رجال الدنيا والآخرة

الرئيسية » بصائر الفكر » رجال الدنيا والآخرة
EGYPT-

انتشر مصطلح "رجال الدين" في بلاد المسلمين ليصير مفهوماً لمن يحمل شهادة ورقية من إحدى الجامعات المعنية بتدريس علوم الدين دون غيرها من المعارف، وأصبح حكراً على هؤلاء لدى الأنظمة العربية والإسلامية التحدث في أمور الدين، والقضايا التي تخصه، وأصبحت الدعوة شبه محرمة رسمياً إلا على هؤلاء.

وقد حرص الغرب والمعنيون في بلاد المسلمين بتهميش دور الدين في حياة الناس على ترسيخ تلك المعاني الدخيلة علينا كأمة مأمورة كلها بحمل كلمة الله إلى العالمين، مأمورة بأن يكون كل رجالاتها "رجال دين".

وقد دخل ذلك المصطلح من الكنيسة المقسمة بطبيعتها، والتي تحمل شريعة مزيفة غير قابلة للتطبيق، فصار لها رجال دين، أو رجال كنيسة مغلقة بعيدة عن الحياة، وليس لها شأن بإصلاح ما هو خارج جدرانها، وكل الرجال خارجها يمارسون حياتهم ويشرعون لأنفسهم ويدينون بقوانينهم الخاصة، وكذلك أرادوا للمسلمين الذين اكتمل لهم دينهم ورضي الله لهم الإسلام شرعة ومنهاجاً، واستغل السياسيون هذا المنزلق فأعلنوا أنها "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"؛ ليفسدوا حياة الناس، بينما هي في حقيقة الأمر مجرد تقليد أعمى لما عليه الغرب الكنسي.

دخل مصطلح "رجال الدين" من الكنيسة المقسمة بطبيعتها، والتي تحمل شريعة مزيفة غير قابلة للتطبيق، فصار لها رجال دين، أو رجال كنيسة مغلقة بعيدة عن الحياة، وليس لها شأن بإصلاح ما هو خارج جدرانها

عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ) (متفق عليه واللفظ لمسلم).

الرجال في كتاب الله:

جعل الله عز وجل الرجولة في كتابه العزيز صفات أخلاقية عملية مكتسبة، وليست صفات جسدية موروثة، فالرجولة ليست خشونة الصوت أو ارتفاعه، وليست قوة الجسد، وليست قوة التصارع، وإنما الرجولة هي القوة الروحية والقلبية، والصمود أمام المحن، وتحمل المسؤوليات الجسام، والاستعلاء على الدنايا، والتصدي للمهام التي ترفع من شأن الأمة، الرجولة مروءة وشهامة وغيرة على العرض ودفاع عن كل ما يمس الأرض!

الرجولة ثبات على المبادئ، وفهم دقيق للمستجدات، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود فصعد على شجرةٍ، أمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة فضحكوا من دقة ساقيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتعجبون من دقّة ساقيه! إنّهما أثقل في الميزان من جبل أحد) (رواه أحمد وصححه ابن حبان).

وأول صفة ذكرها الله عز وجل في كتابه للرجال هي الطهارة الظاهرة والباطنة:

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ , فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:108]

وأما الصفة الثانية، فهي الصدق مع الله عز وجل:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عليهِ﴾ [الأحزاب:23].

وتلك أمثلة توضح ما تعنيه كلمة "رجال" في كتاب الله عز وجل بمعنى أن من يفتقد لتلك الصفات فهو ليس برجل، وإنما هو مجرد "ذكر"، يلزمه الفعل الذي حضّ الله تبارك وتعالى عليه ليصير في المفهوم الإسلامي "رجلاً".

كل المسلمين رجال دين!

ومن تلك المعاني التي بيّنها كتاب الله عن معنى "الرجل" في الإسلام، يتضح أن كل مسلم مهما كانت درجة تعليمه أو ثقافته أو عمله هو رجل دين! وهو مسؤول أمام الله عز وجل عن العمل بهذا الدين، والسير به وتطبيقه في الإطار الذي يحتويه.

كل مسلم مهما كانت درجة تعليمه أو ثقافته أو عمله هو رجل دين! وهو مسؤول أمام الله عز وجل عن العمل بهذا الدين، والسير به

فالمعلم المسلم هو رجل دين مسؤول عن تربية نشء المسلمين، يرقى بهم وبأخلاقهم، يغرس بوجدانهم أن تحصيل العلم هو قيمة إسلامية لا يجب التخلي عنها، فدينٌ كانت أول كلمة نزلت في كتابه المقدس "اقرأ" لهو دين جدير بأن يسود ويحكم ويهيمن ويوجّه، ودين يوجّه رسولُه أتباعه بأن: (من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة) (رواه مسلم)، لهو دين الريادة لو كان له أتباع.

والطبيب المسلم هو رجل دين حين يتقي الله في مرضاه، فهو يحسن الاطلاع ليحسن التشخيص، ثم هو يتابع ويتحرى المحتاج، ولا يكتفي بوصف الدواء دون أن يطمئن أن المريض يملك القدرة على شراء الدواء، يتقي الله في توجيه المرضى للمعامل ومراكز الأشعة، دون الحاجة لذلك؛ لمجرد التكسب بنسب متفق عليها مسبقاً.

وعامل النظافة المسلم رجل دين، فهو حين يقوم بتنظيف الطرقات يستحضر أن كل ما يفعله هو لمرضاة ربه، فالإسلام دين النظافة والطهر، وكل أذى يزيله من الطريق يبتغي به صدقة، فهو يتحرك بها وله مبتغياً الأجر من الله أولاً.

وهكذا العامل المسلم، والطالب المسلم، والباحث المسلم، والجندي المسلم، والزوج المسلم، والأب المسلم، والسياسي المسلم، والسفير المسلم، كلهم رجال دين مسؤولون عن العمل والتبليغ؛ كلٌ في مجاله.

الإسلام ليس دين كهنوت يمارس داخل أروقة معابد أو دهاليز مغلقة! الإسلام دين الانفتاح والنور والحرية، ليس فيه وسيط بين المنتمي إليه وبين الله، إنما الجميع إليه منتمون، وبه يعملون، ومعه يتواصلون

لذا فالإسلام ليس دين كهنوت يمارس داخل أروقة معابد أو دهاليز مغلقة! الإسلام دين الانفتاح والنور والحرية، ليس فيه وسيط بين المنتمي إليه وبين الله، إنما الجميع إليه منتمون، وبه يعملون، ومعه يتواصلون، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

هل يجوز أن نقول: فلان شهيد؟ (3)

هل أخطأ الإمام البخاري في قوله: "باب لا يقال فلان شهيد"؟ - الدليل الخامس: ترجم …