ملاحظات مهمة حول الجدل على قضية ستيفن هوكينغ!

الرئيسية » بصائر الفكر » ملاحظات مهمة حول الجدل على قضية ستيفن هوكينغ!
stephen hoking

توفي قبل أيام قليلة عالم الفيزياء المعروف "ستيفن هوكينغ" والذي يسجل له العديد من الإنجازات والإسهامات العلمية التي يشهد لها العالم.

وعلى الرغم من مرضه الذي جعله معاقاً بدنياً، لكنه كان صاحب إرادة وعزيمة، جعلته من أشهر العلماء في هذا الزمن، ناهيك عن بعض مواقفه السياسية التي أكسبته تعاطفاً من الناس، خصوصاً فيما يتعلق بمقاطعة الكيان الصهيوني علمياً، مما يشكل دعماً للفلسطينيين وقضيتهم.

لكن على نحو آخر، أعقب وفاته جدلٌ كبيرٌ حول جواز الترحم عليه، ومصيره يوم القيامة، خصوصاً أنه كان معروفاً بإلحاده وإنكاره لوجود الخالق، وهو كان بمثابة الملهم للملحدين في ذلك، فهو عالم يشار له بالبنان لكنه يرى أنه لا حاجة لوجود خالق، وينحى في ذلك منحىً "علمياً" كحال بعض من ينتسبون للعلم من علماء الغرب.

ربما ترددت كثيراً في الحديث عن هذا الأمر، كون هناك العديد من القضايا والنوازل، والتي هي أهم من "هوكينغ" وأمثاله، فما يجري في الغوطة من حرب إبادة تقشعر لها الأبدان، ومعالم الصفقة التي تريد منا أن نتنازل عن القدس وفلسطين للكيان الصهيوني، هما وربي أهم وأخطر ، وهما يستحقان أن نبذل لهما جهودنا ونحشد لهما رأي الناس، بحيث نعرفهم بهما، ونقدم ما يمكن تقديمه في سبيل تلك القضيتين وغيرهما.

لكن ولأن الجدل طال وتشعب، والآراء تنوعت فيها حتى وصلت إلى حد المبالغة، وإنكار القطعيات، فلا بد من وضع بعض الملاحظات حول هذا الأمر، بحيث لا نحتكم للعاطفة، ولا نبخس الناس أشياءهم وما قدموه من فوائد للبشرية.

أولاً: إن البشرية خسرت بلا شك عالماً فذاً له إنجازات قيّمة، يعرفها أهل مجاله جيداً، كما أن العلم ليس مرتبطاً بدين أو قومية، فهو نافع للجميع، وكل من يقدم شيئاً مفيداً فهو محل إشادة وتقدير، ولا يمكن للبشرية أن تنهض وتتطور إلا بالتعاون والاستفادة من جهود الآخرين، مسلمهم وكافرهم، وإن كان ديننا يحثنا على بذل الجهد في التطور والمعرفة، كيف ولا وأول كلمة نزلت من القرآن كانت "اقرأ"، كما أن القرآن مليء بالآيات التي تدعوا إلى التفكر والتعقل والتفقه والتدبر وغيرها.

العلم ليس مرتبطاً بدين أو قومية، فهو نافع للجميع، وكل من يقدم شيئاً مفيداً فهو محل إشادة وتقدير، ولا يمكن للبشرية أن تنهض وتتطور إلا بالتعاون والاستفادة من جهود الآخرين، مسلمهم وكافرهم

ثانياً: إن "هوكيننغ" كإنسان يمثل نموذجاً في الإرادة والتحدي وعدم الاستسلام ، فهو رغم مرضه وإعاقته لم يرض أن ينضم إلى قائمة المرضى والمعاقين، وإنما أصر على الكفاح وبذل الجهد للوصول إلى أعلى المراتب العلمية، ليبرهن على أن إرادة الإنسان لا حدود لها، وأنها قادرة على الانتصار على المرض وأية إعاقة، وفي هذا درس للأصحاء الذين يضيعون أوقاتهم، ويستسلمون عند أول عقبة تواجههم، أن لا يعرفوا لليأس طريقاً، وأن يتحلوا بالعزيمة والإصرار والإيمان بالقدرات والطاقات، فبهما يستطيع الإنسان تحقيق ما يريد إن أحسن التخطيط وحدد ما يرجوه ويبغيه.

