رمضان وفرصة تصحيح المسار

الرئيسية » بصائر تربوية » رمضان وفرصة تصحيح المسار
ramadan-people30

لعلّ من نعم الله على عباده جميعاً -عصاةً كانوا أو طائعين- أن يمدهم بنفحات في أيام أعمارهم في الحياة الدنيا، فكما ورد: (إن في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها) (رواه الطبراني).

ويقيناً خطاب الأمر بالتعرّض لهذه الأيام وتلك النفحات، ليس من قبيل الصدفة، وطبعاً ليس فراغاً، لكنه في حقيقة الأمر نداء رباني واضح؛ لتصحيح مسار أي اعوجاج لكل شخص بعيد عن ربه، وغير مستقيم على مراد الله، وأيضاً لكل شخص طائع لربه أن يستزيد من الاستقامة والثبات على مراد الله ورسوله -ويقيناً في كل خير-، فالعودة لله شيء مفرح، وتمام الطاعات من حسن فهم الفرد في الحياة الدنيا.

ورحم الله رجلاً كان كثير الصيام والقيام وقراءة القرآن رغم أنه من أصحاب الأعذار، فترفق به ولده وقال: "يا أبي حنانيك بنفسك"، فرد عليه الرجل بفطرته الطيبة: "يا ولدي إنّي لأُتعِب جسدي في الدنيا حتى ارتاح يوم القيامة"!.

فما أعظمها من فطرة نقية على مراد الله، تكوّنت عبر الطاعات المتتالية في شهر رمضان، وعبر العمر والزمان، واستقامة للمسار الذي يحبه الله ورسوله الأكرم صلى الله وعليه وسلم.

إن المرء مطالب بالدعاء لربه أن يستقيم في حياته وفق مراد ربه، فلا يُحدث في الدين أو يبدع في اتباع الباطل عبر البدع والخزعبلات، وكذلك أيضاً لا يحيد عن طريق الحق بدعوى الخوف أو ضيق الأفق، فالحق واضح ولا غمام فيه أو حوله.

إن المرء مطالب بالدعاء لربه أن يستقيم في حياته وفق مراد ربه، فلا يُحدث في الدين أو يبدع في اتباع الباطل عبر البدع والخزعبلات، وكذلك أيضاً لا يحيد عن طريق الحق بدعوى الخوف أو ضيق الأفق، فالحق واضح ولا غمام فيه أو حوله

وكذلك فإن الجميع مطالبون أيضاً بتصحيح مسارهم، وجعل رمضان فرصة ذهبية لذلك، وقمة التصحيح هو التجدّد والتحديث والتطوير، فإذا كان الفرد ركناً أساسياً في إصلاح المنظومة الأخلاقية، فإن الشعوب والمجتمعات هي تجمع للأفراد، وبالتبعية فإن الحركات والدعوات هي تجمعات بشرية تصيب وتخطئ، لذلك على الجميع تصحيح مساره وفق طاعة الله، والسعي لنبذ الخلافات، وطيّ صفحات التراشق والتنازع، وإعلاء قيم الإخاء والتجرد الصادق، والبيعة الربانية لله ورسوله، بعيداً عن آثار التعصب والعقم الفكري الذي يؤخر ويعطل ويهدم.

ولذلك فان عوامل تصحيح مسار الفرد في رمضان -ابتداء- كثيرة أهمها:

أولاً- صدق النية:

فالمرء يقيناً مصيره وعمله يبدأ بنيته: (فإنما الأعمال بالنيات)، وهذا الحديث يحمل في طياته مسار الفرد ومسيرته في حياته حتى يلقى ربه، فإن كانت النية ملوّثة وظاهر العمل طيباً فهو في ورطة؛ لأن النفوس لا زالت بها دخن، وعليه فإن الأجر يكون ضعيفاً أو غير مقبول، فكم من عمل صغير تعظمه النية، وكم من عمل كبير تحقره النية!

ثانياً- الأجواء الرمضانية:

إن الجو في حدّ ذاته يحدد مسار الفرد، فلو انتشرت الدعوات والصلوات والمظاهر الصالحة، فإنها حتماً ستبعث على فعل الصالحات والعمل السليم.

وكذلك لو أصبح المحيط يدعو للمعاصي والمجون، فإنه سيثبت في العقل التطلُّع للمعصية والسعي لها، مع التذكير بأن المرء يسعى في دنياه، إما أن يتخبطه الشيطان ويستدركه لمسيره، أو يقع ويقوم وينشط ويصيب ويخطأ، ثم يستقيم على مراد الله.

وكلنا هذا الرجل، لذلك فالمرء الصادق في تصحيح مساره القلبي في رمضان عليه أن يتمسّك بأجواء رمضان؛ سعياً في تثبيت بوصلة العقل وفق مراد الله عزّ وجلّ.

ثالثاً- الجليس الصالح:

إن الجليس الصالح في الحياة -عموماً- من عوامل الرضا الإلهي على الفرد، فالله عز وجل إذا أحب عبداً رزقه بصحبة تعينه على أمر دينه ودنياه، والعكس بالعكس، فالصاحب والرفيق هو من يحدد أحياناً مصير حياة صحبه دنيا وآخرة، والقرآن الكريم أخبرنا بقصة "عقبة بن معيط" مع "عمرو بن هشام"، وكيف كان تأثير "أبو جهل" على "عقبة" حتى نقله من مظلّة الإيمان الناشئ في قلبه إلى مهلكة الكفر، فقال ربنا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿27﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿28﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} [سورة الفرقان].

رابعاً- المحضن التربوي:

والمعنى واضح، فلكل منّا محاضن تربوية متعددة، فالبيت هو المحضن التربوي الأول، ثم المدرسة، والكليات، كلها محاضن علمية وعقلية تؤثر في الفرد وتحدد مسار أفكاره وعقله، فإما أن يستقيم على قواعد وفطرة المحضن الأول -وهو البيت- ويستقي من تربية والديه له سعادة واستقراراً نفسياً وقلبياً -أو تهوى به رياح العولمة والأفكار في مستنقع سحيق من التردي الفكري والعقلي، بفعل تشوّه المحاضن الأخرى، وآثارها الخبيثة على قلبه وعقله، ودورهم في اعوجاج مساره عن مراد الله ومراد رسوله.

ختاماً:

رمضان فرصة ذهبية لاستقامة العقل والقلب وسمو الروح على شروط الله وأوامر نبيه الأكرم، لكن الداء والخطر في اتباع الهوى، والسعي خلف حظوظ النفس الأمارة بالسوء، عندها لن يستقيم الفرد، وسيعاني في دنياه وآخرته، وستنهار القيم المجتمعية وتندثر الحركات والدعوات، ويصبح الجميع من الماضي رغماً عنه.

فاللهم أيقظ قلوبنا، وصحّح مسارنا وفق طاعتك وسنة نبيك، وحسن الفهم لدعوتك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

إلى الباحثين عن السَّكينة.. السَّكينة ها هنا

إن من أعظم النِّعم التي يُنعم الله تعالى بها على العبد هي أن يرزقه السَّكينة، …