دروس للأمة في ذكرى غزوة بدر الكبرى

الرئيسية » بصائر الفكر » دروس للأمة في ذكرى غزوة بدر الكبرى
muslims army20

كل عام في السابع عشر من رمضان المبارك تحتفل الأمة الإسلامية رغم ما بها من جروح وسقطات وحياد عن طريق الحق، ورغم الوهن الذي أصاب بعض جسدها، ورغم المؤامرات التي تركت نفسها نهبة لها -إلا أنها ما زالت تحتفل بذكرى غزوة بدر لما تمثله تلك الغزوة من أهمية في التاريخ؛ حيث أسماها الله عز وجل "الفرقان"، فهي التي فرّقت بين الحق والباطل تفريقاً بيّناً، وهي التي جعلت للإسلام دولة يخشى جانبها، ينطلق منها غازياً لا مغزواً، وهي التي ردّت للمسلمين -الذين خرجوا من ديارهم مهاجرين تاركين خلفهم حياتهم كاملة- اعتبارهم، وجزءاً مما نهب منهم.

معركة غير متكافئة، فالمسلمون القوة الضئيلة بعدد يمثل الثلث من المشركين، وعدّة لا تحسب في عداد القوة بقدر ما تحسب على الضعف، وجيش لم يخرج للحرب، وإنما خرج للعير والقافلة التي عاد بها أبو سفيان؛ ليستردوا بعض حقوقهم المنهوبة من مشركي مكة، الذين اغتصبوا ديار المسلمين وأموالهم واضطروهم للهجرة قسراً، فغرض الخروج لم يكن الحرب، ولذلك تخلّف بعض الصحابة عنها.

فتعطينا تلك المعركة مؤشراً أن نتائج الحروب بين الحق والباطل لها مقاييس أخرى لنتائجها، فليست العدة السبب الأول في كسب المعارك، وإن كانت لازمة قدر الاستطاعة، وليس العدد بالسبب المهم إن راعى المسلمون أسباب النصر التي يملكونها، ويبذلون في سبيلها كل طاقتهم.

تعطينا تلك المعركة مؤشراً أن نتائج الحروب بين الحق والباطل لها مقاييس أخرى لنتائجها، فليست العدة السبب الأول في كسب المعارك، وإن كانت لازمة قدر الاستطاعة، وليس العدد بالسبب المهم إن راعى المسلمون أسباب النصر التي يملكونها، ويبذلون في سبيلها كل طاقتهم

تعلمنا تلك الغزوةُ الأولى في حياة المسلمين أن أسباب النصر، ومعيّة الله، واستدعاء الملائكة؛ لتحارب في صفوف المسلمين -أكبر من مجرد إعلان الحرب أو الهمّ بها، فقد أراد المسلمون عيراً، وأراد الله لهم نفيراً ونصراً مؤزراً.

السرّ لم يكن في العدد ولا في العُدّة، وإنما في نوعية هؤلاء الرجال الذين استطاعوا بإيمانهم أن يكون الواحد منهم بجيش، فيخوض الموت بصدره، ولا يبالي أكانت النتيجة نصراً أو شهادة.

السر في التربية التي حوّلت طائفة من البشر في قلب الجزيرة العربية يحبّون الموت، كما يحب غيرهم الحياة، ليس رغبة في الموت كنهاية حتمية للبشر، وإنما رغبة فيما عند الله ويقيناً به، حتى يرى أحدهم الجنة ويشمّ ريحها!

فأية تربية تلك، وأية مدرسة هذه التي حوّلت دار الأرقم لتكون النواة الأولى لصناعة رجال لم تعرف البشرية مثلهم بعد الأنبياء! في تجربة شاهدة حاضرة واقعة، نعلم يقيناً أنها كانت في يوم من الأيام تدور أحداثها على ظهر الأرض، وفي بقعة مجهولة بالنسبة للحضارات المعروفة وقتها.

تربية جعلتهم يتنافسون في العطاء والموت في سبيل الله، والتعاون والبذل فيه، وطاعة أوامر نبيهم وحمايته بأنفسهم، والتماس رضا ربهم، تربية غرست قيماً أصبحت ثابتة راسخة كالجبال، تأبى الخنوع والانبطاح، وترفض الدنيّة، ولا تقبل بغير العزّة التي ارتبطت بالإسلام كدين حياة شامل، يتساوى فيه الفقير مع الغني، ويتآخى فيه العبد مع السيد، فالكل سواء، ولا فرق بينهم ولا تفاضل إلا بالتقوى والعمل الصالح.

وإذا حاولنا استعراض بعض أسباب النصر في هذه المعركة الأسطورية؛ لتكون نبراساً للأمة التي فقدت بوصلتها، فأحسبها مرتبة كالتالي:

أولاً- التخطيط:

وعمل بلا تخطيط كسفينة بلا بوصلة وبلا ربان في بحر متلاطم ، لا تدري إلى أين، ولا كيف الوصول، يبدأ النبي بعد اتضاح الأمر، وأن المعركة واقعة لا محالة بعد استدعاء أبي سفيان لجيش مكة؛ لإنقاذ القافلة، فيبدأ بالشورى التي تعد مبدأ من مبادئ الشريعة، وأصلاً ثابتاً من أصول الحكم الإسلامي، ونبي الأمة الذي أتى معلماً يجمع أصحابه؛ ليعلِّم الأمة أن المواقف الحاسمة، والأمور المصيرية لا يصح لقائد مهما أوتي من حكمة أن ينفرد فيها بقرار، فربما يأتي جندي صغير في آخر الصف؛ ليشير برأي يغيّر موازين القوة!

