مفهوم تمام الدين بين الأصل الشرعي وقضية التكفير!

الرئيسية » بصائر الفكر » مفهوم تمام الدين بين الأصل الشرعي وقضية التكفير!
muslim17

يجيء تحدي الافتراق والتشرذم الذي وصل حدَّ الاحتراب والاقتتال الداخلي، كأهم التحديات التي تواجه الأمة، وأحد أكبر العقبات التي تواجه اندياح الدعوة الإسلامية بين ظهرانيي الإنسانية بالكامل، مع ما تعكسه هذه الصراعات، أو ما أطلقنا عليه في ذات موضع مسمى "حروب المسلمين"، من صورة لا يمكن معها تصوّر أن هذا الدين يمكنه إقامة حضارة مدنية متكاملة الأركان، وإقامة أسس ودعائم التكامل الإنساني الذي أقره القرآن الكريم.

ذلك الحكم الظالم يأتي بالرغم من أن التاريخ –حتى في كتاباته المحايدة لغير المسلمين– يخبرنا بأنه ولفترة لا بأس بها من تاريخ الإنسانية المدوَّن، كانت دولة الإسلام قائمة بحضارة بزغت بنورها على العالم كله، وأسهم الدين في تحضُّر شعوب كان اسمها علامة على عدم التحضر، مثل بدو شبه الجزيرة العربية، وبربر شمال أفريقيا وغيرهم.

وهناك بطبيعة الحال أسباب عدة لمثل هذه المشكلة، ولكنها وبالرغم من تعدّدها، إلا أنها تندرج تحت عنوان كبير، وهو عدم الفهم الصحيح للدين.
وهذا أمر توقعه الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، عندما قال: (إن هذا الدين شديد فأوغل فيه برفق) (أخرجه أحمد في المُسنَد)، وبالرغم من أن الحديث بنصِّه الكامل قد ورد في السلسلة الضعيفة، إلا أنه في النهاية، نجد أن الواقع يصدِّق على هذا الشطر منه الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده.

كانت دولة الإسلام قائمة بحضارة بزغت بنورها على العالم كله، وأسهم الدين في تحضُّر شعوب كان اسمها علامة على عدم التحضر، مثل بدو شبه الجزيرة العربية، وبربر شمال أفريقيا وغيرهم

وكما تم توظيف بعض الأمور الواردة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، في غير سياقها، وبشكل أخرج علينا فتنة التكفير، مثل "الطائفة المنصورة"، و"الفرقة الناجية"، فإننا نقف هذه المرة أمام قضية شديدة الأهمية، أدّت إلى مشكلة حقيقية من جانب بعض الحركيين والجماعات المنتسبة إلى الإسلام والمشروع الإسلامي، عند تطبيقها لآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة كثيرة، وغالبيتها من ضمن أحاديث القتال والجهاد.

وهذه المشكلة تتعلق بسوء تأويل قضية "تمام الدين".

بدايةً، يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} ["المائدة"، الآية:3]، وهو ذات المعنى الذي أكّده النبي الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في خطبة حجّة الوداع، والتي تُعتبر من أهم النصوص الشرعية التي تتضمن جماع الدين بالنسبة للمسلمين.
هذا الأمر اتخذه البعض بصورة قاصرة، أخرجته عن سياقه أو معناه الشامل المقصود الذي أراده الله تعالى، وعكسته السُّنة النبوية الشريفة.

البعض اتخذه كإطار لمحاسبة المسلمين المقصِّرين، وعدم إعذارهم بجهلهم، وكذلك استهداف غير المسلمين، استنادًا إلى فقه غير صحيح، بأنه بتمام الدين، فإن الإنسانية إما ديار إسلام، أو ديار كفر، وأن ديار الكفر وجب على المسلمين قتالها.

بل إن قضية تمام الدين، عكس ما يفهمه هؤلاء، والدليل على ذلك أن الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد ربط قضية تمام الدين بانتهاء الوحي وانتهاء البعثة –تكلَّم النبي عليه الصلاة والسلام في ذات الموضع عن قرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى–، رَبَطَها بمعنىً شديد الأهمية، وهو أن تمام الدين يعني المزيد من التشديد على قضية حرمة أموال ودماء المسلمين، وليس العكس.

تمام الدين يعني المزيد من التشديد على قضية حرمة أموال ودماء المسلمين، وليس العكس

ففي خطبة الوداع، كما في صحيح البُخاري ومسلم، قال الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ".. فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

وأفكار هؤلاء تخالف –كما هو واضح بالدليل التاريخي– حتى الأساس الذي ظلّت عليه الدول الإسلامية المتعاقبة طيلة الفترة التي تلت دولة الخلفاء الراشدين، حيث كان أساس الحكم هو معاملة المسلم كمسلم، ومعاملة غير المسلم المسالم وفق أحكام الشريعة، ومعاملة ديار الكفر المسالمة وفق قواعد الجيرة والتكامل الإنساني، ومحاربة مَن يعادون الدولة الإسلامية، أو يعتدون على المسلمين في بلدانهم.

والقول بعكس ذلك، يعني أننا نكفِّر –والعياذ بالله– كل المسلمين وحكَّامهم عبر التاريخ الطويل للدول المختلفة التي ظهرت، وكانت الإطار الجيوسياسي الجامع للمسلمين كافّة، مثل الدولة العباسية والدولة العثمانية، وغيرها.