ثالثاً: لا ينكر أحد أن "هوكينغ" كان ملحداً ينكر وجود الله، ويرى أن الطبيعة وقوانينها فقد خلقت نفسها بنفسها، وهو يسير على نفس المنحى الذي يسير عليه الكثير من الملحدين في تفسير الأشياء، فهم يرون أن الإيمان وما تدعوا إليه الأديان من غيبيات وعلى رأسها الإيمان بالله لا يمكن التسليم بها؛ لأنها لا تقبل الإثبات، والمنهج التجريبي الذي يؤمنون به يقوم على إثبات الدليل للإيمان به، وخضوعه للتجربة والاختبار لإثبات الوجود والتأثير. ولست هنا بصدد الرد على هذه الأدلة، لكنها بالمجمل هي تلك التي تجمع هوكينغ وغيره، وبلا شك أنها كفر بواح صريح لا تقبل التأويل.

رابعاً: هناك فرق واضح بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فليس بالضرورة أن يكون المرء العالم، أو صاحب اليد الطولى في الخير ومساعدة الناس من أهل الجنة . وهذا الأمر لا نفتري فيه على الناس، بل هو مما أخبرنا الله عز وجل به، فنصوص القرآن واضحة وصريحة لا تحتمل تفسيراً آخر، كقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران:85]، وفي هذا الصدد يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار». (رواه مسلم). وفي حديث آخر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقال: "ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد". (رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم).

وقد يقول البعض أن (هوكينغ) قد لا يكون قد فهم الإسلام بصورته الصحيحة، فأجيبهم، قد أتفق معكم في ذلك -نوعاً ما-، لكن ماذا عن الله؟ هل يحتاج إثبات وجوده إلى صورة صحيحة عنه أيضاً؟

خامساً: رغم احترامي لذلك العالم وجهوده وإسهاماته وبعض مواقفه، إلا أنني لا أتردد في وصفه بأنه كافر بالله، ليس تجنياً عليه، بل وفق تصريحه هو، وليس من المنطق أن أتغاضى عن هذا. فاحترام العالم وجهوده شيء، ووضعه في المنزلة التي يستحق من الناحية العقدية شيء آخر. ولا يجوز الخلط بين الأمرين، فالاستفادة من اكتشافاته واختراعاته واجب، لكن التصريح بكفره وعدم إيمانه وأنه من أهل النار شيء آخر.

احترام العالم وجهوده شيء، ووضعه في المنزلة التي يستحق من الناحية العقدية شيء آخر. ولا يجوز الخلط بين الأمرين

سادساً: بناء على ما سبق، قد يعترض علي البعض بالقول: ما الذي أدراك أنه في النار؟ هل اطلعت على مصيره؟ وهل أنت لديك القرار لتدخل فلاناً النار أم الجنة؟ طبعاً أعوذ بالله أن أتأول على الله ما ليس لي به علم، بل ما أقوله هو ما صرّح به الله في قرآنه، ونبيه في سنته، والله عز وجل لم يذكر ذلك عبثاً، وإنما أكد على ذلك بأكثر من أسلوب، وحاشا لله أن يذكر ذلك عبثاً وهو المنزه عن العبث والنقص، بل القول بهذا يفتح باب التشكيك بكل ما أخبر الله به، وهو كفر بواح بلا شك .

