سئمتُ وظيفتي، فهل أتركها؟

الرئيسية » بصائر تربوية » سئمتُ وظيفتي، فهل أتركها؟
working22

أغلب أحلام الشباب وهم على أعتاب التخرج أن "يعملوا"، والسعيد في زماننا هذا من حظي بـ "وظيفة"، وإن لم تكن وظيفة الأحلام ، بل وإن كانت خارج نطاق التخصص، ثم بعد انقضاء فترة من الزمان، وتلاشي لذّة التجربة الجديدة، يبدأ ذلك السؤال يطن في الرأس: هل أترك وظيفتي؟ فيما يلي بضعة دروس استفدتها أثناء بحثي عن إجابة لهذا السؤال:

1. كم من الوقت قضيتَ في هذا المجال؟

استفدتُ مما قرأت في مجال العمل والحياة المهنية، أن المرء يحتاج على الأقل (6 أشهر)؛ ليعتاد الأجواء الجديدة، ويشرع في تلمس نقاط الضعف، ومواطن القوة في نفسه، ثم (6 أشهر) أخرى للتعرف على الناس حولك، والنظام المستخدم، وسياسة الشركة واستراتيجيتها، ثم ما بين (8-12شهر) لتبدأ أنت في الإنجاز الفعلي، والإسهام الجاد الفعّال لشركتك وفي منصبك، أي ما بين (السنة والنصف إلى السنتين)؛ لتكون الخلفية المطلوبة التي على أساسهــــا تقرّر أتبقى أم ترحل بغير ندم على القرار في كلتا الحالين، قد تختلف المدة بالطبع طولًا أو قصرًا، لكن الشاهد، أن اتخاذ القرار بشأن المسارات الكبرى في الحياة، يستوجب التروّي وموازنة المساوئ والعيوب، والإمكانيات والبدائل، ثم لا بدّ من قدر من المرونة والشجاعة في تحمل مسوؤلية اتخاذ قرار بالتغيير، أو حتى المغامرة لصالح حسابات شخصية.

لا بدّ من قدر من المرونة والشجاعة في تحمل مسوؤلية اتخاذ قرار بالتغيير، أو حتى المغامرة لصالح حسابات شخصية

ومما يعين على تلكم المرونة والشجاعة التخفف من حمّى المسيرة المهنية، وتصوّر التأبيد في وظيفة أو مهنة مدى الحياة -لمجرد التأبيد!- فليس ثمة مانع أن يعمل المرء في مسار؛ لأنه المتيسّر حاليًا، أو المتضح آنياً، حتى تتيسر أبواب غيره، ثم إن سوق العمل اليوم قائم بالدرجة الأولى على المهارة والإتقان، لا نوعية التخصص الدراسي أو الشهادة الجامعية ، مما يتيح حرية في التنقل بحسب مهاراتك، فمن توافرت له أدوات اللغة وملكتها، لا يضيره أن يعمل في مجالات اللغة كترجمة أو مراجعة حتى حين، بحيث يكتسب خبرة، ويتعرف على أجواء العمل، ويستشعر بوادر الاستقلال المادي والمسؤولية الفردية.

ويبقى التحديد في مناسبة مسار أو توقيته عائداً إليك، وإلى مدى علمك بطاقاتك وارتضائك لحالك، فزِن الأمور بعقلانية ومن كافة الجوانب ما استطعت، واستعن بآراء العاملين في المجال نفسه من الناجحين، وكذا آراء المقربين إليك، والعارفين بشخصيتك وقدراتك، لكنه في النهاية قرارك أنت، وعليك وحدك تحمّل مسؤولية المضي فيه.

2. جرّب أن تجدّد حماستك وتعِيد اكتشاف وظيفتك!

قرأت مرة عن زوجين قررا بعد حوالي (7 سنوات) من الزواج أن يحتفلا في ذكرى زواجهما الثامنة، بإقامة حفل الزفاف مرة أخرى، تجديدًا لمشاعر المحبة والعواطف بينهما، بعد فترة من البرود العاطفي والروتينية الكئيبة في حياتهما الزوجية.

ما رأيك أن تطبّق هذا على وظيفتك؟ قد لا تكون هي الأروع على وجه الأرض، بل قد لا تكون هي مهوى فؤادك ومهبط أحلامك، لكن متى كان كل دواء بطعم العسل! في الحياة أشياء لا بدّ منها حتى حين، وإلى أن تأفل شمسها، يبقى عليك أن تستثمرها وهي بين يديك.

