الإسلام يتحدى

الرئيسية » كتاب ومؤلف » الإسلام يتحدى
الإسلام یتحدی

توطئة:

يمهد الدكتور عبد الصبور شاهين في مقدمته لمنهج الكتاب العلمي، ويناقش أهمية تحديث اتجاهاتنا الفكرية عند حمل لواء قضايا الدين، مراعاة لاختلاف العصور وما يستتبعها من اختلاف العقليات، والمقصود بها هنا الوجهة الفكرية أوطريقة التفكير.لكننا اليوم نشهد انفصاما بين تدريس المناهج الدينية –خاصة للمختصين– وحاجة المسلم لفهم العقائد فهماً صحيحاً مبنياً على أسس راسخة يقوم ويقاوم المد الفكري المعاكس، بدل الاتكاء التام على "فطرية" الشعور بالإيمان.

لا بد من منهج وفكر ناضج ومقارعة الحجة بالحجة، لا لحجاج المخالفين فحسب بل للتحصن ضد قذائفهم الفكرية الباطلة ، لكن لا يصمد أمام زخرفها ويعي خواءها إلا عالم على بصيرة ومسلم على رسوخ في يدنه. وليس ذلك بالعسير لأننا لسنا مطالبين باختراع عقلانية في الدين، بل جلّ ما علينا هو التعلم الحق للدين الذي لا يقوم على تخاريف هشّة أو موروثات بالية كما يدّعي المناوئون. المشكلة أننا –معشر المسلمين– أول من يجهل ذلك، رغم أن كتاب الله تعالى زاخر بخواتم الآيات التي تشيد بالمتفكرين والمستبصرين والعاقلين.

ويسوق الدكتور "عبد الصبور شاهين" في مقدمته مثالاً على خطر مثل تلك الأفكار على تفكير من لا يستعد لها بفكر مضاد، لأنها تسلك سبلاً ملتوية للتلاعب بالعقل الذي يحسب أنه منها في مأمن، ثم تنكت في القلب نكتة سوداء إذا لم يتداركها صاحبها طمسته مع الوقت حتى يصير أسود منكوسًا! والثقافات المناوئة قد اتخذت لنفسها خطة لئيمة، مفادها أن الدعوة الصريحة إلى الكفر ستلقى نفورا في المجتمع الإسلامي، ولذا ينبغي أن تكون الخطة تجريد المسلم أولًا من الالتزام بالتكاليف بزعزعة اعتقاده في أصولها تحت دعوى العلمية والتقدم، دون مساس بقضية الإلهية مؤقتا لأنها ذات حساسية خاصة. وبمرور الزمن، ومع إِلف المسلم لهذا التجرد يسهل في نهاية الأمر تحطيم فكرة الإلهية أساسا في عقله ووجدانه. بل حتى إذا بقيت افتراضا فلا ضرر منها ولا خطر، لأنها حينئذ لن تكون سوى بقايا دين كان موجودا ذات يوم بعيد!

مع الكتاب:

يبدأ المؤلف وحيد الدين خان بمقدمة يذكر فيها مثالاً قاصماً ليدلل على الفجوة الفكرية بين ما يتطلبه العصر من حاملي الديانة، وبين عقلية من يعتمدون في حجاجهم على الروحانية والتوجهات القلبية فحسب.

فنجد على سبيل المثال أن جهود العلماء لإثبات نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنما تستهدف من يرى أن نبوته عليه الصلاة والسلام كاذبة من اليهود والنصارى، وهم يؤمنون في أصل الأمر بمبدأ النبوة عامة وإن كانوا ينكرون نبي الإسلام خاصة. لذلك لا يكفي هذا المنهج الفكري في عصرنا الحاضر للرد على من يشككون في مبدأ النبوة أساسًا، بغض النظر عن شخص النبي عليه الصلاة والسلام. فصارت مهمة من يتصدى لذلك الفكر لا تنتهي عند إثبات صدق نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام بل أن يضطلع بالبحث في قضايا الوحي والإلهام.

ويختم "وحيد الدين خان" مقدمته بقوله: "إن هذا الكتاب لا يستهدف تفسير الدين، فالأسلوب الذي يُسلَك عند تفسير الدين أمام أصحاب الفِطَر الدينية المؤمنة، غير الأسلوب الذي يستخدم عندما يكون الحاضرون ممن يزعمون أن الدين خدعة وأضحوكة وتخدير للشعوب، فكلما أردنا مواجهة الأسئلة التي تُثار ضد الدين، كان لا بد من تغيير لهجتنا وأسلوبنا بتلك التي يستغلها الأعداء حتى نستطيع الصمود للعواصف" ا. هـ.

