عدونا المجتهد

الرئيسية » حصاد الفكر » عدونا المجتهد
عبد الرحمن يوسف

هل ننكر تفوّق العدوّ علينا؟

السؤال في حد ذاته عبث، وإنكار تفوقهم ليس مطروحا بأي حال، فنحن جميعا نحاول منذ عشرات السنين أن نجيب على سؤال "لماذا تفوقوا علينا؟"، و"كيف انتصر هؤلاء على أمة من أعرق الأمم؟".

عدونا مجموعة من صفوة العقول التي عاشت في أوروبا وتعلمت هناك، ثم جاءت تقدم نموذجها (نموذجها هي لا النموذج الأوروبي)، وهو نموذج فيه تقدم علمي باهر، ولكنه مصحوب بشكل من أسوأ أشكال التطهير العرقي التي عرفها التاريخ، ويعتمد على ممارسات عنصرية ضد الآخر، بل ضد بعض المنتمين لوطنهم المزعوم نفسه.

لا ينبغي أن نبالغ في الانبهار بأعدائنا، ولا ينبغي أن نغمض أعيننا عن عيوبنا كشعوب ودول. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نتجاهل إنجازات العدو في أمرين اثنين؛ تفوق علينا فيهما وبهما خلال معركتنا الطويلة معه.

كلامي في هذه المقالة ليس هزيمة نفسية، وليس إعجابا انهزاميا بالعدو، وليس دعوة للاستسلام بأي شكل، بل هو نمط من التحفيز على المقاومة، ودعوة للتفكير في سنن الانتصار والهزيمة، ومحاولة لتقييم العدو، ونقد الذات، وكل ذلك من أجل رسم طريق للنصر.

***

الأمر الأول: قدرتهم على زرع العملاء داخل المؤسسات السيادية..

لقد نجحوا في زرع عملائهم في كل مكان في العالم، خصوصا في أوطاننا!

أوطاننا التي بدأت قصتها مع هذا العدو بوصفها بكلمة "المزعومة"، مع أماني وأوهام بإلقاء هذه الدويلة في البحر!

لم نسمع في حياتنا عن دولة تقول عن رئيس عدوها الأكبر "إنه كنزنا الاستراتيجي"!!

هل حدث ذلك في التاريخ بهذا الشكل العلني الفج؟

كانوا يصفون مبارك بأنه الكنز الاستراتيجي لهم، وكنا نظن ذلك بسبب ما أعطاه لهم، والحقيقة أنه قد أعطاهم الكثير.

لم نفهم لم اعتبروه كنزا استراتيجيا إلا بعد أن وصل "سيسي" إلى سدة الحكم. إن "سيسي" هو نتيجة من نتائج حكم مبارك، ولولا وجود مبارك ثلاثين عاما في الحكم لما وصل أمثال "سيسي" إلى ما وصلوا إليه، ولما انتشروا في كافة المؤسسات!

كنا نظن أن مبارك كنزهم الاستراتيجي لأنه منحهم الحاضر، وحين جاء العميل الحالي عرفنا أنه أعطاهم الماضي والحاضر والمستقبل. فهذا المدعو "سيسي" ليس وحده بهذه الدرجة من العمالة، بل هو واحد من مئات!

أعطاهم الماضي؟

وهل التنازل عن "تيران وصنافير" يعتبر تنازلا عن الحاضر أو المستقبل فقط؟

إنها هزيمة بأثر رجعي. لقد ضيعنا تاريخ هذه الأمة ودماء شهدائها وتضحيات أبنائها منذ بدء الصراع إلى أن يأتي يوم النصر. وخروج "تيران وصنافير" من السيادة المصرية يعتبر إلغاء لكل انتصارات الماضي التي حققتها الشعوب العربية على هذا العدو.

مبارك... فتح مصر لكل مراكز الأبحاث التي تعمل لصالح مخابرات العدو، حتى درسونا وفهمونا أكثر مما نفهم أنفسنا ألف مرة.

لقد أصبح العدو يعرف كيف نفكر، ولماذا، وفيم، ومتى!

يعرف عنا من الناحية المعلوماتية ما لا نعرفه نحن عنا، ولديه من القدرات التحليلية لتوظيف هذه المعلومات بحيث يستعمرنا من داخلنا، ليس من داخل قصور السلطة فقط... بل من داخل عقولنا (كما سأشرح لاحقا).

