واحَرّ قلبي من تقلّباته! كيف أحكُمُها؟

الرئيسية » خواطر تربوية » واحَرّ قلبي من تقلّباته! كيف أحكُمُها؟
wallup.net

مما لا ينفك يدهشني في الأسئلة عن أحوال القلوب وتقلباتها ما كان على شاكلة:

- كيف أمنع قلبي أن يتقلب؟
- كيف أكبح دفق شعوره؟
- كيف أكبت ميله؟

لتبدأ بعدها أسطوانات مقترحات مشروخة، تختزل عمق الإشكال في ظواهر علاج مجتزأة، بدءًا من الاستكثار من العزلة، مرورًا بالقاعدة المقدسة من الامتناع عن أيّ مخالطة، وختامًا بغلق الباب على مشاعر كذا، وإحكامه تجاه كذا، وإحجامه عن كذا... إلى آخر كذا وكذا.

والشأن في السويداء أعظم من ذلك، الشأن أنه قلب يتقلّب، كوليد يصيح معلنًا حقّه في قرع الأسماع، ومخالطة الأحياء، ومنازلة الوجود!

سبحان الله!

وهل سُمّي قلبًا إلا لأنه يتقلب؟! وهل كان قلبًا إلا لأنه في تقلباته أشدُّ من القِدْر إذا استجمعت غليانًا؟!

هل سُمّي قلبًا إلا لأنه يتقلَّب؟! وهل كان قلبًا إلا لأنه في تقلُّباته أشد من القِدْر إذا استجمعت غليانًا؟!

لا بدَّ للقلب من ساكن! لا بدّ للقلب من شاغل! فإن لم تكن مرتضيًا ما أو من اشتغل به قلبك، فأبدله ساكنًا خيرًا من ساكنه، وشغلًا خيرًا مما اشتغل به، ولا تنتظر أن تنتزع من القلب سلواه وتتركه خاليًا من بعد! وليس ساكن يملأ على القلب أحناءه ويجمع عليه أشتاته، في غير ضراء لاحقة أو غدرة ماحقة، إلا مُقلّبه، ذو الجلال والإكرام، والمنِّ والإنعام، والفضل والإحسان، ربك وربه الله!

نور القلب وروحه أن تشغله بأمر الله، أن يكون الله ورضاه همّك وقِبلة قَلبك ، ضع هذه القاعدة نَصب عينيْ قلبك صادقًا، ثم امضِ وراء تجلياتها أيًا يكن ما تمليه عليك، فأصول أمر الله ستظل دائماً واحدة، لكن طلبها ومداخلها هي التي تتجدد، وعمقها لا يَبْلَى على كثرة الرد.

فلعلّها تدفعك لِقِمَّة جبل تتأمل النجوم، أو تغوص بك في أعماق البحار بين الشعب، أو تحملك على أجنحة الخيال وتغمسك في بطون الكتب، وتشدو في أذنيك بموشحات الجمال وقصائد الجلال، أو تسوقك لنزهة صباحية -خاليًا- تناجي الزهور والشجر، أو تخاطب ذات مساء وجه القمر، معتقدًا حقًا أن الكون كله ناطق مسبح بحمد مولاك ومولاه، وأنه يسمع منك ويعلم ما بك؛ لأنك عبد الله وهو صنعته، فأنت لله وهو لك في الله؛ لتقوم عليه بأمر الله.

ولعلّها تنتقل بك بين المعامل والمختبرات والتجارب، فتسبح بين الأفلاك والأحياء، مستشعرًا أنك لست وحدك في هذا الملكوت، وأن ربًا هو الحي القيوم، الذي وَسِعَ كرسيُّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما، قد وَسِعَ كل هذا رحمة وعلمًا، فأي ركن شديد تأوي إليه أعظم منه سبحانه؟

ماء قلبك متصل رأسًا بسرّ صلتك بالله تعالى، هذه الصلة هي قبلته ومركز روحك، التي منها وعنها تتفرع بقية الصلات وتستقيم، فإذا صحّ ما بينك وبين ربّك، نشأت نفسك سويّة قويّة، تتسع لاستقبال الحياة ومخالطة الأحياء ومعاركة الخطوب، ومهما عصفت بها أو قلبت عليها مراكبها عادت أشرعتها تنبسط من جديد ولو بعد حين، وتنشأ نفسك كذلك ناضجة مسؤولة، تتنزه عن دور الضحية المستسلم لعبث المجريات به والسماح لكل شيء، وكل أحد أن يأخذ من نفسه ويستنزف روحه.

إذا صحّ ما بينك وبين ربّك، نشأت نفسك سويّة قويّة، تتسع لاستقبال الحياة ومخالطة الأحياء ومعاركة الخطوب

ومِلاك ذلك كله أن تناجي ربك، إيّاك إيّاك أن تخلو عن مناجاةٍ لربك في يومك، فإنها رِيّ الروح وسُقيا القلب، حدِّثه عن أمانيّ قلبك وآماله، وعن تلصصه ومكائده الصغيرة! حدثه عن الاختلاسات والخوائن، والتطلُّعات والكوامن، والتقوى والعزائم، خَبّره وهو بكل شيء عليم، وإنما أنت المحتاج لأن تبوح وتقرّ وتواجه! لا تنكر تقلبات قلبك، ولا تفرّ منها كالممسوس، فإنك بذلك تستثير تمرده وعناده، وإذا استشاط قلبك عاصيًا متمردًا فقد فتحت على روحك ألسنة نار تأكلها من أطرافها!

بل تكلَّم، وبُح، وأقِرّ... وانغمس في فيض الرحمات وجوار القربات. مهما يكن من كَسْرٍ فالله يجبره، وحزنٍ فالله يداويه، واضطرارٍ فالله يجيبه،  مهما يكن من أمرٍ فالله له، وما عظم من همٍّ إلا والله أعظم، وما من شيء ترجوه إلا وعند الله خزائنه.

ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير!
ألم تعلم أن الله قد أحاط بكل شيء علماً!
ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما بينهما!
ألم تعلم أنه لا يعجزه شيء ولا تتعاظمه أمنية!
ألم تعلم!
أم لم توقن بعدُ إذ علمت؟!

لا يملأ القلب كالهمّ بالله والاشتغال بأمره ، والقلب الذي ينشغل عن الله في الخلطة سينشغل عنه في الخلوة، وإن أتى الاثنين باسمه! فإن للأرواح عيونًا وتشوّفًا كما للجوارح، ولا يملك مفاتح الاثنين إلا الله، وإنما غاية سعيك صدق استجلابهما من عنده، والجدّ في طلب رضا مالكهما، لذلك لم يكن بدعًا أن يكون أكثر دعاء خير البريّة عليه الصلاة والسلام: (اللهم يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك) (رواه الترمذي وحسنه).

القلب الذي ينشغل عن الله في الخلطة سينشغل عنه في الخلوة، وإن أتى الاثنين باسمه! فإن للأرواح عيونًا وتشوّفًا كما للجوارح

حين تصل قلبك بمادة حياته وماء بهائه ستعيش بقلب جسور جريء، لا ينفك عن الخطأ، لكنه لا يسأم الأوبة، ولا يجبن حال المواجهة عندما يشغلك نظر ربّك ورضا ربّك وأمر ربّك، وتصدق الاشتغال بدعاء ربك، وذكر ربك، ومناجاة ربك، واستهداء ربك، عندها فقط تجد كل شيء، كل شيء في حياتك بلا استثناء، قد اتخذ قدره وموضعه في تناغم وتوافق ورضا، ذلك أن ربك وعد، ووعد الله حق: {فإنّ حَسْبَكَ اللَّه} [الأنفال : 62].

لا تعِش مكلومًا مُطرقًا للأرض في انكسار، بل عِش عزيزًا متطلعًا للسماء في إكبار، عش بقلب فتيّ حيّ، لا بنصف قلب خائر واهن ، وإنك لا تستطيع ذلك إلا بالله فاستعن بالله؛ لأنك به لا تعجز، ولا تَخزَى، ولا تهزَم واستعن بالله؛ لأنك بغيره لا تفلح، ولا تثبت، ولا تُنصر؛ فعِش لله بالله.

أيا قلبًا في كل الشؤون تقلَّب، ولكل الوجهات توجَّه، وعند كل منحنى انتثر، دونك قِبلَتك فالزمها، وثَمَّ حِماك فاستعصم به، فلا خوف عليك من بعد ولا تُغلَب ولا تَخيب.

ربي وربّك الله!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

بُشرى المُسافرين وسلوى المُغتربين

إن مفارقة الأهل والأحباب من أصعب الأمور على النفس؛ ذلك للارتباط الفطري للإنسان بمسقط رأسه …