إن الدين ليس قانونًا وضعيًّا، والشريعة ليست بنودًا دستورية أو قانونية، عدم العلم بها، يوجب المحاسبة .

الله تعالى أنزل دينه وشرائعه بأنساق معينة، وبصورة تدريجية، وعلى فترات من الرُّسُل، ولكي تُطبق بطرائق معينة، ومدة التطبيق هذه، هي منذ أن بعث الله تعالى الرُّسُل والأنبياء إلى يوم القيامة.

الله تعالى أنزل دينه وشرائعه بأنساق معينة، وبصورة تدريجية، وعلى فترات من الرُّسُل، ولكي تُطبق بطرائق معينة، ومدة التطبيق هذه، هي منذ أن بعث الله تعالى الرُّسُل والأنبياء إلى يوم القيامة

ولذلك علَّق الله تعالى سُنَّة إهلاك الأمم التي نجدها في القرآن الكريم، في قَصَص الأولين؛ لأن الدين الخاتم قد نزل، والإنسانية كافة هي مجال دعوته، وسوف تعود هذه السُّنَّة في آخر الزمان بعد رفع القرآن الكريم والإيمان من الأرض، كما أخبر النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أكثر من حديث صحيح.

لذلك أي مجتمع غير مسلم، هو مجتمع دعوة وهداية، بل إنه في ظل حالة الجهالة الراهنة في أوساط غالبية المسلمين بصحيح دينهم نتيجة قرون من الاستعمار والإهمال والتغريب والعلمنة، فإن أي مجتمع مسلم، هو مجتمع دعوة وهداية .

فالقول بجاهلية المجتمعات –وهي حقيقة، وقد ورد في أكثر من حديث نبوي صحيح التحذير من عودة المسلمين إلى سلوك الجاهلية–، ذلك القول، وذلك الوضع، لا يستوجب قتال المسلمين المقصرين، أو الذين لا يفهمون حقيقة دينهم، وتدمير مجتمعاتهم، إنما يستوجب التوضيح والهداية.

القول بجاهلية لا يستوجب قتال المسلمين المقصرين، أو الذين لا يفهمون حقيقة دينهم، وتدمير مجتمعاتهم، إنما يستوجب التوضيح والهداية
وبالتالي وفي ظل الظروف التي تمر بها الإنسانية في الوقت الراهن، من هيمنة الحضارة الغربية العلمانية وقيمها، وطغيان قيم الماديّة وفوضى التفكيكية وما بعدها، فإن أي مجتمع -مسلم أو غير مسلم، حديث العهد بالدين، أو غير حديث العهد بالدين- إنما هو كأنه في اللحظة الأولى لنزول الإسلام على سيدنا محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

البعض يحتج بمسألة تمام الدين في القرآن الكريم، وفي السُّنَّة النبوية لعدم إعذار الناس. هذا مخالف فاقتله. كيف ذلك؟ والقرآن والسُّنَّة، فيها العذر بعدم المعرفة، وفيها التدرج في دعوة الناس، والصياغات التي جاءت بها هذه الأمور، كلها مطلقة غير مقيّدة زمنيًّا، كما أنه لا يوجد دليل على أنها نصوص منسوخة أو ما شابه.

إن "تمام الدين" له معنىً آخر مختلف تمامًا عما ذهب إليه البعض، فهو في أبسط تقدير، يعني أنه لا شرائع أخرى جديدة سوف تنزل، وأنه يا مسلمون ويا عباد الله تعالى، قد اكتملت لكم شرائع الله تعالى، فاكتملت عليكم الحُجة، فاعملوا بها إلى يوم الدين، ولا تبحثوا خارج شريعتكم ومصادرها الأساسية، القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.

تمام الدين يعني أنه لا شرائع أخرى جديدة سوف تنزل، وأنه يا مسلمون قد اكتملت لكم شرائع الله تعالى، فاكتملت عليكم الحُجة، فاعملوا بها إلى يوم الدين، ولا تبحثوا خارج شريعتكم ومصادرها الأساسية، القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية

والحُجة هنا يجب أن نفهم أنها تمنح حق المحاسبة لله تعالى فقط، ولا ينبغي بحال أن تكون لبشر؛ لأنه حق أصيل لله عز وجل وحده لا شريك له فيه، والله تعالى منع الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمين الأوائل عن فتح مكة حربًا؛ خشية أن يصيبوا مسلمين يكتمون إسلامهم، كانوا في أوساط مشركي مكة المكرمة ممَّن كانوا يحاربون المسلمين.

يقول تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [سُورة "الفتح"، الآية 25].

وفي الأخير، ينبغي أن ندرك أن الإسلام والدعوة إليه، إنما هي هداية ونور، لا قتل وإرغام ، وما جرى بعد رحيل مجموعات تنظيم الدولة "داعش" من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، أبلغ دليل على فشل هذه الأساليب؛ لأنها ببساطة تخالف صحيح القوانين التي وضعها الله تعالى للدعوة، حيث قام الرجال بحلق اللحى أمام كاميرات التليفزيون، والنساء احتفلن بحرق النقاب.

والآن يجري ذلك في إيران؛ لأن ما تم، لم يتم عن قناعة مع أصحابه، وإنما بسبب الإرغام.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …