هل علّمت طفلك بروتوكولات اللّباقة الاجتماعية التي حث عليها الإسلام؟

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » هل علّمت طفلك بروتوكولات اللّباقة الاجتماعية التي حث عليها الإسلام؟
child7

ما إن كانت "أم أحمد" تتحدث مع صديقاتها اللواتي جئن لزيارتها بعد طول انقطاع، حتى دخل ابنها "أحمد" ذو الأربعة أعوام على غرفة استقبال الضيوف، وأخذ يتحدث مع أمه دون إلقاء التحية والسلام على الموجودين، وبعد أن أنهى كلامه اتجه إلى الضيافة التي أعدتها والدته لصديقاتها، وأخذ يأكل بشراهة من أمامهم، ويطلب من أمه مزيداً من العصير والشوكولاته، ويتحدث أثناء مضغه للطعام، فما الذي يجعل الطفل يفتقر للّباقة الاجتماعية؟ وما هو مدى أهمية تعليم الطفل قواعد السلوك الحسن أو (اللباقة الاجتماعية)؟ وما هي أهم البروتوكولات التي يجب تعليمها للطفل؛ كونها تواجهه دائماً؟ وكيف يمكن تعزيزها عنده؟ وكيف يمكن التعامل مع الطفل الذي يُصرُّ على عدم الالتزام بقواعد السلوك الحسن؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها التقرير التالي:

كيف تُكسب طفلك اللباقة الاجتماعية؟

من جهته، أكّد علاء الربعي -الأخصائي النفسي والتربوي، والخبير في العلاج المعرفي السلوكي- لـ"بصائر": "أنه يمكن تعليم #الطفل قواعد #السلوك الحسن، أو ما يُعرف بـ"اللباقة الاجتماعية" عن طريق توفير الجو الأُسري الهادئ، والتفاهم بين الوالدين، والتعامل الراقي مع بعضهما من جهة، ومع الأبناء من جهةٍ أُخرى -لافتاً إلى- أن الدراسات الاجتماعية أكدت أن الأطفال الذين يكبرون في جو من المشاحنات العائلية، يتعلمون الشتائم أسرع أربع مرات من أقرانهم، الذين يعيشون في أجواءٍ عائليةٍ هادئة".

علاء الربعي: ينبغي على الوالدين مراعاة الآداب والسلوك أمام صغيرهما ليعتاد السلوك اللائق منهما، ولا يشعر بالتناقض بين ما يُطلب منه وما يقوم الأم والأب بفعله في الواقع

وأضاف: "كما أن القدوة الرائعة سواء بالشخصيات الحقيقية، أو النماذج الناجحة من التاريخ، أو القصص والحكايات، تُعزّز السلوك الحسن عند الأطفال -مُشيراً إلى- أن الأبحاث السلوكية أظهرت أن الطفل عادةً ما يتعلم الآداب من خلال المحاكاة وتقليد الآخرين ، وليس عن طريق أوامر تُوجَّه له، وبهذا ينبغي على الوالدين مراعاة الآداب والسلوك أمام صغيرهما؛ ليعتاد السلوك اللائق منهما، ولا يشعر بالتناقض بين ما يُطلب منه، وما يقوم الأم والأب بفعله في الواقع"، على حد تعبيره.

وتابع الربعي: "بالإضافة إلى سرد القصص التي تتناول سُلوكيات الأطفال، فللقصة والحكاية أثرهما البالغ في تنشئة الآداب، وتنمية الذوقيات لدى الأطفال، ولكن يجب أن تكون مناسبة لعمره، وهذه الطريقة تعمل على تراكم المعلومات والأحداث في اللاوعي لدى الأطفال، وبالتالي يقوم الطفل بتقليد السلوكيات الإيجابية بعد فترةٍ مُعينة".

وذكر مبدأً مُهماً في تنمية وغرس هذه الآداب في الطفل، وهو: "وضع القوانين في البيت، وعقد الاتفاقيات مع الوالدين حول أي سلوك يحتاج إلى تعديل وتقويم"، بحسب الربعي.

أساليب عملية

وحثّ الربعي على أهمية استخدام الأساليب العملية لتعزيز اللباقة الاجتماعية، قائلاً: "لو تلفَّظ الطفل كلاماً غير لائق، فيمكن للأم المربية أن تجعله يذهب ويغسل فمه بالماء جيدًا ثلاث أو أربع مرات -مؤكداً على- أن تكرار غسل الطفل لفمه ستجعله -أولًا- يُدرك أن اللفظ غير اللائق، مثل الأوساخ التي تلتصق به، وينبغي عليه أن يُزيلها."

