لماذا نضعف عند التنفيذ وننتكس عن الاستمرار؟!

الرئيسية » خواطر تربوية » لماذا نضعف عند التنفيذ وننتكس عن الاستمرار؟!
Man writing on paper with pen

لماذا تضعف همّتنا عند التنفيذ، أو ننتكس عن الاستمرار حتى بعد اتضاح المنهجية ووضع الخطة وتمام المعرفة؟!

هذا السؤال الذي ننتهي له -دائمًا- بعد إنهاء أي دورة أو ندوة أو كتاب يوضّح لنا ما كان خافيًا علينا، ويجلو غوامض السعي في الحياة التي كنا متوقفين عن السعي بسببها، فإذا اتّضح الخفي وانجلى الغامض، وجدنا أننا ما زلنا واقفين جامدين، لكنّ شقاءنا تضاعف؛ لأننا صرنا نعلم بعد جهل، وحالنا كحال الجاهل، وانقطعت حجّتنا بعد البيان، وحالنا كحال من لم يأتِه بيان ولا أقيمت عليه حجّة!

فيما يلي جلاء تلك الألغاز، عسى أن يكون في ذلك ذكرى لمن كان له قلب، وجدّ في طلب الصلاح.

1. التفرقة بين المعرفة والاعتقاد، والمنهج والأدوات:

لي صديقة سمعتْ كثيرًا عن فوائد التخفف من السكر الصناعي أو تركه تماماً، فكانت تهزّ كتفيها هزّة من "عرف" فائدة لكنه لا يعتقد حاجته لتطبيقها على نفسه؛ لأنها لم تكن ممن يتناولون السكر الصناعي أصلاً إلا في المشروبات، ولا تتقبل مبدأ حرمان نفسها تلك اللذة الباقية المحدودة.

ثم قًدّرت لها وظيفة مكتبية لساعات طويلة، فكانت تعوّض حاجتها للنوم أو الطعام بكثرة الشراب، وكثرة الشراب تعني كثرة السكر، وكثرة السكر مع كثرة الجلوس بشكل يومي، أثمرت في شهر زيادة في وزنها بشكل فزعت منه ولم تتقبله، خاصة عندما تفكّرت في عواقبه على المدى البعيد.

ماذا فعلت صاحبتنا وقتها؟ في اليوم التالي لذلك الشهر، بدأت يومها بأول مشروب لها بدون سكر! هكذا فجأة ومباشرة وفي أقل من دقيقة تفكير! وتلا هذا المشروب ثانٍ وثالث ورابع، وتوالت الأيام والشهور، حتى صارت تعتاد مشروباتها دون سكر، بل لم تعد تطيق السكر الصناعي، حتى في صناعة المخبوزات والكعك وخلافه!

ما الذي جرى لتغيّر صاحبتنا تلك، ويرزقها تلك "الإرادة الحديدية"، لتلزم في سويعات ما قد يستغرق غيرها زمناً ليحايل نفسه عليه، ثم تثابر عليه مثابرة دون انقطاع أو تململ؟

لقد قام في نفسها "اعتقاد حاجتها" لذلك الترك، بعد أن كان في نفسها مجرد "معرفة بأهميته". فمعرفة أهمية أمر وملك أدوات تنفيذه شيء، واعتقادك حاجتك له وبالتالي دافعك لعمله أو انتهاجه شيء آخر تماماً، الأول السيارة، والثاني الوقود، بدون الوقود لا تنفعك السيارة، وبدون السيارة سيهدر مخزون الوقود.

كذلك إتقانك فنون التخطيط وتمرّسك في وضع الخطط، وحضورك الدورات التنموية وخلافها سيمكّنك من الأدوات، و"سـيعرّفك" كيف ترصّ الأهداف وتوزّعها على الأوقات، لكن اعتقادك بحاجتك لتلك الأهداف، واعتقادك بضرورة تحقيقها بنفسك من نفسك لنفسك، هو ما "سـيدفعك" للنهوض من فراشك أو ترك ألعابك أو وقف لهوك، والالتزام بما قام في نفسك الواجب بالتزامه .

