الإباحية الفكرية: الأسباب والعلاج (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » الإباحية الفكرية: الأسباب والعلاج (1-2)
speaking-to-crowd

من المعلوم سلفاً أن الأوطان والمجتمعات سوق للأفكار، ومرتع للرؤى والأطروحات بمختلف التوجهات والأيدلوجيات الفكرية والتنظيمية، لذلك فكل يوم نرى ونسمع عن طرح جديد، ورؤى حديثة، وكل منها يدّعي أنه الصواب المطلق، والحق الواضح، ويسوِّق الحجج والأدلة على ذلك.

ونحن كمجتمع عربي يجري عليه ما يتم في العالم، بل أصبحنا منبراً وملتقى للأفكار الجريئة، وإن شئت فقل المرفوضة! وعلى هذا، فإننا اليوم سنتحدث عن هذه الإباحية الفكرية، والمعنى واضح ونقصده، فهي الأفكار والرؤى والأطروحات الفكرية التي يغلب عليها الطابع التحرري المتعارض مع الدين الحنيف فعلاً وقولاً، ويُؤصّل لثقافة غربية يستمدها من الغرب، ويعتبرها طوق نجاة للمجتمع العربي.

وهذه الإباحية ينبري لترويجها ثُلّة من الإعلاميين، ومن يسمون أنفسهم بالتنويريين الجدد، فلا سقف فكري عندهم، أو مستوى معين يقفون عليه، فدعاة هذه الإباحية يعتقدون أن التراث الإسلامي من عوامل تأخر الأمم، وأنه لا حلّ إلا باستيراد كل الأفكار الغربية بلا قيود أو نظام، ويرون في ذلك حلاً فكرياً ينتشل الأمة من تخلفها كما يزعمون .

ولمّا كانت هذه الموجة الإباحية منتشرة، ويتم إفراد مساحات كبيرة لها في الإعلام والجرائد، كان لابدّ من معرفة الأسباب ابتداءً:

أولاً: وجود النظم القمعية

إن النظم القمعية التي ترى الشعوب عبيداً لديها، وأنهم بلا قيمة، فما هم إلا إحسان فتات ما يلقى إليهم من طعام وشراب، وهم يلتقون في نفس النظرة مع هؤلاء "دعاة الإباحية الفكرية" في هذه النظرة للشعب، وعليه فالطاغية يسهل كل ما يدعو للبعد عن الدين، أو يشغل الناس -وخصوصاً الشباب- بالأفكار التحررية التي يضبطها الدين، ويجعلها وفق منظومة القيم والمحاذير، لذلك لم يكن مستغرباً صعود هذه الإباحية الفكرية في بلد مثل تونس -مثلاً- أيام "بورقيبة"، وكم كانت الأفكار غاية في الإلحاد! ودعوات متعددة لجعل المجتمع غربي الفطرة والفكرة والتطبيق، ولا صوت يعلو فوق صوت التحرر المطلق.

الطاغية يسهل كل ما يدعو للبعد عن الدين، أو يشغل الناس -وخصوصاً الشباب- بالأفكار التحررية التي يضبطها الدين، ويجعلها وفق منظومة القيم والمحاذير

ثانياً- ضعف المؤسسات الدينية:

إن أية مؤسسة دينية رسمية في أي بلد عربي ينظر إليها من الخارج أنها رمز للدين، وما يخرج منها معبّر عن مكنون العقيدة والدين، ولما كانت المؤسسات منخفضاً صوتها -خوفاً من البطش- فنجد التجرؤ عليها، بل المطالبة بإغلاقها وتغيير مناهجها التعليمية، وكم رأينا وسمعنا وشاهدنا كمّاً من دعاة الإباحية الفكرية وهما يطالبون بحذف آيات القرآن من المناهج الأزهرية مثلاً!
وعليه، فإن ضعف هذه المؤسسة الدينية وغيرها هي قبلة حياة ونشاط لهؤلاء الدعاة التنويريين؛ لِبَثِّ سمومهم في عقول شبابنا وفتياتنا ، وسط تأييد من الطغاة الذين يرون في التزام الشباب وتملك الفكرة الإسلامية من عقول الشباب خطراً على كراسيهم المغتصبة أصلاً.

ثالثاً- التيه الفكري للشباب:

إن الاعتراف بالخطأ من شيم الكبار، وإن الاعتراف بوجود المخاطر حول الشباب من حسن الفهم في الدين والحياة، ولا مجال لنكران أن الشباب العربي والإسلامي قد أصاب بعضهم التيه، فأصبحوا تائهين في مجتمع الأفكار والرؤى، لا يدرون أيهما حق وصواب فيتبعوه، ومن على خطأ وباطل فيتجنبوه، والسبب الأكبر لهذا التيه هو البعد عن طريق الله، وتبنِّي الأفكار الإلحادية، ومع الأسف، هذه الأفكار وتبنيها هي ثمرة جهد هؤلاء من دعاة الإباحية الفكرية، فما الإلحاد إلا إباحية لكن بشكل لبق، وما البعد عن طريق الهداية إلا إباحية وترجمة لتلوث العقل قبل القلب.

وعليه فإن كل شاب عليه دور البحث عن المسار الصحيح، والمسير الأصح، فيعود إلى الله ويتبعه، وينفض عن فكره وعقله وقلبه كل رأي يعمِّق جرح قلبه في البعد عن ربه، وفساد عقله في تبنِّي رأي مخالف لعقيدته مهما كان بريقه، ثم يوجّه جوارجه كلها وفق مراد الله ورسوله.

لا مجال لنكران أن الشباب العربي والإسلامي قد أصاب بعضهم التيه، فأصبحوا تائهين في مجتمع الأفكار والرؤى، لا يدرون أيهما حق وصواب فيتبعوه، ومن على خطأ وباطل فيتجنبوه

رابعاً- هشاشة البيوت المسلمة:

إن البيت المسلم هو محل سهام هؤلاء التخريبيين الذين يعملون على فساده وإفساده بشتى الطرق، ولا يبخلون بجهد أو وقت في ذلك، بل لديهم همة عالية لتحويل المحضن التربوي الذي يؤسّس في عقول الأولاد عظمة الدين والعقيدة، إلى بيت وجدران لا حراك فيه، ولا قيم تغرس، ولا توجيهات تربى، ليصبح كل همّ الأم في مطبخها، وكل سعي الأب في إحضار المصروف، وتلبية الاحتياجات، ويدعون الأولاد في مهب التلفاز والنت، وهذا العالم المفتوح الذي إن ترك بلا ضوابط كانت المهالك والمفاسد، وفساد الأخلاق، وخراب البيوت هي النتيجة الحتمية لغفلة الأب وانشغال الأم.

ختاماً، هذه هي الأسباب الأربعة البارزة في انتشار هذه الإباحية الفكرية، وعلوّ صوت دعاتها، ومدى همَّتهم العالية في توصيل رسالتهم الخبيثة التي تستهدف العقل والقلب معاً، والسؤال الآن: ما هو العلاج لهذه الآفات؟

هذا ما سنتناوله فى المقال القادم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث في شؤون الحركات الإسلامية، مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

50 عادة تتعلمها من الشخصيات الناجحة (2-2)

في المقال السابق تعرفنا على خمس وعشرين عادة يمكن تعلمها من الأشخاص الناجحين لبلوغ الأهداف …