ينقسم الكتاب إلى أبواب تسعة:

1. قَضيةُ مُعَارِضي الدِّين

وفيه يسرد المؤلف مآخذ المعارضين للدين على الدين، ويصنفها لثلاث تصنيفات:

أ‌- المآخذ المبنية على أساس علمي:

ومفادها إيمان علماء البيولوجيا أن كل ما يحدث في الكون خاضع لقانون معلوم هو قانون الطبيعة، فليس للإله من عمل إلا أنه كان المحرك الأول لهذا الكون، مثل صانع الساعات الذي يرتبها في هيئة خاصة ثم تنقطع صلته بها!

ب‌- المآخذ المبنية على أساس سيكولوجي:

الذي يرى أصحابه أن الدين نتاج "اللاشعور" الإنساني، أو تعبير مثالي عن أماني الإنسان الداخلية والمكبوتة!

ج‌- المآخذ المبنية على أساس تاريخي:

ويذهب أصحابه إلى أن الدين إنما وجد للظروف التاريخية التي أحاطت بالإنسان مثل الكوارث الطبيعية التي لم يكن يجد منها فكاكا، فاخترع " قوة افتراضية " يستغيثها لتنقذه من تلك البلايا. وهكذا لمّا ظهرت الحاجة إلى وجود قوة تفوق قدرة الإنسان، ظهر اسم الإله الذي يهرع الجميع لإرضائه أملا في رحمته وعونه!

2- نقد قضية المعارضين

في هذا الفصل يورد الكاتب الرد العام بإيجاز على ما سبق من مذاهب معارضة الدين في مجموعها، ثم فيما يلي من فصول يفنّد الأدلة لكل مذهب على حِدَة. ويقسّم النقد العام لـ: نقد علمي، نقد سيكولوجي، نقد تاريخي.

3- طريقة الاستدلال العلمي

يسوق فيه المؤلف الحجج التفصيلية للرد على مـــزاعم أصحاب المذهب العلمي في نقد قضية الدين. وينتهي سلساله المنطقي في العرض إلى أن "المأخذ على حقائق الدين هو نفس المأخذ الذي يستقي منه العلم الحديث ملاحظاته لكي يثبت نظرية علمية!"، فالعلم لا يؤمن بالغيبية وبما لا يعاين بالحِس، ومع ذلك تجد الفرضيات العلمية في جوهرها تخيلات ذهنية لم تُشاهَد بذاتها وإنما تصوغ شيئًا مشاهدًا . فعندما يجتمع لدى عالم من العلماء قدر مناسب من (الحقائق الملحوظة) فإنه يحس بضرورة وضع نظرية أوفرض علمي. وبعبارة أدق: ضرورة فكرة اعتقادية ووجدانية، تقوم بتفسير الملاحظات وربط بعضها ببعض فإذا نجحت هذه الفكرة الاعتقادية في تفسير الحقائق تفسيرا كاملا عدت حقيقة علمية رغم أنها لم تلاحظ قط كما لوحظت الحقائق الأخرى التي نعرفها بالمشاهدة أو بالملاحظة العلمية.

مثلًا، قانون الجاذبية لا يمكن ملاحظته قطعاً، وكل ما شاهده العلماء لا يمثل في ذاته قانون الجاذبية وإنما هي أشياء أخرى، اضطروا لأجلها-منطقيا- أن يؤمنوا بوجود هذا القانون. ونظرية داروين التي ثقبوا آذاننا بها، هل عاينَها أحدهم أو تتبعها حتى أصلها أو "جرّبها" في معمله؟ الجــواب: لا! ذلك ضرب من المستحيل لأنها تتعلق بماضٍ سحيق لا إمكانية للبرهنة عليه. واستشهد بمقولات علماء يؤمنون بالنظرية على استحالة برهنتها علميًا قائلين "إن نظرية الارتقاء عقيدة أساسية في المذهب العقلي".

