اعتكاف العشر الأواخر… وجنة الله في أرضه!

الرئيسية » خواطر تربوية » اعتكاف العشر الأواخر… وجنة الله في أرضه!
i'tikaf86

- الجنة –لغةً واصطلاحاً-:

الجنة لغة: البستان العظيم الذي يستر ما بداخله، وهي مشتقة من مادة جنن، التي هي بمعنى الستر، ولذلك سمي الجن جنّاً؛ لاستتارهم واختفائهم عن الأنظار، كما سمي الجنين جنينا؛ً لاستتاره في بطن أمه.

الجنة اصطلاحاً: دار الخلود والكرامة التي أعدها الله –عز وجل- لعباده المؤمنين، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم، وفيها من النعيم المقيم الأبدي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

- الحديث عن جنة الله في الأرض:

كثيراً ما يصف الناس بعض المناطق الطبيعية الخلّابة ويقولون: هذه جنة الله في أرضه، وهم يسيرون في ذلك على المعنى اللغوي لكلمة جنّة، فهي -كما أوضحنا- تعني لغة: البستان الجميل كثير الشجر.

أما الحديث عمّا في الأرض من جنة الآخرة على وجه الحقيقة فيما يتعلق بالمادة، فقد ورد أثر موقوف عن ابن عباس يقول فيه: "ليس في الجنَّة شيءٌ ممَّا في الدُّنيا إلا الأسماء" (رواه البيهقي)>

وصحّ كذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود من حجارة الجنة، وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيضَ كالمها، ولولا ما مسّه من رجس الجاهلية ما مسّه ذو عاهة إلا برئ) [رواه الطبراني].

وأما الحديث عمّا في الأرض من جنة الآخرة على وجه الحقيقة فيما يتعلق بالروح، فقد قال ابن تيمية: "إن في الدنيا جنّة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة".

وكذلك قال ابن القيم : "والإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل، وجنة وعيش، لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة".

وهما يتحدثان هنا عن عبادة الله والاستغراق فيها، التي تصل بروح الإنسان إلى حالة من الصفاء والرضا، تماثل تلك الحالة التي تكون في جنة الآخرة التي وصفها الله في كتابه.

-الاعتكاف:

الاعتكاف لغة: اللبث وملازمة الشيء.

الاعتكاف اصطلاحاً: اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعة مع نية الاعتكاف.

مشروعية الاعتكاف: وأما عن مشروعية الاعتكاف، فقد قال تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ} [سورة البقرة،آية:187]، وقال تعالى: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} [سورة البقرة، آية:125].

وفي الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان منذ قدم المدينة).

وروى البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا).

- الاعتكاف وجنة الله في الأرض:

كما أوضحنا فقد تحدث الإمامان -ابن القيم، وابن تيمية- عن جنة الدنيا، وهي في نظرهم عبادة الله، والتعلق القلبي به، واللهج بذكره، فإن ذلك يصل بالإنسان إلى حالة روحية تماثل حالة أهل الجنة.

وإن مما علمناه من حال هذه الدنيا أن كل متعها زائلة، لا تدوم ولا تبقى، فإذا كان الإنسان في متعة مادية أو روحية فيها -بعيداً عن عبادة الله- فيلعلم علم اليقين أنها متعة لحظية لن تدوم، مهما كانت حقيقتها وكيفيتها، هكذا كتب الله على كل متع الدنيا.

وهذا فارق كبير بين متع الدنيا ومتع جنة الآخرة، فمتعة الجنة تختلف عن متعة الدنيا في درجة إمتاعها لحظة الإمتاع، وكذلك في كون متعتها غير زائلة ودائمة.

وليس في الأرض متعة حقيقية دائمة إلا متعة عبادة الله والقرب منه، وهي جنة الله حقاً في أرضه، والتي لن يدخل جنة الآخرة إلا من يدخلها.

ليس في الأرض متعة حقيقية دائمة إلا متعة عبادة الله والقرب منه، وهي جنة الله حقاً في أرضه، والتي لن يدخل جنة الآخرة إلا من يدخلها

والاعتكاف من أعظم العبادات إلى الله، فهو انقطاع عن الحياة كلها من أجل الصلاة والصيام والقيام والقرآن والذكر والدعاء.

- الاعتكاف الكامل من أجل تذوق حلاوة الجنة:

لم أجد في حياتي كلها متعة مثلما وجدت في متعة الانقطاع لعبادة الله وذكره في بيت الله.