إننا في النهاية نحتكم إلى ظواهر الناس، فنشهد لهذا أنه من أهل الإيمان، ونسأل الله له الجنة، لكننا لا نجزم بدخوله إياها لعدم معرفتنا بإخلاصه ونيته، وأعماله الخفية وبواطن أمور حياته، أما أهل الكفر، أولئك الذين يجاهرون بإلحادهم وشركهم، فما الذي يخفونه حتى نتأول لهم ونشكك بمصيرهم يوم القيامة؟

سابعاً: مشكلة البعض أنهم يرفعون مقام بعض الأشخاص حتى ينكروا النصوص في سبيل تحقيق ذلك، وما أولئك إلا أصحاب العواطف الذين أعمتهم عواطفهم عن فهم ما قرره الله ورسوله، ومن المنطلقات التي ينطلقون منها أن (هوكينغ) كان مفيداً للبشرية، وهو أكثر نفعاً من أولئك المؤمنين "الكسالى" فهل يعقل أن يذهب هذا العالم إلى النار، بينما الآخرون يذهبون إلى الجنة؟

مشكلة البعض أنهم يرفعون مقام بعض الأشخاص حتى ينكروا النصوص في سبيل تحقيق ذلك، وما أولئك إلا أصحاب العواطف الذين أعمتهم عواطفهم عن فهم ما قرره الله ورسوله

وهذا السؤال غير منطقي، إذ دخول الجنة ليس كدخول تخصص معين في جامعة، وإنما دخول الجنة يعتمد على منهج حياة يجمع بين الإيمان والعمل، بكل ما يدخل فيهما من أمور وما يتفرع عنهما من مسائل وجزئيات.

وإن العمل وخدمة الناس، حتى لو كانوا مسلمين، لا يعني بالضرورة أن صاحبه من أهل الجنة ، ولنا أن نتساءل، أيهما خدم الإسلام أكثر وساعد النبي صلى الله عليه وسلم، "أبو طالب" عم النبي صلى الله عليه وسلم، أم "سمية" وزوجها "ياسر" اللذان استشهدا في بداية الدعوة، فكان أبو طالب الذي حمى النبي ودافع عنه في النار لكفره، بينما "سمية وزوجها في الجنة لإيمانهما بالله وثباتهما على دعوته، وموتهما في سبيله، رغم أنهما لم يقدما مثل ما قدمه أبو طالب!

يقول الله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} [السجدة:18] ويقول أيضاً: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين* ما لكم كيف تحكمون} [القلم:35-36].

ثامناً: هل يجوز الترحم على الميت الكافر؟ وهل حكم الترحم كالاستغفار؟

من المعلوم أن الاستغفار للميت الكافر حرام بإجماع العلماء  يقول تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة:113]، بل قال بعض أهل العلم: إن الاستغفار للكافر يقتضي كفر من فعله؛ لأن فيه تكذيباً للنصوص الواردة التي تدل على أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، وأن من مات على كفره فهو من أهل النار.

أما الترحم فإن له صلة بالاستغفار ويدخل في حكمه، لأنه دعاء للميت، كما أن الله صرّح بأنهم لا يدخلون في رحمته، قال عز وجل: {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي} [العنكبوت:23]. فكيف نترحم على من صرّح الله عنهم بأنهم يئسوا من رحمته!!

الترحم له صلة بالاستغفار، لأنه دعاء للميت، كما أن الله صرّح بأنهم لا يدخلون في رحمته، فكيف نترحم على من صرّح الله عنهم بأنهم يئسوا من رحمته!!

ختاماً.. إن من سلامة المنهج والاعتقاد، أن نعود إلى القرآن والسنة في الحكم على الأشياء قبل الاجتهاد فيها، إذ لا اجتهاد في مورد النص، وإن الله عز وجل لم يذكر آياته في القرآن عبثاً، لهذا فالإيمان بها واجب، واليقين بحدوثها أمر يندرج ضمن عقيدتنا وأصول ديننا.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نراجع أنفسنا وحساباتنا، أين نحن من منهج الله؟ وكيف علاقتنا معه؟ ولو أماتنا الله اليوم فهل نستحق دخول جنته أم لا؟ 

اللهم اغفر لنا وسدد خطانا وارحمنا وارحم موتانا إنك سميع مجيب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفقه وأصوله، متخصص في موضوع السياسة الشرعية.

شاهد أيضاً

بندقية المقاومة.. إرث أجيال فلسطين

أثبتت السنوات الخمس الأخيرة، أن المقاومة والنضال للتحرير مكون أساسي في النسيج الفلسطيني، يرضعه الأطفال …