إن المواقف الحاسمة، والأمور المصيرية لا يصح لقائد مهما أوتي من حكمة أن ينفرد فيها بقرار، فربما يأتي جندي صغير في آخر الصف؛ ليشير برأي يغيّر موازين القوة

يأتي صحابي من المهاجرين فيقول بعد قولة رسول الله: (أشيروا عليَّ أيها الناس): "أبشر يا رسول الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ}[سورة المائدة، آية:24]، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، أو يفتح الله لك". فيكررها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراد بها الأنصار، فقال سعد بن معاذ: "والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله"، قال: (أجل)، قال: "فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ بنا يا رسول الله، ما تخلَّف رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعلَّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله". حين يتحكم الإيمان في القلب، ويقدّم القائد مسوغات الثقة به، تحدث الطاعة اللازمة للنصر، وتنطلق طاقات الجنود في التخطيط والإبداع من أصغر جندي وحتى أعلى قائد.

حين يتحكم الإيمان في القلب، ويقدّم القائد مسوغات الثقة به، تحدث الطاعة اللازمة للنصر، وتنطلق طاقات الجنود في التخطيط والإبداع من أصغر جندي وحتى أعلى قائد

ثانياً- الأخوة والحب في الله:

فتلتحم القيادة مع الجنود في رابطة حب فريدة، لا يمكن أن تجتمع إلا فيمن تحابوا فيما هو أسمى من حياة الفناء، فيتحول الانضباط العسكري لطاعة حب. ومن المواقف المضيئة في "بدر"، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يُعدل به القوم، فمر بــ"سواد بن غزية" وهو خارج من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: (استوِ يا سواد)، فقال: "يا رسول الله! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني"، قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: (استقد)، قال: فاعتنقه فَقَبَّل بَطْنه، فقال: (ما حملك على هذا يا سواد؟) قال: "يا رسول الله! حَضَر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدك!" فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، إنها قوة الحب!

ثالثاً- الدعاء قرين العمل:

ولا يمنع تأييد الله عز وجل لرسوله ووعده بالنصر أن يعمل ويلتمس كل أسباب النصر، تلمساً للسنن الكونية التي وضعها الله سبحانه؛ ليعلم أمته أن الأخذ بالأسباب عبادة لا تتنافى مع عبادة التوكل، وإنما هي متممة ومكملةلها ، وبذل جهد يتناسب وحجم المهمة، ومع العمل تتنزل الملائكة من السماء للتثبيت والمشاركة، ومع الثبات والجهد والكدِّ والدماء، يقف النبي داعياً ربه، ملحّاً عليه في الدعاء، فيستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مدّ يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: (اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً) قال: فما زال يستغيث ربه عز وجل، ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}[الأنفال، آية: 9]. (رواه مسلم).

رابعاً- صدق الجندية:

والجندي الصادق هو ربيب القائد الصادق، النبي صلى الله عليه وسلم يحرِّض المؤمنين ويدفعهم ويسبقهم ويبشرهم بجنة عرضها السماوات والأرض، فيسأل عمرو بن الحمام الأنصاري: "يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟" قال: (نعم)، قال: "بخ بخ!" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) قال: "لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها"، قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة"، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. (رواه مسلم).

ويتنزل على تلك الفئة القليلة قول الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب، آية:23]، فكان عمير رضي الله عنه بذلك أول شهيد للأنصار قتل في سبيل الله.

ولن نستطيع في تلك المساحة الضئيلة أن نذكر كافة الدروس المستفادة من تلك الغزوة التي حوّلت مجرى التاريخ، والتي منها المعرفة بكل الظروف المحيطة بالحدث، وتوافر كافة المعلومات لدى القيادة الميدانية، ومثالاً لذلك، حين أرسل النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب والزبير بن العوام؛ لاستقصاء أخبار قريش، ومعرفته بعد تحليلها بعدد جيش المشركين. أيضاً من أسباب النصر حسن التوكل على الله، وقد مرّ بنا كيفية الأخذ بكل الأسباب المتاحة، ويلزم المسلمين في المعارك الصبر، وهو عدة المؤمن على الاستمرار، قال تعالى: {بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران، آية:125]، فالصبر نصف الإيمان، والتقوى عماد الدين كله ، وهذا صبر الأم -التي ارتقى ابنها شهيداً- تأتي لتسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ حَارِثَةَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصِبِ الْجَنَّةَ، اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ"، فَقَالَ: (يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) (رواه البخاري)، وكان حارثة غلاماً في مقتبل العمر!

إن لبدر دروساً لا تنقضي، وتاريخاً لا يمكن نسيانه، وانطلاقة يمكن البدء بها؛ لتصحيح مسار الأمة التي حادت عن الطريق.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

“نادية مراد” وقصة الأهداف الدائمة لـ”نوبل للسلام”!

جاء الإعلان عن فوز الناشطة الأيزيدية العراقية "نادية مراد" بجائزة "نوبل" للسلام، في موسمها للعام …