فالحياة كلها احتراق، الشوارع محترقة باللهث وراء الدنيا والاختلاف والصراع عليها، والبيوت محترقة بالبعد عن الله والاختلاف بين أهلها.

ولا نجاة لنا من هذا الاحتراق إلا في بيوت الله، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا) [رواه الطبراني، وإسناده حسن].

والنجاة من الاحتراق هنا ليست في مجرد الصلاة، ولكنها في الصلاة جماعة في مساجد الله.

ولقد ودّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لو حرّق البيوت على من يصلون فيها ويتركون المساجد، ففي الحديث أنه قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر رجلاً فيؤذن، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) [رواه البخاري ومسلم].

فإن كانت في الصلاة عموماً بعض النجاة من الاحتراق الذي نعيشه، فإن في الصلاة في المساجد كل النجاة.

هذا في شأن الصلاة في المساجد، فما بالنا بالانقطاع الكامل للعبادة فيها لأيام.

لقد شرع الله لنا الاعتكاف في المساجد عموماً، وشرع لنا الاعتكاف في العشر الأواخر خصوصاً من أجل النجاة من نار هذه الدنيا قبل نار الآخرة، ومن أجل تذوق حلاوة جنة هذه الدنيا قبل جنة الآخرة!

والمسنون في اعتكاف العشر أن يكون اعتكافاً كاملاً، بحيث يدخل المعتكف معتكفه قبل غروب شمس اليوم العشرين، ولا يخرج منه إلا بعد غروب شمس اليوم الأخير في رمضان، لا يخرج من معتكفه مطلقاً إلا لضرورة قصوى، والضرورة تقدّر بقدرها.

فإن العبرة بالاعتكاف الانقطاع عن الدنيا وما فيها، وتصفية القلب والعقل للإقبال على الله، فإن كان الاعتكاف كما عليه أغلب الاعتكاف اليوم، حيث يخرج المعتكف في كل وقت لقضاء حاجاته الضرورية وغير الضرورية، ثم يعود لمعتكفه، فإن حلاوة الاعتكاف الكبرى تذهب، وتبقى حلاوة اعتكاف متقطع، وشتّان بين الحلاوتين!

- مما يُذهب حلاوة الاعتكاف:

هذا الذي ذكرناه من الخروج الكثير من المعتكف للضرورات وغير الضرورات هو من أكثر ما يُذهب حلاوة الاعتكاف، والحل في الانقطاع التام.

والانشغال الكبير بإعداد الطعام والشراب هو مما يذهب بحلاوة الاعتكاف كذلك، والحل في التخفف قدر المستطاع، وفي الاعتماد على الوجبات الجاهزة ما أمكن، فإن وقت الاعتكاف أثمن من أن يُقضى أغلبه في تجهيز الطعام وترتيبه.

والاختلاف والتشاحن بين المعتكفين من أجل ترتيب الطعام، وتوزيع الأدوار فيه، وكذلك ترتيب يوم الاعتكاف، وتوزيع أعماله هو من أكثر ما يذهب بحلاوة الاعتكاف كذلك، وليس أعظم من اللين بين المعتكفين، وخفض الجناح، وحلاوة اللسان، وبشاشة الوجه، وحلّ أي إشكال في إطار الودّ والأخوة.

- أعظم أيامي التي عشتها في حياتي أيام اعتكاف العشر:

سلام على زمان كنّا نعتكف فيه كل عام العشر الأواخر من رمضان مع إخواننا وأحبابنا، حتى جاءنا زمان فحال الظالمون بيننا وبين ذلك.

لقد كنت أعيش الجنة حقاً في هذه العشر، فقد كنت أعتكف اعتكافاً كاملاً، فلا أخرج بقدمي من باب المسجد إلا بعد صلاة المغرب في اليوم الأخير.

وكم كنت أبكي حين خروجي هذا! لعلمي أنني أخرج من جنة الله في أرضه إلى ناره في أرضه، نار المعصية والتقصير والصراع والتحاسد والتباغض، فأظل من بعدها أعدّ الأيام حتى أعود لمعتكفي.

سلام على تلك الأيام، وسلام على أولئك الأحباب، ولعنة الله على الظالمين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

عن رمزية عهد التميمي وتبرّجها

أغبياء نحن إلى حد السخف حين نحطم رموز قضايانا الإسلامية والقومية والوطنية باحثين عن أي …