إذا قام في نفسك وقود العقيدة ستجد السيارة انطلقت تلقائيًا، دون الحاجة للتنقيب عن دهاليز العزم والسؤال في ألغاز الهِمّة، متى صار أمر ما هَمَّك تلقائيًا ستهُم به، لكننا لا نعتقد كفاية ولا نستشعر حاجتنا حقًا للفعل أو الترك، فلا نعزم بداية ولا نثابر نهاية، وإن خططنا فيما بينهما من باب "إراحة الضمير"، والأخذ بأيسر الأسباب "المعلّبَة" في قوالب جاهزة، فَرَصُّ الكلمات في الكراريس هيّن مقارنة بمكابدة التحقيق والتحقق! 

ثم إن الخطة في النهاية أداة تعينك على إدارة وقتك، لا التحكم في أقدار حياتك وأحداث يومك، لكننا نقبل على التخطيط إقبال من ينتظر من الخطة أن تنظّم له حياته، أو نضعها وضع مالك لزمام الأقدار، فيسوؤنا أن تسير الأمور "عكس ما خططنا"، أو يحتاج لعوننا من لم نحسب حسابه في جدولنا المحكم، كوالدينا الملحاحين وأهلنا المزعجين! فنلقي بالتخطيط والخطة والحياة –ككل- من النافذة، ونستلقي على الأريكة أمام التلفاز طالما أنها لا تفرق!

إن الخطة في النهاية أداة تعينك على إدارة وقتك، لا التحكم في أقدار حياتك وأحداث يومك، لكننا نقبل على التخطيط إقبال من ينتظر من الخطة أن تنظّم له حياته، أو نضعها وضع مالك لزمام الأقدار

2. التفكّر وحوار النفس:

وهذا مفتاح غرس الاعتقاد وملء الوقود، أن تعامل نفسك معاملة ناضجة راشدة إذا شئت لها أن تغدو ناضجة راشدة، وتخرج بها وبنفسك عن الطوق الطفولي أو العنادي. إن تعاملنا مع نفوسنا يدور غالبًا بين:

-دراما الجلد والمعاداة، بدوام التأنيب والتوبيخ والسبّ لنفسك: فتتمرد عليك وتعاديك بدورها، وتعيش في حرب داخلية أنت قائدها وضحيتها في آنٍ معًا.

-تدليل الطفولة والهوى، بترك الحبل لها على الغارب، تفعل ما تهوى متى شاءت وأنت مطيع مستسلم: فتستأسد عليك في مطالبها، وتصير أنت الخاضع لها لا المالك لزمامها، (تمامًا كالطفل الذي يرتمي أرضاً في عويل ونواح إذا رفض طلبه، فتذعن له أمه مباشرة تجنباً للإحراج، وبتكرار ردّة الفعل يعتاد الطفل الفعل!)

-سلبية تجاهلها حتى تقع بينكما الوحشة والغربة، فكأنك تعيش منفصماً أو مثقلاً بحَمل شخصين متنافرين متخاصمين في داخلك.

والعلاج أن تبدأ باحترام نفسك، فتحاورها بلا رهبة ولا مواربة ؛ لأنه إذا كان صديقك مرآتك، فنفسك هي ذات انعكاسك في المرآة، وهي أولى بالصراحة والشفافية معها، لا بد أن تعي أن نفسك مطيّتك ومعبرك لخوض رحلة هذه الحياة، فسبحان الله! إذا عاديت مطيّتك وهدمت معبرك بمختلف صور سوء التعامل والإدارة، فكيف تتوقع أن تخوض الرحلة على سواء؟!

ومن نماذج الأسئلة التفكرية:

• ما الذي يعنيه لي هذا الوجود؟
• ما الذي يعنيه لي وجودي؟
• ما الذي يعنيه لي النجاح؟ والفلاح؟ والحياة الكريمة؟
• ما مدلول المسؤولية عندي؟ إلى أي مدى أتحمل مسؤولية نفسي بصدق؟
• هل أنفع نفسي أم أظلمها بنهج معاملتي الحالية لها؟
• ماذا جنيت من طول اتباع الهوى وترك نفسي على راحتها؟ هل أنا مرتاح فعلاً في نهج حياتي هذا؟
• ما الذي يعنيه لي (الله) جل وعلا؟
• إلى أي مدى أنا مسلم لله؟
• ما معنى كوني مسلمًا؟ ما الذي ينبغي أن يترتب على ذلك في نهج حياتي واعتقادي عن الحياة نفسها؟
• ما مدى صدقي في ارتضائي الله رباً والإسلام ديناً ومحمداً رسولاً؟
• ما مدى فهمي لغاية الخلق التي أعلنت الإيمان بها؟
• ما الذي أرجو ثوابه عند الله إذا مت على حالي الآن؟ وما الذي أخشى عقابه؟
• هل يرضيني الاستمرار في إنفاق عمري على النحو الحاصل حالياً؟ هل أنا مستعد للحساب المترتب عليه؟
• فإن لم يكن مرضياً لي فما العمل؟
• هل لي طاقة صبر على هذا التغير؟
• هل ما سردت من أهداف تعنيني فعلًا وأرتضي المكابدة في سبيل تحقيقها؟

