ركن الفهم بين الاعتقاد الداخلي والصراع الخارجي

الرئيسية » بصائر الفكر » ركن الفهم بين الاعتقاد الداخلي والصراع الخارجي
شباب-الإخوان-وفكر-المواجهة-الأسباب-والمآلات

في دعوة أثارت الكثير من الجدل بين مؤيد ومعارض، ومحبٍ ومعادٍ، حدَّد "حسن البنا" -مؤسس حركة الإخوان المسلمين رحمه الله- أركان البيعة العشرة، والتي يكون لزاماً على المنتمين إليها أن يبايعوا بها؛ لتصير عضويتهم بالجماعة مفعّلة، وتميّزت الجماعة كتنظيم إسلامي مجدّد في العصر الحديث بالركن الأول فيها عن باقي التنظيمات الإسلامية الموجودة على الساحة، سواء سبقت تلك التنظيمات وجود الإخوان المسلمين ككيان أو تأخرت عنه، وحتى اليوم لم يوجد تنظيم معروف استطاع أن يوازي تلك الفكرة بفكرة مماثلة وبنفس الحجم، تحمل مثل هذا الركن، والذي في ترتيبه يحمل الرقم واحد، والمسمى بركن "الفهم".

وهذا الركن إلى جانب بعض الأركان الأخرى: كالطاعة، والثقة، اضطرّ علماء الجماعة ومحبيها لتقديم كثير من الشروح، وذلك لعدم وضوح الفكرة بمجرد قراءة نص الركن كنص مجرّد، خاصةً أنه في الوقت الذي نشأت فيها الجماعة في العام (1928) بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية، وفي فترة اتسمت بالظلام والانغلاق الفكري، بل كانت من أكثر فترات الركود والتجديد الإسلامي، لدرجة انحسار الفكرة الإسلامية في مجموعة عبادات وطقوس تؤدّى في المسجد، ولا تكاد تخرج من بين جدارنه، وقد تناولت الشروح لذلك الأصل بذكر متنه، ثم التأصيل الشرعي له، فعواقب عدم الأخذ بالأصل على الجماعة والمجتمع، فالنتائج المترتبة على العمل به كتكليف فكري وعملي لأفراد الصف.

فكرة الشمول الإسلامي واستدعاء الحرب على التنظيم:

في تلك الأجواء، خرج "البنا" على الأمة بمفهوم جديد للدين، مفهوم يخرج به من ضيق الاختلاف إلى سعة الاجتهاد، ومن سطحية الصوفية وممارساتها الشائهة لعمق معانيها وطهارة مآلاتها، ومن بوتقة اللاهوتية إلى رحابة الساحة العملية يقول فيه:
"وأريد بالفهم أن توقن أن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود هذه الأصول العشرين والموجزة كل الإيجاز".

و"البنا" بتلك الألفاظ الدقيقة التي اختارها لتوصيف الأصول العشرين التي يتكون منها "الفهم" ككلمة "كل الإيجاز"، لم يختصر الإسلام فيها وحدها، وترك المجال مفتوحاً لكل مجتهد، ولم يدّعي أنه وحده صاحب الفكرة الصحيحة دون غيره، بدليل ما ذكره هو في الأصل السادس والذي يقول فيه: "وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنّا لا نعرض للأشخاص -فيما اختلف فيه- بطعن أو تجريح، ونَكِلُهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا".

لم يختصر البنا الإسلام في الجماعة وحدها، بل ترك المجال مفتوحاً لكل مجتهد، ولم يدّعي أنه وحده صاحب الفكرة الصحيحة دون غيره

فهو بذلك الأصل قد نفى عن نفسه وجماعته الاستئثار بالفكرة الصحيحة، بل نجده قد "أمر" أفراد جماعته بعدم التعرُّض لأشخاص لمجرد الاختلاف، ويترك الناس لنياتهم، وقسمت الأصول في شروحها لعدد من العناوين، فهناك ثمانية أصول في فهم العقيدة، ثم أربعة أصول في فهم أصول الفقه، ثم خمسة أصول في فهم الفقه، ثم ثلاثة أصول عامة.

وقد اخترت في خضم حديثي في ركن الفهم -الأصل الأول، والذي هو من أصول العقيدة، للحديث عنه ببعض التفصيل لعدة أسباب منها:

-أنه الأصل الذي تمايزت به الجماعة عن غيرها من الحركات الإسلامية في فترة النشأة.

-أنها كتنظيم أول من جدّد الاعتقاد بشمولية الإسلام.

-أنه كان مدعاة الحروب المتوالية من الحكومات والأنظمة العربية والاستعمار الخارجي على الجماعة، وملاحقة أفرادها.

يقول "البنا" في الأصل الأول:
" الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها:
فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة،
وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة،
وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء،
وهو مادة وثروة أو كسب وغنى،
وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة،
كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".

يقول الأستاذ" جمعة أمين" في مستهل شرح هذا الأصل أنه يعالج:
1-ربانية المصدر.
2-شمول المنهج.
3-عمومية الرسالة.
4-عالمية الدعوة.
5-أخلاقية الوسيلة والغاية، وخصائص الدعوة الإسلامية بوجه عام.

