يعنيك على الحقيقة، لا تحتاج أن تشتغل به إلا اضطراراً بدافع من خارجك لا داخل نفسك: كالدراسة للامتحانات أو إنجاز شغل منزلي. أما أن يكون لديك اهتمام من نفسك لنفسك، وعناية بعمرك المنقضي من أنفاسك أنت، فهذا ما ليس في حسبانك!

وبسبب هذا الفراغ لا يمكنك أن تقبل على المرئيات إقبالاً طبيعياً للترويح المؤقت وتغيير الأجواء، بل تنقض عليها انقضاض الجائع والمتعطش معًا. فبدل أن تكون ترفيهاً وسط جدول عامر بالاهتمامات الأخرى، وحياة فيها غير الفرجة على التمثيل، تنقلب المرئيات عندك لوسيلة تفريغ شحنة فراغ زمني ونفسي لساعات، بل أيام، بل شهور، وربما سنوات، لا يزاحمها فيه اهتمامات أخرى، أو محاولة جادة لاهتمام بأشياء أخرى!

2. الإشباع النفسي من التلقي السلبي:

فبالإضافة للذة الحبكة القصصية والإثارة والتشويق الدرامي، تجد أنك تستمد من عوالمها تعويضاً وهمياً عما تنقصه حياتك أو ما تفتقده فيها، كالرومانسية أو الهيئة الحسنة أو قوة الشخصية أو الإنجاز العلمي أو العملي. وهذا الاستمداد في حقيقته وهم كالسراب، يخايلك ولا يرويك، لكن يظل يغريك بأن تجد عنده شيئًا، فتتمسك به؛ لأنه خير من لا شيء على الإطلاق!

وأما سبب الحاجة لمثل هذا الاستمداد النفسي فهو في الأساس "الكسل"! نعم، إننا نتكاسل عن بذل الجهد الذي يتطلبه تحقيق تلك التصورات التي تقدّم لنا في نماذج "جاهزة". إننا نفضل التلقي السلبي لحبكة مرسومة أمامنا على أن نقرأها ونتخيل بأنفسنا، ونستسهل الاستلقاء على الفراش للتمتع بجماليات تمثيل الأخلاق والمحاسن، على أن نخوض معترك العلاقات التي تهمنا ونعايش معاني الألم والندم ومراجعة النفس في تصرفاتها؛ حتى تتهذب وتترقّى، ونرضى بأن نغرق في مشاعر سلبية من التحسّر والإحباط على ما نجده في الأبطال لا فينا؛ لأنها مغلّفة بأغلفة حلوة من الدراما والإثارة والخيال غير الحقيقي ولا الواقعي في غالب الأحيان؛ إذ يقوم على حبكة متخيلة ومنعطفات مدروسة ونتائج مترتبة سَلَفًا، وليست الحياة كذلك.

إننا نتكاسل عن بذل الجهد الذي يتطلبه تحقيق تلك التصورات التي تقدّم لنا في نماذج "جاهزة". إننا نفضل التلقي السلبي لحبكة مرسومة أمامنا على أن نقرأها ونتخيل بأنفسنا

3. منهج الحياة:

وقبل أن تسأل ما الذي يمكنني أن أهتم به وليس لدي شيء يهمني، لا بد من التنبه للفارق بين منهج حياة وفورة وقتية تعود بعدها لطبيعتك الأولى. تخيل الفارق بين غطّاس ماهر، الغطس رياضة يومية له، وبالتالي يصير بدنه ونفسيته في وضعية استعداد دائم وتفاعل طبيعي مع الماء، وأحد الهواة ممن يمارسه كل عام مرة، أو كل بضعة أشهر، بالتأكيد سيستغرق وقتًا أطول ليستعد قبلها، ويتأقلم أثناءها، ويسترخي بعدها؛ لأن النشاط ككل فيه استفزاز لعاداته البدنية والنفسية. أو تخيل الفارق بين تنفس الهواء على اليابسة والتنفس تحت الماء. إننا لا نكاد نشعر بالأول –ناهيك أن نتكلفه–؛ لأنه صار طبعًا وجزءًا من التكوين، بخلاف التنفس تحت الماء لمن لم يعتده.

كذلك إذا أجبرت نفسك على الأخذ بما في المقال بنفسية متخاذلة غير جادة في البدء بتعديل منهاجها الكُلّي، لن تفيد بذلك شيئاً إلا أن تعود لطبعك الأول بمزيد حسرة. لذلك عليك أن تقرر بنفسك لنفسك: أي حياة تريد؟ أي منهاج ترتضي؟ وتهيئة نفسك لمفهوم "المنهاج" لا يعني أنك ستعدّل كل شيء في نفس الوقت، بل إن أساس المنهاج والمنهجية في التدرج والتقسيم والمراحل، لكن على أساس بنائي ارتقائي، وليس كجزئيات منفصمة.

فماذا ينفعك –مثلًا– أن تضبط مواعيد نومك أو تقلل ساعاته إذا كنت ستنفق أوقات يقظتك كالنائم؟! وأين المنطق في شحن خيالاتك بالأهداف والإنجازات ونظام حياتك مبعثر؛ لأنه قائم على اتباع هواك في التراخي والتململ واللهو والتلهّي!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

محاكاة منظومة “حلال” لمواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني

كان يمكن أن تكون مشكلةً مستفحلةً تحيل الحياة جحيماً لا يطاق، وتجعل من مجرد التفكير …