كيف أختار ما أقرأ؟

الرئيسية » بصائر الفكر » كيف أختار ما أقرأ؟
o-BOOK-CLUB-BOOKS-facebook

تناولنا في مقالة سابقة العرض لمفهوم العلم الذي يُطلَب، ونوعية الثقافة التي تستحق الاشتغال ببنائها، وانبنى على ذلك تساؤلات:

هل قراءات المرء ينبغي أن تكون كلها سامية راقية نبيلة نافعة؟ فماذا عما تتداوله المطابع اليوم، مما خفّ نفعه وغلا سعره؟ وكيف تتسع مداركنا إذا كنّا لا نخرج خارج دائرة المألوف لدينا؟ وماذا عن الروايات والمغامرات والألغاز، وسائر هذه النوعيات من الكتابة؟ ألا يمكن أن نقرأ للمتعة؟ وماذا عن مقولة "أيَّ كتابٍ تقرأ تستفد"؟

فكان من مجموعها البيان التالي عن ركنين أساسيين؛ لتتخير في ضوئهما ما تقرأ أو تدع:

أولاً- على مستوى المادة:

نفرّق بداية بين الغثّ تماماً، والخليط بين الغثّ والسمين. فأمّا الغَثّ الخالص، فقاعدته أنه زَبَدٌ يذهب جُفَاء -أي باطلاً- لا نفع فيه، تماماً كما أنه لا يمكنك أن تجني من الشوك العنب، أو تستحلب من الصخر الماء، وأما الخليط بين هذا وذاك، فالعبرة في نفعه بما غلب، فإن غلب الغثّ على السمين لم يستحق العناء، إلا للعليم بمواضع الانتفاع، وقاصدها عن وعي، وإن غلب السمين على الغثّ فقد يمكن الانتفاع به، بحسب نوعية قارئه كما سيتضح تالياً.

 ثانياً- على مستوى القارئ:

إن مدى وعمق الانتفاع بالمادة سواء كانت سميناً خالصاً، أم خليطاً بين الغث والسمين، تتعلق أساساً بمقصد القارئ، ومنهجية قراءته، وتتطلب يقظة وتمحيصاً واعياً. إذن لابد من أصول يرتكز عليها القارئ؛ لتكون له العقلية التفكرية والملَكة النقدية اللتان تمكنانه أن يقف موقف الندّ مما يقرأ، بحيث يقدر على التمييز والمفاضلة، ويتأتى ذلك بعون الله من ثلاثة مداخل أساسية:

إن مدى وعمق الانتفاع بالمادة سواء كانت سميناً خالصاً، أم خليطاً بين الغث والسمين، تتعلق أساساً بمقصد القارئ، ومنهجية قراءته، وتتطلب يقظة وتمحيصاً واعياً

تحديد الحاجة (لماذا أقرأ؟)، وهي على مرتبتين:

الأولى- تقويم النية:

بأن لا تكون غاية المتعلم المباهاة بغزارة علمه، وحشد براهين ألمعيته عند الدخول في حوار، ودلائل تفوّقه بالغلبة عند الخوض في نقاش: "لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ" (رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي)، العلم الحق والبصيرة المستنيرة هي فضل من الله تعالى، هو سبحانه يؤتي الحكمة من يشاء، وإنما جُلُّ ما نفعله هو أن نطلبها، ونأخذ بأسبابها بغية التزكي والترقي والنفع، وإنما الموفَّق من وفقه الله. ومن كان طالباً لغير ذلك (فهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه).

العلم الحق والبصيرة المستنيرة هي فضل من الله تعالى، هو سبحانه يؤتي الحكمة من يشاء، وإنما جُلُّ ما نفعله هو أن نطلبها، ونأخذ بأسبابها بغية التزكي والترقي والنفع

الثانية- تحديد "حاجتك" أنت من المادة بين يديك

فالمرء لا ينسى ما يحتاج، ولا ينسى ما يسعى منتبهاً واعياً لتحصيله، إننا نشرب في حياتنا ملايين أكواب الماء، لكن الكوب الذي نستشعر له الحمد من صميم قلوبنا، هو ما يكون بعد عطش حار أو صيام طويل، أي في قمة "احتياجنا" إليه، نادراً ما يحتاج المرء شيئاً حاجة حقيقية، ثم لا ينتفع به إذا حصّله.

والمادة ذاتها قد تكون نافعة، لكن لا تنتفع أنت بها لأسباب عدة: لعلها ليست مجالك، أو سابقة لأوانها، أو في حقك ترف فكري لا يجيب عن تساؤل، أو يخاطب حاجة، أو يوسّع أفقاً ...إلخ، فمن يطالع مثلاً كتب العقائد والمِلل، والفلسفات المختلفة بقصد الاستعانة على تأييد الحق، وردّ شبهات ونحوه -وهو مؤهل لذلك بما لديه من عقيدة سليمة أولاً- فهو عابد لله تعالى بهذه المطالعة، وحاضر للنفع والمنافحة عن الحق حين يُحتاج إليه، بل إنه إذا احتيج إلى ذلك النوع من العلوم، ولم يكن من المشتغلين به ما يكفي، كان فرضًا لازمًا على من استطاع، أما من يطالعها لمجرد الاستمتاع فستستهلك وقتاً وطاقة بغير أن يكون لها مردود بعد ذلك، فضلاً عما يمكن أن تسببه من تشويش لمن لم يستتب له الأساس أولاً.