ومن هذه المعالجات نخلص إلى أن:

-مصدر الرسالة هو الله عز وجل.

-المنهج لم يترك صغيرة وكبيرة تخصّ حياة الإنسان إلا وقد عالجها.

-أن الرسالة عامة لكل زمان ومكان.

-أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فالغايات الكبرى يلزمها وسائل كبرى لا تقل عنها أخلاقية.

التصنيف الذاتي للجماعة:

والفهم الشمولي للإسلام الذي اعتقدته الجماعة يقيناً، وانتهجته سبيلاً، جعل من الصعب تصنيفها بشكل جزئي، فعلى سبيل المثال: لا يمكن حصرها في دائرة الدعوة، وكذلك لا يمكن حصرها في دائرة السياسة، وقد وصفها مؤسسها بأنها:

(1) دعوة سلفية: فهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.

(2) وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل مناحي الحياة، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

(3) وحقيقة صوفية: فهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والحب في الله، والارتباط على الخير.

(4) وهيئة سياسية: فهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة، والحرص على قوميته إلى أبعد حد.

(5) وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لِجَسَدِكَ عليك حقاً)،(رواه البخاري ومسلم).

(6) ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولأن أندية الإخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف، ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح، وحين يذكر "البنا" الثقافة بعد العلم، فكأنه يريد أن يعمّم العملية التعليمية التلقينية، بحيث تتحول إلى ثقافة عامة بالمجتمع، فالعلم في المجتمع المسلم ليس جزئياً يخصُّ مجموعة دون غيرها، وإنما هو ثقافة مجتمعية تحرّك الجميع نحو هدف البناء الإسلامي الشامل الذي يحرك الحياة جميعها.

(7) وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال و كسبه من وجهه وهو الذي يقوله النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (رواه أحمد وابن حبان)، ويقول: (من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له)(رواه الطبراني)، وقوله: (إن الله يحب المؤمن المحترف)( رواه الطبراني).

(8) وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها، وشفاء الأمة منها.

هل الفكرة قابلة للتطبيق:

وفكرة الشمول تلك هي التي حركت عداء القوى الاستعمارية والتبشيرية ضد جماعة الإخوان المسلمين كفكرة، فحين سقطت الخلافة في وقت كان الدين فيه مجرد طقوس تؤدَّى في المساجد، خرج "البنا" على العالم؛ ليعلن شمولية الإسلام، الإسلام الذي يُعنى بكل تفاصيل حياة الإنسان فينظمها ويهذبها، الإسلام العزيز الذي يأبى الخضوع للاستعمار، ويساوي بين الفقير والغني والأبيض والأسود، ويلغي الطبقات، ويُعرِّف الناس حقوقها، ويأبى أن يحني صاحبه رأسه إلا لخالقه.

فكرة الشمول تلك هي التي حركت عداء القوى الاستعمارية والتبشيرية ضد جماعة الإخوان المسلمين كفكرة

الإسلام الذي يحفظ كرامة المرأة ويحررها ويضعها في مكانة تساوي شقيقها الرجل، الإسلام الذي يرفع من شأن النظافة والنظام والمال، فنحن لسنا أمة فقيرة، ولسنا أمة جاهلة، ولسنا أمة فوضوية، نحن أمة عزيزة بهذا الدين، تملك زمام أمرها، بل للمسلم الهيمنة على الدين كله إن صلح إسلامه، وفي هذا السياق يصحّح "البنا" المفاهيم الموروثة فيقول:

"نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة ووطن، وجنسية ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بهذا كله، ويعتبره من لبِّ الإسلام، ومن صميمه، ويوصي بالإحسان فيه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[القصص، آية:77].

ولم يسلم ذلك الأصل من الانتقادات اللاذعة من مناهضي التنظيم على قلتهم، وما زالت الجماعة تخوض ذلك الصراع وتعاني تبعاته في حالة من الإقدام والإحجام، غير أنها نجحت في تغيير مفاهيم عدة على المستوى العالمي بقدرتها على نشر أفكارها، كذلك انتشار التنظيم في عشرات الدول الإسلامية وغير الإسلامية رغم عدم قدرتها حتى اليوم في صياغته وتطبيقه عملياً في دولة تطبق الفكرة كاملة، ربما لعدة أسباب أقلُّها تضافر القوى العالمية على تحجيم أفكارها، وتطويقها، وحصرها في نظرية مجردة غير قابلة للتطبيق، فهل ينجح الإخوان بعد تسعين عاماً من بداية نشأتهم على كسر هذا الحصار في دولة ما، رغم انقسامهم على أنفسهم في سابقة لم تحدث من قبل؟ هذا ما ننتظر.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

بين مشهدَيْن.. كيف بدت فلسطين عشية ذكرى النكبة السبعين؟!

كان اليوم الرابع عشر من مايو من العام (2018م)، من أهم الأيام في تاريخ القضية …