وأردف قائلاً: "من الجميل أن يبدأ الوالدان تعليم الطفل السلوك السليم واللائق مُبكراً ، فلا يمكنك الانتظار بحجة صغر سنهِ، وإلا سيعتاد على السلوك الفوضوي، فالطفل الصغير قادر على اكتساب المهارات بشكل سريع، ولا مانع من منحه مكافأة صغيرة، وإطراء أمام الآخرين كلما أحسن التصرف -منوهاً إلى- أن التربويين أكدوا على أهمية المهارات الحياتية في السنوات الأولى للطفل، وأن (70%) من شخصيته تتشكل وهو دون السادسة من عمره".

وقال الربعي: "إن إعطاء الطفل سبباً أو مبرراً لكل سلوك يُطلب منه يُعوّده على تكوين المفاهيم الحياتية الصحيحة، فالشوكة والملعقة يجب أن تبقى داخل الطبق؛ للحفاظ على نظافة المائدة، وتناول الطعام بلُقيمات صغيرة؛ كي لا يتناثر الطعام خارج الفم، ويسبب مظهراً غير لائق وهكذا –مُضيفاً- علموا طفلكم أن يشعر بأناقته وذوقه منذ الصغر، والوقوف لاستقبال الضيوف ومصافحتهم بأدب، والتحاور معهم".

الربعي: إعطاء الطفل سبباً أو مبرراً لكل سلوك يُطلب منه يُعوّده على تكوين المفاهيم الحياتية الصحيحة

توبيخ الطفل أمام الآخرين يتنافى مع قيم الإسلام

وحول توبيخ الطفل أمام الآخرين؛ لعدم التزامه بقواعد السلوك الحسن، وتكراره لذلك رغم تحذير أمه، أوضح الربعي: "أنه يجب -أولاً- حفظ كرامة الطفل؛ لأن قيمة الكرامة من القيم الخمسة الأساسية التي أكد عليها الإسلام العظيم، وتوبيخ الطفل أمام الآخرين يتنافى مع هذه القيمة؛ لأن الطفل الذي يعتاد الإهانة والضرب أمام الآخرين تهون عليه نفسه، ويتعود على الكذب أكثر من الأطفال الذين لا يتعرضون لذلك، بالإضافة إلى تشويه مشاعر الطفل وتدمير جوانب إيجابية عديدة في شخصيته، مثل: الجرأة والثقة بالنفس والقدرة على التعامل مع الناس واكتساب المهارات، مما يؤثر على محبته لوالديه والآخرين، فضلاً عن أنه لا آثار تربوية إيجابية للتوبيخ والعقاب أمام الغير".

كيف تتعامل مع طفلك عند التصرف بشكلٍ غير لائق

وقال الربعي: "إن ما علينا فعله -أولاً- تَفَحص وتفقُّد الحاجات النفسية والاجتماعية لدى الطفل، والعمل على إشباعها وتلبية رغبة الطفل في الحصول على الاهتمام والانتباه والتقدير والحب والاحترام؛ لأن حرمان الطفل من ذلك يدفعه للبحث عن الاهتمام بشكل غير مقبول.

ثانياً- العمل على إنهاء المشكلة، فمثلاً عند توبيخك للطفل نتيجة سلوكٍ ما، لا يُعتبر ذلك حلاً، حيث يظل الطفل غارقاً في الشعور بالذنب، أو الألم لإهانته أمام الآخرين، فمن المهم عند نهاية كلامك أن تطلب من الطفل الاستغفار والاعتذار، ثم احضنه؛ ليعلم أنك لازلت تُحبه، وإيجاد بديل لسلوكه فوراً، بحيث التصرف بإيجابية ومدحه أمام الغير؛ لمحو أثر السلوك الخاطئ.

ثالثاً- لابُد من التنبيه أنه لا يمكن تأديب الأطفال تماماً أمام الغُرباء أو الضيوف، لكن من الخطأ تجاهل السلوك الخطأ في هذه الحالة خصوصاً إذا كان جارحاً أو مؤذياً للآخرين ".

بروتوكولات وقواعد يجب تعليمها للطفل

وأشار الربعي إلى ضرورة تعليم الطفل قواعد الاستئذان والشكر، قائلاً: "دربيه على اتباع آداب اللباقة عند التحدث، والبدء بتعويده على استخدام الألفاظ المُهذبة، والابتعاد عن ترديد أي لفظ خارج أو جارح سمعه من الآخرين، وتعويده على استخدام الكلمات السحرية: "من فضلك" و"بعد إذنك" عند طلب شيء، وكلمة "شكراً" عند إنجاز الطلب".

واسترسل: "كما يجب تعليم الطفل الاحترام في مخاطبة الآخرين، ومخاطبتهم بألقابهم، والمصافحة، وآداب المائدة، وأن يعامل كبار السن باحترام، وأن يساعدهم قدر الإمكان، بأن يفتح لهم الأبواب وألاّ يُقاطع الآخرين عندما يتحدثون أمامه أو معه، وعدم العبث بالأدوات أو الضيافة في وجود الضيوف أو أثناء الزيارات، وعدم الصراخ أو الحديث بصوتٍ عالٍ، وعدم استخدام الألفاظ الجارحة أو البذيئة".

ما هو السن المناسب لتعليم الطفل قواعد السلوك الحسن؟

ونوه الربعي إلى: "أن الطفل في عمر السنة يفهم التعليمات ويستجيب لها، وهو بحاجة للتوجيه والتذّكير بقواعد السلوك السليمة خلال مرحلة طفولته، وحسب فهمه لك في كل سن من سنوات عمره يمكن الارتقاء بتدريبه وتعليمه -لافتاً إلى- أن الدراسات أكدت أن مهارات "النجاح، والإبداع، والقيادة" تتكون مفاهيمها في السنوات الثلاث الأولى، وهذا يُلقي علينا مسؤولية تطويرها وتنميتها"، على حد تعبيره.

أهمية تعليم اللباقة للطفل

بتول حذيفة: كثرة التوجيهات والنقد واللوم هي أكثر ما يؤثر على علاقة الطفل بأمه، فيصبح كلامها غير مسموع، والأفضل أن تختصر الأم كل توجيهاتها، وتُقدمها بأسلوب آخر، وتدخل بينهما الثناء على ما هو جيد منه، وتخبره بمدى حبها واحترامها له، حتى يصبح كلامها مقبولاً بالنسبة إليه

ومن ناحيتها، قالت بتول حذيفة -اختصاصية إدارة وتخطيط تربوي، والباحثة في مجال أدب الطفل- لـ"بصائر": "إن كثيراً من الأطفال نجدهم يفتقدون للّباقة الاجتماعية؛ لأن الطفل لم يرها كسلوك يومي اعتيادي، ولم يتعلمها كأسلوب حياة، فمثلاً يرد على الهاتف دون إلقاء التحية، أو نجد الطفل يتحدث أثناء مضغ الطعام".

وأكدت على: "أن أهمية تعليم الطفل قواعد السلوك الحسن أو اللباقة الاجتماعية لا تقل عن أهمية تعليم أي مهارة حياتية يومية، فكما نُعلم الطفل كيف يأكل؟ علينا أن نعلمه آداب الطعام، واللباقة أثناء تناوله للطعام".

بروتوكولات وقواعد مهمة في حياة الطفل

وحول أهم البروتوكولات أو قواعد السلوك الحسن التي يجب تعليمها للطفل؛ كونها تواجهه دائماً، أشارت حذيفة إلى: "أن التصنيفات كثيرة ومتنوعة، وتختلف أهمية كل منها باختلاف البيئة والمجتمع واحتكاك الطفل بها -منوهةً إلى- أن ديننا الإسلامي مليء بالأدبيات التي تتناسب مع المواقف المختلفة بتفاصيلها".

وذكرت: "أن أهم البروتوكولات تتمثل في: آداب الطعام والشراب، والآداب الشخصية، وآداب السعال والعطاس، وآداب الدخول إلى منزل الآخرين أو الخروج منه، وآداب الطهارة، والنوم، وآداب العلاقة مع الوالدين، ومع الكبار، وآداب المدرسة والصف والأصدقاء، وآداب الجار، وآداب زيارة المريض، وآداب الاستماع والمحادثة، وآداب المسجد، وآداب الضيافة، وآداب الحديث على الهاتف، وآداب الطريق، وآداب التبرع (مساعدة الفقراء)، وآداب استخدام التكنولوجيا، وآداب المنافسة".

ولفتت حذيفة إلى: "أن مُعظم تلك الآداب ذكرت في ديننا بشكلٍ صريح، أو من خلال القصص والتطبيق، وتُعلّم للطفل حسب الموقف الذي صادفه، وليس دُفعةً واحدة من خلال الإلقاء والتوجيهات"، على حد وصفها.

السن المناسب يختلف باختلاف الظروف المحيطة

وبينت: "أن السن المناسب لتعليم الطفل اللباقة الاجتماعية يختلف باختلاف الظروف المحيطة بالطفل ، ومدى تعرضه للموقف الذي يُقدم من خلاله السلوك الطيب -موضحةً أنه- منذ تعليم الطفل على الطعام يُعلّم آداب الطعام، ومع بداية اصطحابه للمسجد يُعلّم آدابه، وقد يَكبر الطفل دون أن يُجرّب السفر، أو قد نجده يُسافِر بكثرة فيتعلم آدابه باكراً".

وحذرت حذيفة من استخدام أسلوب إلقاء الدروس والمحاضرات، والنقد في تعليم الطفل للباقة الاجتماعية، قائلةً: "إن الأفضل أن تُعطى من خلال القدوة، وأن يراها الطفل سلوكاً اعتيادياً في مُحيطه، كما يمكن إدخالها من خلال القصص أو من خلال التمثيل ولعب الأدوار، بالإضافة إلى الثناء عليه في المرات التي يقوم بها بتصرف لبق، ولفت انتباهه إلى الأشخاص ذوي اللباقة، سواء من حولنا أو على البرامج".

من المسؤول عن عدم التزام الأطفال باللباقة الاجتماعية؟

وحول المسؤول عن عدم التزام الأطفال والمراهقين بمعايير اللباقة الاجتماعية، أجابت حذيفة: "إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، ولا يُمكن إلقاء اللوم على جهةٍ دون الأُخرى، فقد تُعلّم الأُم طفلها وتُهذّبه، فيذهب إلى المدرسة ويُعامل بعدم احترام، ولا يرى اللباقة سلوكاً واقعاً، بل قد يكون نادراً، فيقل ترسيخ القيمة عنده".

وأردفت: "وقد يكون العكس، أي بعد بذل المُدرس للجهد، ويتم تعليمه من قِبل المدرسة والأُم معاً، لكنه يحتك بأصحاب سيئي الطبع، أو يُقارِن ما تعلمه بسلوكيات أقاربه، فيجدها متباعدة. لذا على الأهل مساعدة الطفل على اختيار الصحبة الصالحة، والأهم من ذلك بناء شخصية قوية واثقة يصعُب تأثرها بالآخرين، وهنا تكون الأسرة أكثر اطمئناناً على ترسيخ مبادئها لديه".

النصيحة تقدم مرة في الأسبوع لمدة نصف دقيقة

وقالت حذيفة: "إن معاملة الأهل السيئة للطفل أمام الضيوف، قد تجعله كارهاً لوجودهم ظناً منه بأنهم غيروا من طبيعة أمه المُحبة له  عادةً -منوهةً إلى- أن كثرة التوجيهات والنقد واللوم هي أكثر ما يؤثر على علاقة الطفل بأمه، فيصبح كلامها غير مسموع، والأفضل أن تختصر الأم كل توجيهاتها قدر الإمكان، وتُقدمها بأسلوب آخر، وتدخل بينهما الثناء على ما هو جيد منه، وتخبره بمدى حبها واحترامها له، حتى يصبح كلامها مقبولاً بالنسبة إليه".

حذيفة: افتقار الطفل للباقة الاجتماعية يؤثر على ثقته بنفسه بالدرجة الأولى، وعلى قوة علاقته بالآخرين الذين قد يبتعدون عنه

واستدلت حذيفة بقول الدكتور مصطفى أبو سعد: "إن النصيحة تُقدم مرة واحدة في الأسبوع، لمدة نصف دقيقة فقط حتى تُحقق استجابة".

وختمت حذيفة حديثها بالقول: "إن افتقار الطفل للباقة الاجتماعية يؤثر على ثقته بنفسه بالدرجة الأولى، وعلى قوة علاقته بالآخرين الذين قد يبتعدون عنه، ومما يحدث أنه قد يؤثر على تقبل المعلمة للطفل داخل صفه بدلاً من مساعدته، أو الحُكم على أسرته بسبب سُوء تصرفه، حتى في المستقبل فإن اللباقة من متطلبات سوق العمل الأساسية والزواج وغيرها".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

كيف نستقبل شهر رمضان، ونستثمره؟

أيام قليلة تفصلنا عن الدخول في شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي يطمح فيه المسلم …