“المشروع الإسلامي” و “القديم”.. تلاقٍ أم صراع؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » “المشروع الإسلامي” و “القديم”.. تلاقٍ أم صراع؟!
muslims69

لا نزال نمضي مع المشكلات التي تواجه الحركة الإسلامية، والمشروع الإسلامي في زمننا المعاصر، وعلى وجه الخصوص: تلكم المشكلات التي تتصل بمسألة قدرة الفكرة الإسلامية وأُطرها الحركية على الانسياح داخل المجتمعات، والانتشار في مختلف الأوساط.

وربما هناك مشكلة لا ينتبه إليها الكثيرون في الأوساط الحركية، إلا أن لها دورًا كبيرًا في حقيقة الأمر في تعطيل انتشار الفكرة الإسلامية داخل المجتمعات، وبالتالي، فهي تُعتبر من بين أهم الآفات التي أصيبت بها الحركات السياسية والاجتماعية التي تمثَّلت المشروع الإسلامي عنوانًا لها.

ونعني هنا قضية "نفي كل قديم". وهي آفة أخرى تضاف إلى قضية نفي "صلاح" الآخر، و"أحقيته في تمثيل المشروع الإسلامي"، والتي قادت في مراتب متطرفة لها، إلى التكفير، وإلى دخول الحركة الإسلامية في صراعات بينية أضرَّت أيَّما ضرر بالمشروع الأصلي برمته.

وقبل تناول الفكرة، فإنه من الأهمية بمكان القول إن هذه الأزمة-ومختلف الأزمات والمشكلات- تتعلق بقضية: أي الجماعات تمثِّل المشروع الإسلامي؟ وفق تصورها له، وليس الإسلام؛ لأن الدين لا يوجد مَن يمثله، ويحتكره كمفهوم شامل عام، فهذه عقيدة ثابتة في الأصول الشرعية ، حيث لا بابوية في الإسلام، ووقت البعثة النبوية، لم يكن هناك أية تصنيفات بين المسلمين تضع هذا ضمن الصحابة وهذا لا.

في هذا الإطار، نأتي إلى نقطة "الجماعاتية" التي ابتُلِيَتْ بها الأمة، بعد أن حوَّل البعض في العقود الماضية جهود الآباء الأوائل لحركة الإصلاح في العالم الإسلامي لاستحداث طليعة أكثر تنظيمًا لصفوفها، إلى هدف في حد ذاته.

وفي ظل هذا الانحراف عن رسالة الطليعة الحركية في جذرها، كواجهة قائدة فقط، تحول البعض بالحركات والجماعات التي انتهجت الإسلام نهجًا وشعارًا لها، إلى هدف في حد ذاته، ثم تحول الأمر إلى تنافس على تثبيت الأقدام في المجال الاجتماعي والسياسي.

وبالتالي نقف عند المشكلة التي نحن بصددها، وهي أنه من أجل هذا التثبيت، ظن البعض على وجه خاطئ أنه لن "يسود" –بينما المطلوب ليس السيادة في حد ذاتها– إلا لو نفى الآخر، وأسقط عن القديم كل صلاح، وكل فائدة فيه.

فتمّ نفي صلاحية الأفكار القومية، ونفي تجارب السابقين الإصلاحية، لدرجة المعاداة الصريحة لتجارب سياسية وتنموية اعترف العالم كله –الذي حاربها في حينه- بها، مثل تجربة "محمد علي" باشا الكبير في مصر.

وامتد ذلك إلى الحديث عن "ماسونية" "محمد عبده"، و"جمال الدين الأفغاني" –الذي عاش ومات مطاردًا بسبب أفكاره الإصلاحية!– ،وعن سطحية "عباس العقاد"، وعن تهافت المشروع الفكري للإمام "محمد الغزالي"، لمجرد خلافات تنظيمية أو فكرية ربما كان إدارتها في الإطار الداخلي أفضل وعلامة صحية.

وشمل ذلك نقطة خطر مهمة، وهي الأفكار اليسارية التي من المفترض أن يتم تناولها بشيء غير يسير من الرشادة؛ لارتباطها في جذرها بعقدة مهمة، وهي المطالب الاجتماعية.

فلو أنك هاجمت اليسار وما اتصل به من أفكار اشتراكية، من دون تدقيق، فسوف "يبدو" وكأنك تتبنى أفكار ما يُعرف باليمين الرجعي، وتهاجم الدعوات التي تتضمنها المدارس اليسارية المختلفة عن ضرورة تقدم الشعوب، وأن تنال حقوقها وحريتها، وأن يكون العيش والحرية والكرامة الإنسانية على رأس أجندة الحكومات.

وهو بالفعل اتهام وُجِّه من الأنظمة اليسارية والقومية العربية في الخمسينيات والستينيات على وجه الخصوص، في أوج صعود الاشتراكية والأفكار القومية في عالمنا العربي، وكان للإخوان المسلمين النصيب الأكبر من هذه الاتهامات بحكم الحجم والانتشار، وبحكم العلاقات السياسية التي جمعت بين الجماعة وبين أنظمة عربية كانت مصنَّفة ضمن هذا التصنيف.