ثم لا بد بعد الحوار والتفكر من دوام التذكرة، فلا يصلح أن تضع خطة في مرة أو تجلس مع نفسك جلسة، ثم تعود فتهملها دون متابعة وتذكرة وتصبير وتحفيز، من نفسك بنفسك، وإلا ستجدها ببساطة عادت سيرتها الأولى؛ لأنها تميل مع تسييرك لها حيث تميلها، وهي تشبه في هذا مجرى مائيًا سيسير فيه الماء بطول المجرى وينحني مع انحناءاته، فالتحكم ليس في سريان الماء ذاته لكن في مجراه ووجهته.

لا يصلح أن تضع خطة في مرة أو تجلس مع نفسك جلسة ثم تعود فتهملها دون متابعة وتذكرة وتصبير وتحفيز، من نفسك بنفسك

3. الصبر على الرحلة بعد ارتضاء الوجهة:

ما قولك فيمن بذر بذرة شجرة، واستمر في تعهّدها بضعة أيام أو أسابيع، ثم ملّ الانتظار واستبطأ نمو الشجرة، فتركها متذمراً أنها غير ذات جدوى؟!

طالما أنك صغت منهج حياة ترتضيه، أي تعلم مسؤوليتك عنه، ومتيقظ لمقاصد ما تعمل وما تترك، وترتضي عواقب كل شئ، وثمن الموازانات بينهما، لم يبق إلا أن "توطّن" نفسك على الصبر. الصبر -أولاً- على النقلة، ثم الصبر على الخوض في النهج الجديد، ثم الصبر على الثبات فيه بعد استقامته لك، أن توطّن نفسك على أمر يعني أن تتخذه وطناً تقيم فيه، ولا تعرف مكانًا غيره إذا تركته.

أن توطّن نفسك على أمر يعني أن تتخذه وطناً تقيم فيه، ولا تعرف مكانًا غيره إذا تركته

ومن هنا فـ "توطين" النفس كلمة مفتاحية في التحقق بفضيلة الصبر؛ لأنها تقطع على النفس ذبذبة الشعور بوجود مهرب أو مخرج أو منفذ آخر، فإذا قطعت عليها زوغان نظرها ذاك، ووطنتها على أن هذا السبيل وليس أمامها غيره، استكانت وتقبلت المبدأ، وانقطعت عن التشتت، وصار ما بينك وبينها ترويض على هذا السبيل، ومهما حاولت أن تُروّغك ستظل فلتاتها في نطاق السيطرة.

ومما يعين على توطين النفس استحضار حقيقة أننا مضطرون للعمل في سن متأخرة بـ "أثر رجعي"؛ لتعويض ما فات أو إصلاح ما فسد في سن مبكرة، فليس من المنطق استعجال هذا بتلك، ولا من المصلحة الاستمرار في البناء على أساس نخر؛ لأنك مستعجل على إقامة البنيان، ولو على حَرْف، ولو على علمك أنه سينهد في النهاية، وتعود أدراجك الأولى بعد تضييع المزيد من العمر فوق ما ضاع! (على فرض أنه سيكتب لك من العمر الكفاية؛ لتتحمل الخسارتين ثم تعوضهما!).

قبل أن تتعجل العمل بالعلم، تأكد أنك علمت حقيقة وليس فقط عرفت ، وأن هذا العلم رسخ في فكرك قناعة، وأثمر في وجدانك تدبراً وتفكُّراً فيه، هذه حقيقة العمل بالعلم، أما صور الحركة التي تنشأ بعد ذلك فهي تنشأ تَبْعاً وانعكاساً بالضرورة ليس إلا، لما وقر في القلب بداية فكراً ووجداناً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

الحزن بين المقصد الشرعي والإرضاء النفسي

ثمة حالة يمر بها بعض السائرين إلى الله إذ تجد الواحد منهم قاطب الجبين مهموم …