إن وظيفتك الحالية –أيًا تكن– هي جزء من رحلة اكتشافك لذاتك، والإضافة إليها، وتشكيل معالم رسالتك في الحياة، فلو أعرتها الانتباه الكافي لرأيت التلميحات والدلائل والتحديـات التي توجهك من طَرْف خفي، ومن خلال ما لا تطيق، تبدأ في الغربلة وصولًا إلى ما تحب وتحسن حقًا.

جدّد أحاسيس اليوم الأول، وفورة التجربة الجديدة، استحضر الفوائد والغايات المرتبطة بك شخصيًا: كالتنمية الذاتية، أو تحسين العلاقات العامة، أو تعلّم مهارة جديدة، أو إتاحة دورات مجانية...إلخ، هذا بخلاف النفع المجتمعي العام، والثواب المترتب عليه لمن أتقن عمله.

وتذكّر دائمًا أنه لا بدّ لك أن تعمل وإن لم يكن إلا للكسب وإعفاف النفس، وإنها لغاية كريمة كما قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: (مَن بَاتَ كالّاً -متعباً- مِن عَمَل يَدِه بَاتَ مَغفوراً لَه) [رواه الطبراني]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) [رواه البخاري]، ثم إن العمل يستهلك كما لا يستهان من طاقاتنا وأعمارنا، فأن ننفقها محتسبين للأجر، منقّبين عن الفوائد، مستثمرين للفرص، مبادرين للتجديد، خير من أن ننفقها متذمرين ساخطين، وعالة على من حولنا، دون أن نتعدى التّذمر والسخط؛ لإيجاد أو خلق أو حتى ارتضاء بدائل!

3. هل عملك هو كل حياتك؟

تأمّل في جوانب حياتك الأخرى خلاف وظيفتك، وانظر أأنت راضٍ عنها؟، أم أن سبب رغبتك في ترك وظيفتك هو إدخال تجديد على حياتك نفسها؟ هل بلغ بك الانغماس في العمل أن أهدرت حقوقك الاجتماعية، ولقاءك بأصدقائك، واجتماعك بأسرتك، وممارسة هوايتك المحبّبة؟ أم لعلّ الوقت أضيق من أن يسع أيًا من هذا بسبب عملك؟

قبل أن تلقي باللوم على وظيفتك وساعاتها الطويلة، لم لا تجرّب إعادة التوازن لما تبقّى من ساعات في اليوم، وأيام الإجازات؟ ربما يكون أسلوب معيشتك، ونظام حياتك، وروتين يومك، هو ما يستلزم التغيير، وليس وظيفتك!

وها هنا تحتاج لوقفة مع جواب سؤال: ماذا يعني النجاح بالنسبة لك؟ تعريفك لنجاحك أنت في هذه المرحلة غاية في الأهمية؛ لأنه إن كان نظام حياتك متماشيًا مع ما تراه مقياس النجاح، فلن تشعر بالإحباط ولا الحاجة للتغيير، هل النجاح بالنسبة لك هو أن تنشئ مشروعك الخاص؟ إذن ما ستحتاجه هو الاهتمام بالعمل أكثر، وربما ساعات إضافية، وادّخار المال، هل النجاح يعني حياة أسرية مستقرة؟ إذن قضاء أكبر وقت ممكن في إسعاد أفراد أسرتك هو شغلك الشاغل، فيما يتاح لك من أوقات فراغ شخصية، ولا ينبغي أن يجور على ذلك التزامات أخرى، وإن أدّى ذلك أن تقلل من ساعات العمل دون أن تمانع انخفاض الأجر مثلاً، هل النجاح يعني التفوّق الدراسي؟ إذن لا ينبغي للعمل أن يكون على حساب أوقات الاستذكار، وإن كان معنى ذلك تأجيل العمل، أو ترك الوظيفة حتى التخرج فليكن.