لقد أصبح هذا العدو مدخل كل سفيه أو سفاح يطمع في الوصول إلى السلطة، وأصبح كل من يطمح لإصلاح الوطن مطالبا بالتعاون مع العدو، أو إخفاء آرائه الحقيقية في هذا المحتل، وأصبح كثير من القوى السياسية والقادة مشكلتهم في الوصول للسلطة... هو أن العدو يراهم عدوا، ولا يراهم امتدادا لكنوزهم الاستراتيجة المدفونة في أرضنا.

انظر إلى جميع الطامعين في الوصول إلى كراسي الحكم في أوطاننا المنكوبة، ستراهم جميعا خدما للعدو، يزايدون عليه في رغباته، يكرهون من يقاوم العدو أكثر من كره العدو لهم.

***

الأمر الثاني الذي تفوق علينا فيه هذا العدو بشكل مبهر، هو قدرته على هزيمة عدد كبير من أبناء جلدتنا هزيمة نفسية من الداخل!

أعرف بعض الكتّاب والسياسيين والأصدقاء الذين نشأوا وتربوا وترعرعوا على مشاعر حقيقية ضد هذا العدو، ومع أحقية الشعب الفلسطيني في أرضه... ولكنهم اليوم - بفضل هزيمتهم النفسية الفادحة الفاضحة - يتشككون في حقائق لا يشك فيها إلا مجنون... أو مهزوم.

يبررون قتل الأطفال والنساء والشيوخ، ويستنكرون عمليات المقاومة الباسلة ضد المستوطنين المحتلين.

يبررون مجيء بعض فلاحي بولندا وكرواتيا من أقاصي الأرض إلى أرض أخرى تبعد عنهم آلاف الأميال، ثم إخراج أناس من بيوت يقيمون فيها منذ مئات السنين رعبا بعد ارتكاب عشرات المجازر... يبررون ذلك ويرون أن الدولة التي نتجت عن هذه المجازر وعلى يد هؤلاء المهاجرين القادمين من على بعد آلاف الأميال... يعتبرونها دولة "قانونية"!

لا أستطيع أن أخفي انبهاري بهذا الأداء العبقري لعدونا!

لقد حولوا معظم رؤساء دولنا إلى عملاء يعملون جهارا نهارا لمصالح عدونا، يقاومون كل من يقاومهم آناء الليل وأطراف النهار... كيف لي أن أخفي انبهاري!؟

والأدهى من ذلك أنهم حولوا مئات بل آلاف من الذين نشأوا على الفكرة الصحيحة التي تعتبر العدو عدوا إلى متشككين مهزومين، يبررون الدماء، ويفلسفون المجازر، ويتعامون عن القتل والعنصرية والتطهير العرقي المستمر على مدار قرن كامل!

***

هل هزمنا؟

لم نهزم لأن فينا من يقاوم، ولن نهزم ما دام فينا من يقاوم!

بماذا نتفوق على عدونا؟

نتفوق على عدونا بعشرات الملايين من الشباب العربي المؤمن بحقه في الأرض، العارف بعمالة حكامه، المستعد للتضحية بكل ما يملك من أجل التحرر الوطني.

هذه الأشياء تبدو قليلة، تبدو لا شيء في عين هؤلاء المهزومين من داخلهم، ولكن الحقيقة أن العدو نفسه يدرك خطورة هذا الأشياء، ويعتبر وجود واستمرار هذه الأشياء سقوطا حتميا لدولته.

كل أدبيات العدو تتحدث عن النهاية، وكل سياساته مبنية على أساس أن هناك لحظة حسم سيلقى فيها كيانهم في البحر (هذه رؤيتهم لأنفسهم، وتصورهم لنهايتهم).

ستظل هذه الأرض عربية، مهما خانها رؤساء وسياسيون، ومهما تفلسف كتاب ومحللون، ودورنا هو تهيئة الأوطان للمعركة الحاسمة، وأحداث الربيع العربي كشفت لكل ذي عينين أن تحرير الأرض المحتلة من العدو الأجنبي، يبدأ بتحرير الأرض المحتلة من أبناء جلدتنا العملاء لهذا العدو... وهو ما سيحدث قريبا جدا بإذن الله تعالى، وحينها لن ينفع عدونا المجتهدَ اجتهادُهُ!

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • عربي 21
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مسيرة العودة الكبرى: نُصرتُ بالرعب

الرعب الذي شكلته «مسيرة العودة الكبرى» لإسرائيل، يوحي بدلالات عميقة لا يتعين القفز عنها، فقد …