والانتباه لمفهوم الحاجة مما يعين بإذن الله على تحديد درجة الثقافة المطلوبة لهذا المجال أو الكتاب، فليس كل كتاب يُقرأ بنفس الطريقة، أو بنفس السرعة، أو بكامل التمام ، كذلك لابدّ من التفرقة بين استثقال كتاب أو علم بسبب صعوبة الأسلوب ودسامة المادة، أو بسبب كسل النفس وعدم اعتياد القراءة، ومن هنا يفضل في المرحلة التأسيسية وجود موجِّه أو خطة موضوعة من أهل خبرة، واتباع لخطوات القراءة الواعية، حتى تتكون لديك الملكة، وتنضج في تعاملك مع القراءة والعلم نفسياً وفكرياً.

يفضل في المرحلة التأسيسية وجود موجِّه أو خطة موضوعة من أهل خبرة، واتباع لخطوات القراءة الواعية، حتى تتكون لديك الملكة، وتنضج في تعاملك مع القراءة والعلم نفسياً وفكرياً

• المناعة الفكرية والأساس الراسخ:

ما القول فيمن يرمّم الشكل الخارجي لبناية آيلة للسقوط؟ أو من يدخل حَجْراً صحياً وليس عليه ثياب واقية؟ كذلك الذي يبدأ مسيرته الثقافية بالتجول في كلام المفكّرين من كل المذاهب والمدارس، ويُقلِّب فكره في كل ما يقع عليه بصره من مواد، سيقع فريسة لا محالة للبعثرة الفكرية، والتذبذب والحيرة والشكّ.

والذي ينشغل أول ما ينشغل بالاطلاع على فكر الآخر، سواء كان هذا الآخر من نفس بيئته الثقافية -وإن اختلفت التوجهات- أو من ثقافة أخرى مغايرة تماماً، الذي ينشغل بأولئك -أولاً- يكون كمن يدخل حَجْراً صحياً وليس عليه ثياب عازلة واقية! إنه بهذا يعرّض نفسه للهلاك الفكري والعملي أيضاً، فالعمل القويم لا ينشأ إلا عن فهم وبصيرة، وعلم راسخ بالأوْلَى فالأوْلَى.

الذي ينشغل أول ما ينشغل بالاطلاع على فكر الآخر، سواء كان هذا الآخر من نفس بيئته الثقافية أو من ثقافة أخرى مغايرة تماماً، يكون كمن يدخل حَجْراً صحياً وليس عليه ثياب عازلة واقية!

• المنهجية المتدرجة:

فالفوضوية في الطلب الذاتي للعلم لن تَبني علماً حقيقاً، ولا بُنياناً راسخاً، وإنما شذرات معرفة سطحية، ومعلومات من هنا وهناك لا رابط بينها ، وبذلك يظلّ الإشكال قائماً وإن اتخذ شكلاً إبداعياً، فمن كان صاحب قراءات عريضة في أيّ لغة، ثم لا يمكنه أن يكتب مقالة سليمة اللغة حسنة الصياغة بغير أخطاء، فتلك قراءات غير واعية لاريب، ولم تنفع صاحبها، بغض النظر عن كون موضوعاتها نافعة أم لا، ذلك أن القراءة الواعية الممنهجة لن تخرّج بالضرورة أديباً أو شاعراً، لكنها لابدّ أن تثمر مع المتعلم النبيه اليقظ تمكّناً من اللغة فهماً وتذوقاً وتعبيراً.

إذن العبرة بالمنهجية الواعية في التعلم والتثقف، مهما قل الكم أو طال الزمن، إذ لا ينفع الكثير مع الفوضى، ولا تثمر السرعة مع السطحية، وتصير العملية هكذا، أشبه بمحاولة عبور البحر في الاتجاهات الأربعة كلها! يقول د.عبد الوهاب المسيري في كتاب "رحلتي الفكرية": "الرغبة المعلوماتية حينما تنهَش إنساناً فإنها تجعله يقرأ كل شيء حتى يعرف كل شيء، فيتنهي الأمر بالمسكين أن لا يعرف أي شيء...، المعرفة لا حدود لها، والمعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء، ومن هنا لابد من التوقف عند نقطة ما...، فلو قرأت كل ما كتب عن تخصصي لقضيت سحابة أيامي أقرأ وأستوعب دون أن أنتج شيئاً".

والمنهجية تشمل من ناحية مراعاة محدودية العمر والكم المعرفي كما سبق، ومن ناحية أخرى مراعاة طبيعة المرحلة الفكرية التي تكون فيها، ففي بداية الطلب تكون في مرحلة تشرّب وتأثر وتلقٍّ أحاديّ الجانب، لم يصل درجة النقد والمفاضلة، لذلك لا ينفع المبتدئ الاشتغال بغير بناء أساس راسخ صحيح للذات، قبل أن يشرع في التعرف على الآخر، ومعيار كون المتعلم مبتدئاً لا علاقة له حقيقة بكم قرأت قبلاً أو لمن قرأت، ولكن كيف كنت تقرأ، وكيف كنت تفهم ما تقرأ، فالمقصود في هذا السياق حَداثة العهد بالعلم المنهجي، والثقافة البنائية، والقراءة الواعية اليقظة، وليس بالتعلم والقراءة مطلقاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

الدليل العقلي في الخطاب القرآني ومشكلة غيابه عند دعاتنا!

تشهد ساحات وميادين الدعوة الإسلامية الكثير من العنت والمشكلات في الوقت الراهن. وهذه المشكلات ليست …