تعريفك لما يعنيه النجاح في حياتك سيعينك على أن تترجمه إلى أفعال، فتتوازن حياتك تلقائياً، لا أن تصارع ما تؤمن به في أعماقك، بل تتماشى معه وتحققه يومًا بعد يوم، حينها ستتمكن من إعطاء كل ذي حق حقه، وتعرف أين بالضبط ينبغي أن توجه الطاقات المتبقية، أو الفضل الفائض، لكنك حينما تسير في الحياة كيفما اتفق دون أن تتصالح مع نفسك، وما ترتضي تحمّل مسؤوليته حقًا، ستشعر آخر المطاف كمن حزم أمتعته لرحلة صيفية، وانتهى به المطاف في القطب الشمالي! أو كمن يمثل على مسرح أو يعيش دورًا ليس منه في شيء، باختصار كمن يعيش دون أن يحيا، ليس هذا بسبب الوظيفة نفسها، وإنما بسبب اختلاط الأولويات، وعدم تحديدها منذ البداية.

تعريفك لما يعنيه النجاح في حياتك سيعينك على أن تترجمه إلى أفعال

إن قيمة الحياة ليست بطول أعمارنا، وإنما طول أعمارنا بقيمة أعمالنا التي ننجزها في حياتنا، وكلمّا كان لكل عمل –حتى الترفيه– هدف يتقدم بك خطوة في طريق أحلامك، استمتعت بكل مرحلة تقضيها في يومك، حدّد ما الذي يسعدك ويشعرك بالتحقيق الذاتي، ما الذي تبرع فيه، وتنوي أن تسهم به في نصيبك من تغيير العالم، ثم انظر في واقعك وواجباتك وظروفك، ما استطعت منها تطويعه ليتناسب مع أحلامك وميولك، فبها ونعمت، وما لم تستطع فأوجد فيه حلمًا أو هدفاً يتماشى مع الصورة الكلية، وهذا كله كلام نظري إن لم تدرِ ماذا تريد أنت بالضبط؟ ماذا يعني لك النجاح؟ وماذا يعني وجودك في هذه الحياة، وعلى هذه الأرض؟ وهل للتاريخ أن يفرد لك مساحة في صفحاته، أم يتعداك إلى سواك؟

إن قيمة الحياة ليست بطول أعمارنا، وإنما طول أعمارنا بقيمة أعمالنا التي ننجزها في حياتنا

لا تسأم من التخطيط والعزيمة على تحقيق التوازن في حياتك ، صحيح أن الحياة لن تسير دائمًا وتمامًا وفق خططك، لكن التخطيط خير ألف مرة من مواجهة الحياة ارتجالًا، والسير فيها عبثًا، والخبط فيها على غير هدى، تماماً كرسامين يرسمون موضوعاً تم تحديده مسبقاً، هل ستكون كل الرسومات نسخة من بعضها؟ تختلف اللمسات والعقليات والرؤى وإن توحّد الموضوع، وكذلك يتساوى كل منا في حق الحياة، ويعطى كل منا نصيبه من الأفراح والأتراح، لكننا نختلف بعدها فيما نفعله بذاك، وما نواجه به هذين.

4. اتركها وفوراً!

بعد الأخذ في عين الاعتبار كل ما سبق، تظلّ ثمة عقبات أو مساوئ لا يستقيم معها أن تستمر في عملك الحالي، تحديد مثل تلك، أمر شخصي في المقام الأول، لكن بيئة العمل العدائية، أو العمل ساعات طويلة بمقابل هزيل، أو العمل تحت إدارة تعسفية، أو شعورك بأن ما تعمل أقل بكثير مما تقدر عليه، ولم يعد هنالك ما تتعلمه أو تستطيع إضافته، هذه -في تقديري- ظروف لا تصلح للعمل فيها بشكل مرضٍ على الإطلاق، سواء وجد بديل حاضر، أو كان ما زال عليك التنقيب عنه، وبالطبع إذا كنتَ تلقيت عرضاً أفضل، أو تكشفت لك فرصة ذهبية، فامض ولا تلتفت.

وختامًا:

في كل مرّة تسأل نفسك: "هل أترك عملي؟"
أتبِع هذا السؤال بأخيه التوأم: "هل تعي عواقب ذلك وترتضي تحمّل مسؤوليتها؟"
وإذا كنتَ ذا رأيٍ فكُن ذا عزيمة ** فإن فَسَاد الرأي أن تترددا

معلومات الموضوع

الوسوم

  • العمل
  • الوظيفة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

    شاهد أيضاً

    التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

    نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …