وثيقة المدينة… دراسات في التأصيل الدستوري للإسلام

الرئيسية » كتاب ومؤلف » وثيقة المدينة… دراسات في التأصيل الدستوري للإسلام
غلاف كتاب وثيقة المدينة - أمامي

من بين أبرز القضايا التي يثيرها خصوم المشروع الحضاري الإسلامي فيما يتعلق بقضية الإسلام وقدرته على إقامة نظام حكم يتماشى مع متطلبات العصر واعتبارات مستجدات الحياة الإنسانية وتعقُّد صور المجتمعات البشرية، هي قضية المواطنة وإقامة حكم دستوري يلتزم بما يُعرف في عصرنا الحالي بقواعد الحكم الرشيد.

وفي ظل الكثير من التشويش الدائر في هذه المرحلة، سواء بفعل جهود إعلامية كبيرة تبذلها مراكز وأوساط معادية للمشروع الإسلامي في الغرب وعالمنا العربي، أو بفعل أخطاء وقعت فيها بعض الحركات المنسوبة إلى المشروع الإسلامي، فإن هناك الكثير من الأصول الشرعية التي اختفت عن الصورة، برغم من أهميتها البالغة في التأكيد على جدارة الإسلام أكثر من غيره بإقامة نظام حكم متين يراعي مختلف الاعتبارات، بما فيها اعتبارات المواطنة وفق مفاهيم العصر الحديث.

في هذا الإطار، قام مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بالتعاون مع مركز دراسات الكوفة، بتكليف عدد من الباحثين والمفكرين العرب بإعداد عدد من الدراسات حول "وثيقة المدينة"، التي أعدّها الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعد هجرته إلى المدينة المنورة مباشرة، من أجل تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية في الدولة الوليدة.

وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الخطوة كانت من الأهمية بمكان لأكثر من سبب، أبرزها: هو الحالة غير الواضحة التي كانت عليها القواعد الاجتماعية والقوى السياسية التي كانت تسود هناك، من خارج طائفة الأنصار التي تعهدت بحماية ونُصرة النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجماعة المهاجرين، مثل: اليهود، والأعراب من حول المدينة، والعرب المشركين، وغيرها من الفئات التي كان مجتمع المدينة يضمُّها.

الكتاب تضمَّن عشرة دراسات تناولت مختلف القضايا التي تتعلق بوثيقة المدينة، مثل علاقة الحاكم والمحكوم في نظام الحكم الإسلامي، من خلال بنود الوثيقة، والكيفية التي يتعامل بها نظام الحكم الإسلامي مع الأقليات الدينية الأخرى، وفق نموذج اليهود أو ما قالت عنه دراسة "زينب فاضل محمد": نموذج "المعاهدة والموادعة".

ولقد تم تقديم هذه الدراسات في مؤتمر عقده المركزان في بيروت في العام (2014م)، من أجل مناقشة "وثيقة المدينة"، كأساس شرعي بالمعنى العلمي للأصل الشرعي للتجربة الحضارية المعاصرة في بناء دولة مدنية على أساس إسلامي، أو ذات مرجعية إسلامية في عالم اليوم.

ومن بين أبرز الأمور المهمة التي أثبتتها الدراسات التي تضمنها الكتاب، كيف أن نظام الحكم الإسلامي –وفق التجربة النقية التي تمثِّلها دولة النبوة في المدينة المنورة– قد عرف الكثير من الأمور التي لا تزال الدول القومية المعاصرة بنظمها السياسية الحديثة تجاهد؛ لكي تصل إليها، مثل "التعايش السلمي"، و"العدالة الانتقالية" التي تجسَّدت في نموذج المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

من بين أبرز الأمور المهمة التي أثبتتها الدراسات التي تضمنها الكتاب، كيف أن نظام الحكم الإسلامي قد عرف الكثير من الأمور التي لا تزال الدول القومية المعاصرة بنظمها السياسية الحديثة تجاهد؛ لكي تصل إليها، مثل "التعايش السلمي"، و"العدالة الانتقالية"

كما تضمَّن الكتاب دراستَيْن مهمتين لتدعيم الاتجاه العام للمحتوى الذي يقدمه، وهو إيجابية التجربة وشموليتها، من خلال شهادات مستشرقين من غير المسلمين، ومن بين هاتين الدراستَيْن، دراسة بقلم "جواد كاظم" و"شهيد كريم الكعبي"، تضمّنت رؤية الأكاديمي والمستشرق البريطاني "ويليام مونتجمري وات"، الذي كان يعمل أستاذًا للغة العربية والدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي بجامعة "إدنبرة" في العاصمة الأسكتلندية.

دراسة "كاظم" و"الكعبي" قدمت قراءة في كتب "وات" التي تضمّنت التجربة النبوية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومن أهمها كتاب "محمد في مكة"، وصدر عام (1953م)، وكتاب "محمد في المدينة"، وصدر عام (1956م)، وفيهما قدّم "وات" نظرة شاملة على تجربة الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كرجل دعوة وتربية، وكرجل سياسة وحكم، كان على أكبر قدر من الرشادة في قرارات الحرب والسلم.

ومن بين أهم الأهداف التي حاولت الدراسات التي تضمّنها الكتاب تحقيقها، هو فكّ الاشتباك حول مشكلة اعتبرها عبد الأمير زاهد في دراسته كذلك التي تضمنها الكتاب، وكانت عن المفاهيم الحضارية، وأسس الدولة المدنية في وثيقة المدينة، اعتبرها بمثابة المشكلة الأساسية للعالم الإسلامي المعاصر، وهي مشكلة نوع الدولة، ونوع علاقتها بالناس على إقليمها ومدى تمتعهم بحقوقهم.

ويمكن تقسيم الدراسات التي تضمنها الكتاب إلى عدد من الروافد الأساسية، الرافد الأول، هو الرافد التاريخي مع امتداد لما يتعلق بعلم الجرح والتعديل والحديث الشريف بشكل عام، من أجل تأكيد نص "وثيقة المدينة"، والحدث التاريخي ذاته.

القسم الثاني من الدراسات، تعلق بالجانب السياسي السابق المشار إليه، الذي يخص قضايا المواطنة والتعايش السلمي والعدالة الانتقالية كأحد مناهج حل النزاعات، وما اتصل بشكل الدولة وعلاقتها بالمواطن، بالإضافة إلى قضايا الدستور والحريات العامة وإدارة التعدديات الدينية.

أما القسم الثالث، فإنه جاء في الإطار الفقهي لتحديد مسألة إلزامية "وثيقة المدينة" كأصل شرعي للتعامل به، وكونه واجبًا في سياق اعتباره جزءًا من السُّنَّة النبوية.

كما كان هناك اهتمام بالجانب القانوني المتعلق بالقواعد الجنائية، والقواعد الإدارية القانونية والدستورية للتعامل داخل الدولة الإسلامية.

وخلص المشاركون في الكتاب إلى أن التجربة التأسيسية للدولة في الإسلام قامت على أساس أن التعاقد الاجتماعي هو أساس بناء المجتمع المدني، وأن العقد الاجتماعي تَمثَّل بالدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات للأفراد والسلطات.

خلص المشاركون في الكتاب إلى أن التجربة التأسيسية للدولة في الإسلام قامت على أساس أن التعاقد الاجتماعي هو أساس بناء المجتمع المدني، وأن العقد الاجتماعي تَمثَّل بالدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات للأفراد والسلطات

كما دعت الدراسات في مجملها العام إلى توزيع مسؤوليات البناء والدفاع على أعضاء المجتمع السياسي بصرف النظر عن دياناتهم ومعتقداتهم.

وبالتالي، فقد أوصى المشاركون إلى ضرورة تعميق ثقافة العيش المشترك وثقافته من خلال نصوص الوثيقة وما يناظرها من نصوص نبوية، والاستفادة من مختلف الأصول الشرعية المماثلة، في بناء علاقات خارجية جيدة مع الجوار.

ولعل أهم ما جاء في الكتاب ويمكن أن يكون ذا طابع جدلي، هو مسألة أن الوثيقة حددت حدود إقليم الدولة؛ لكي يكون هو النطاق القانوني للسيادة الوطنية للدولة، وهو –أي النطاق القانوني– الذي يؤسس لشرعية السلطة والاعتراف المجتمعي بها اختياريًّا، حيث إن هناك مدارس أخرى في الفقه والفكر الإسلاميَّيْن ترى أن هناك قواعد أخرى غير القاعدة القانونية هي التي تحدد نطاق سيادة الدولة الإسلامية، بل وشكلها وحدودها بالمفهوم الجيوسياسي وفق مفردات العصر الحديث.

وفي النهاية، وكما أوصى الكتاب، فإنه نتيجة للكثير من الأمور الجدلية التي تضمنتها هذه الدراسات، مثل النقطة المشار إليها، تفرض إجراء المزيد من الدراسات المُعمَّقة حول وثيقة المدينة من أجل تحديد أكثر دقة لكل المفاهيم الإشكالية التي تواجه مشروع إقامة دولة إسلامية في زمننا المعاصر.

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: خلف، عبد الجبار زين العابدين، وعبد الأمير كاظم زاهد، وآخرون.
تقديم وإعداد: عبد الأمير زاهد.
اسم الكتاب: وثيقة المدينة... دراسات في التأصيل الدستوري للإسلام.
مكان النشر: بيروت.
الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.
تاريخ النشر: 2014م
الطبعة: الأولى.
عدد الصفحات: (252) صفحة من القطع الوسط.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أنا

لم يكن العقّاد الكاتب الوحيد الذي كتب قصة حياته، ولكنه كان لا شك الوحيد على …