وفي الواقع، فإننا نجد أن هذه الأفكار، بعد تجريدها من المنظومة القيمية التي تحكمها، وتتناقض في بعض جوانبها مع صحيح الإسلام، هي –هذه الأفكار عن الحرية والكرامة الإنسانية والعيش الكريم– من صميم الإسلام، لدرجة أن بعض النخبة المثقفة في عالمنا العربي، مثل أحمد شوقي، قالوا بأن الإسلام في صورته النبوية النقية، إنما يزكِّي الأفكار الاشتراكية في المجال الاجتماعي قلبًا وقالبًا.

هذا النفي للقديم، والتصادم معه، بدلاً من الاستفادة منه في تحقيق التثبيت والانتشار المجتمعيَّيْن، أدى إلى عواقب سلبية للغاية.

من بين هذه العواقب، دخول الحركات الإسلامية إلى ساحات صراع داخلية لم يكن ينبغي لها أن تدخلها، وشغلتها عن مهامها الإصلاحية التي هي من المفترض أنها نهضت لأجلها، وأضعفتها أمام خصوم الأمة الخارجيين، والذين هم من المفترض أن الحركة الإسلامية خرجت لحماية الأمة منهم في الأصل.

دخلت الحركات الإسلامية إلى ساحات صراع داخلية لم يكن ينبغي لها أن تدخلها، وشغلتها عن مهامها الإصلاحية التي هي من المفترض أنها نهضت لأجلها، وأضعفتها أمام خصوم الأمة الخارجيين، والذين هم من المفترض أن الحركة الإسلامية خرجت لحماية الأمة منهم في الأصل

كذلك أدى هذا إلى انفصال كامل مع شرائح مجتمعية وسياسية، كان أولى التداخل معها، والسعي إلى ضمها كما تفعل أية قوة سياسية واجتماعية أخرى، وهو ما أضعف هذه الحركات كذلك.

كما أنه ثبت اتهامات لا أصل لها من جانب بعض خصوم الدعوة، بأنها –أي الحركات الإسلامية– إنما هي أداة من أدوات القوى الاستعمارية من أجل هدم المجتمعات والنيل من "ثوابتها"، باعتبار أن القديم يمثِّل هذه الثوابت.

النقطة المهمة هنا، أن المشاكل التي نجمت عن ذلك كانت متوقعة؛ لأنه يخالف صريح قوانين العمران البشري والاجتماع السياسي، وهو أمر –لأنه يتنافى مع قوانين العمران– فقد جاء الإسلام بعكسه.

فـ"وثيقة المدينة"، أول وثيقة مواطنة وحقوق مدنية في التاريخ وفق مستشرقين من وزن المستشرق البريطاني، ويليام مونتجمري وات، اعترفت بالقديم القائم، حتى ما كان منه يخالف عقيدة التوحيد ذاتها، لحين إصلاحه على المنهج الإسلامي القائم على التغيير المتدرِّج من خلال مختلف الأدوات، وخصوصًا التربية.

"وثيقة المدينة"، أول وثيقة مواطنة وحقوق مدنية في التاريخ اعترفت بالقديم القائم، حتى ما كان منه يخالف عقيدة التوحيد ذاتها، لحين إصلاحه على المنهج الإسلامي القائم على التغيير المتدرِّج من خلال مختلف الأدوات، وخصوصًا التربية

وبالفعل، فإنه بعد "وثيقة المدينة"، بل وبعد "صلح الحديبية" الذي أقر لمشركي مكة حقوقًا سياسية واجتماعية حتى على المسلمين الجدد من بين ظهرانيهم، بعده بعام واحد، كان فتح مكة المكرمة، وظهور الإسلام على كامل شبه الجزيرة العربية، وهُدِمَت الأصنام ورموز الشرك أصلاً بالكامل.

وهو ما يقول بأن منهج الإسلام هو الصواب ولا شيء خلافه، وأنه –حقيقةً- من لدن حكيم عليم.

فلو أن الأمر مرتبط برؤى بشرية، ووفق تجارب سابقة ولاحقة في التاريخ الإنساني، مماثلة أو قريبة من حالة دولة الإسلام الأولى، فإن هذه المراحل التي استغرقت سنوات معدودة من البعثة النبوية، أخذت عقودًا وربما قرونًا طويلة في حالات أخرى.

كذلك نجد أن غالبية الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، كانوا من كبار السن، ولم يربِّهم النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" أطفالاً، وكان بعضهم في فترة الجاهلية من الأسوأ في الجانب الأخلاقي، وبعضهم قتل المسلمين وعذبهم واضطهدهم، ولكن ذلك لم يمنع أن الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلم"، اجتهد لضمهم إلى صفوف الدين، وجعلهم حربًا على أعداء الدين، وليس على الدين.

وهو "عليه الصلاة والسلام"، يقول في حديث صحيح: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام)(رواه الإمام أحمد في مسنده).

وفي الأخير، فإن نفي القديم بالكامل، وبصورة غير رشيدة، خلق أزمة حقيقية أمام الحركات الإسلامية للتحرك في المجتمعات والأوساط التي لا تؤمن بالفكرة الإسلامية ، فوصلنا إلى مرحلة التكفير والهجرة، سواء الصريح منها أو المستتر!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

السرقات العلمية.. شيءٌ من مفاسدها الدنية

السّارق في عُرف العامّة هو الذي يصاحب الليل، يستفيد من ظُلمته ليستخفي عن الأنظار، فيسطو …