4- الطبيعة تشهد بوجود الله

وفيه يتابع المؤلف تفنيد المزاعم المنسوبة للعلم، ويخص نظرية الصدفة وشقيقاتها بالتفنيد. إذ لو كان الكون نشأ عن صدفة ونحن "بزغنا" فوقه بمحض الصدفة والشمس والقمر والكواكب تدور بالصدفة، فما يمنع أن نقوم غدا لنجد أنفسنا على سطح كوكب آخر بالصدفة، أونجد الحياة قد انتهت هكذا فجأة على سطح الأرض؟ إن مثل تلك المزاعم لهي أبعد شيء عن العلم الذي أولى قوانينه أن لكل شيء سببا. وكل من جاؤوا قبل "نيوتن" كانوا يرون سقوط الثمار من على الشجار أمراً عادياً أو"اتفاقيا"، ولو أن "نيوتن" اتبع قولهم لما ظهر قانون الجاذبية، أي أنه رفض مبدأ الصدفة أو الاتفاقية وراء تلك الظاهرة وكان واثقاً أن هناك مسبباً لها، وقس على ذلك.

5- دليل الآخرة

في الفصل الخامس من الكتاب يفصّل المؤلف تفصيلاً يروي ظمأ الباحث عن حقيقة الروح والدار الآخرة، وكيف أنهما موجودتان ثابتتان بالدليل القطعي ولو جحدهما الجاحدون. ثم في ختام الفصل يتكلم عن حاجتنا إليها وأهميتها في حياة حتى المنكرين لها.

6- إثبات الرسالة

وفيه مبحثان: أهمية الرسالات السماوية وضرورة الرسل للبشرية، ثم مقياس الرسالة ومنهجية الحكم على صوابها وتصديق القائل بنبوته.

7- القرآن صوت الله

فـــي هذا الباب يجيب المؤلف عـــن سؤال "ما الخصائص التي تبرهن على أن القرآن مــــــن عند الله؟"، ويسوق العديد من الأدلة، أهمها الكلام على إعجاز القرآن ونبوءاته.

8- الدين ومشكلات الحضارة

ويفرّق المؤلف بين النظم السياسية التي ترتكز على الأخلاق المتعارف عليها (أو الضمير بتعبير اليوم)، أو التي تتواضع على مبادئ من توليف البشر؛ والتشريع الإلهي المحكم، وأثر كل في تطبيقاته.

9- الحياة التي ننشدها

يختم المؤلف الكتاب بالتنبيه على حقيقة كامنة في الكينونة الإنسانية، وهي إحساس البشر بحاجتهم إلى الرب الخالق. فمبدأ: (الله خالقي وأنا عبده) منقوشة في "اللاشعور الإنساني، وهى ميثاق سري مأخوذ على الإنسان منذ يومه الأول. ويسري فى كل خلية من خلايا جسمه ؛ وعندما يفتقد إنسان ما هذا الشعور يحس بفراغ عظيم ؛ وتطالبه روحه من أعماقه أن يبحث عن إلهه الذي لم يره قط، والذى لو وجده لخر راكعا على ركبتيه، ثم ينسى كل شيء ".

مع المؤلف:

مؤلف الكتاب هو الباحث والداعية الهندي "وحيد الدين خان"، مشتغل بعلوم العقيدة، ولد في في مدينة أعظم كَرْه الهند في 1925. انتظم في سلك لجنة التآلف التابعة للجماعة الإسلامية بالهند لسنوات معدودة، ثم رئيس تحرير "الجمعية الأسبوعية" في دلهــــــــي (1967)، ثم استقل عن كافة الهيئات وتفرّغ للتأليف الحر وأصدر مجلة الرسالة الشهرية عام (1976) ونالت حظاً كبيراً من القبــــول. له مؤلفات عديدة عنيت بالمنهجية العلمية والعقلانية في النقاش العقائدي وحجاج الملحدين، ترجم منها للعربية: «الدين في مواجهة العلم»، «تجديد الدين»، «الإسلام والعصر الحديث»، «حكمة الدين»، «الإنسان القرآني». وله مؤلفات غيرها بالإنجليزية ولم تترجم بعد.

بطاقة الكتاب:

العنوان: الإسلام يتحدى (مدخل علمي إلى الإيمان)
المؤلف: وحيد الدين خان.
عدد الصفحات: 264 صفحة.
الناشر: مكتبة الرسالة.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

مفاتح تدبر القرآن والقوة في الحياة

توطئة: يعرض المؤلف في هذا الكتاب لمنهجية التدبر والحفظ التربوي للقرآن الكريم، ويعرّف مفهومه للحفظ …