سوء الظن وأثره على العلاقات الإنسانية

الرئيسية » بصائر تربوية » سوء الظن وأثره على العلاقات الإنسانية
think247

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا اجْتَنِبُوا كثيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (متفق عليه).

يعتبر سوء الظن من أسوأ ما قد يتصف به الإنسان فلقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن سوء الظن واعتبره من الأخلاق المذمومة كما أن رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم نهانا عن الظن السيء بالآخرين فهو من أسوأ أمراض القلوب؛ لأن صاحبه يجزم بما في نفسه حتى وإن لم يصل إلى درجة اليقين.

أنواع الظن السيء:

أولاً: من أسوأ أنواع سوء الظن هو سوء الظن بالله  والعياذ بالله. فيظن الإنسان بالله سوءاً بدلاً من أن يحسن الظن بخالقه ورازقه فيصبح ويمسي ظاناً أن الله لن يغفر له خطاياه أو لن يعطيه أو يرزقه ولن يعينه في حياته وما إلى ذلك من الظنون السيئة بالله.

إن إسلامنا يدعونا إلى حسن الظن بالله؛ لأن سوء الظن بالله هو ظلم كبير للنفس باقترافها ذنباً كبيراً. فلقد ورد في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). لذا علينا أن نحسن الظن بالله دائماً حتى لا نكون عاصين مشركين بالله مقترفين خطأً كبيراً بحق الله وبحق أنفسنا. لنتذكر قول إبراهيم عليه السلام لخصمائه من المشركين: {أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين} [الصافات:86]. فسوء الظن بالله سبب في استحقاق غضب الله تعالى وسخطه.

ثانياً: سوء الظن بالناس، فسوء الظن بالآخرين يجلب الشك والكراهية والحقد بين الناس وغيرها من الكثير من الأمراض الاجتماعية السيئة والتي تؤثر سلباً على الإنسان المسيء الظن بالناس، بحيث تؤدي به إلى فقدان الثقة بكل الناس من حوله مما ينتهي به المطاف إلى الشعور بالوحدة؛ لأن جميع الناس ينفرون من هذه الشخصية المسيئة للآخرين المشككة في نواياهم مهما كانت طيبة وسليمة. ناهيك عن أن سوء الظن بالآخرين هو سبب في حدوث الكثير من المشاكل والقطيعة بين الناس سواء كان ذلك بين العائلات أو بين الأصدقاء، فهو يدل ويعكس خبث الطبع وسوء الخلق.

سوء الظن بالآخرين يجلب الشك والكراهية والحقد بين الناس وغيرها من الكثير من الأمراض الاجتماعية السيئة والتي تؤثر سلباً على الإنسان المسيء الظن بالناس، بحيث تؤدي به إلى فقدان الثقة بكل الناس من حوله مما ينتهي به المطاف إلى الشعور بالوحدة

قال ابن عباس: (إنَّ الله قد حَرّم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنَّ به ظنَّ السّوء).

فلنحرص على صلاح مجتمعاتنا ولنتجنب سوء الظن ببعضنا حتى نحافظ على علاقاتنا الإنسانية سليمة معافاة من كل شوائب الأخلاق السيئة المذمومة. فمسيء الظن يعاني من أمراض عديدة أقلها الغيرة والحسد والبغضاء كما أنه بظنه السيء يوقع نفسه في الحرام والشبهات فينظر إليه الآخرون نظرة ازدراء لسوء ظنه فهو لا يراعي الآداب والأخلاق الإسلامية التي دعانا إليها ديننا الحنيف.

لذا، فقبل أن يبدأ الشيطان بالوسوسة لنا بإساة الظن بالآخرين علينا أن نحاول التماس العذر لهم فكما يقال "التمس لأخيك سبعين عذراً" فلعلنا بسوء الظن بهم نظلمهم ونخسر قربهم ومحبتهم واهتمامهم بنا.

واقع مرير

ما لي أرى أنّ سوء الظن منتشراً ومتفشياً كتفشي النار بالهشيم!

ما لي أرى الناس يسيئون الظن ّببعضهم البعض، فإن ابتسم الأخ لأخيه ظنّ أنه ابتسم لا محبة له ولكن طمعاً في الحصول على شيء ما. وإن نصحه في أمر ما ظنّ أن النصيحة هي للإساءة أو لتعكير مزاجه أو للتقليل من شأنه!

ما لي أرى أنّ سوء الظن قد انتشر حتى بين أقرب الأقارب، حتى بين الأسر وحتى بين الأزواج فكل من الزوجين يظن السوء بالآخر وهناك الكثير من الأمثلة الواقعية والتي باتت تعكس واقعنا المرير.

إن سوء الظن يؤدي إلى انعدام الثقة بين الناس، فالأصل عند من يسيء الظن هو إساءة الظن بجميع الناس من حوله بدون استثناء بمن فيهم أقرب الناس إليه ، مما يؤدي إلى نفورهم منه وتركه وحيداً هو وأفكاره وشكوكه السيئة.

إن مسيء الظن في الغالب يشعر أنه فطنٌ ذكيُ يفهم الناس ويحذر أذاهم قبل وقوعه ولكنه لا يعلم أنه يقترف ذنباً كبيراً بحق نفسه وبحق الآخرين.

لذا تعتبر إساءة الظن من أسوأ الأمراض الاجتماعية التي تودي بالمجتمعات الإنسانية إلى التهلكة وتحرمها من حلاوة الشعور بالتماسك والتلاحم والتراحم والمحبة بين أفرادها. فكم من قصة مأساوية سمعنا عنها أو شاهدناها كانت نتيجة سوء ظن الناس ببعضهم؟ وكم من تفرق بين الأهل والأحباب والأصحاب كان سببه سوء الظن؟

تعتبر إساءة الظن من أسوأ الأمراض الاجتماعية التي تودي بالمجتمعات الإنسانية إلى التهلكة وتحرمها من حلاوة الشعور بالتماسك والتلاحم والتراحم والمحبة بين أفرادها

طرق علاج سوء الظن:

من أهم الأمور التي تساعد على علاج سوء الظن في مجتمعاتنا هو تنشئة الأبناء على حسن الظن، ووجود القدوة الحسنة في البيت وفي المدرسة والتي تساعدهم على تمييز الخبيث من الطيب .

كما أن وجود الأبناء في ظل علاقة سوية سليمة وواضحة بين الأبوين مبنية على الفطرة السليمة وحسن الظن بينهما هو أمر مفيد جداً للأبناء.

و لا ننسى أن رؤية الأبناء لأهلهم أثناء تعاملهم الطيب مع بعضهم البعض ومع الأقارب والأصحاب والجيران بنية حسنة طيبة هو أمر هام جداً فهو يترك بالغ الأثر في نفوس الأبناء فيكبروا على حسن الظن والتعامل الطيب مع جميع الناس.

إنّ ايضاح أهمية معنى حسن الظن للأبناء وتنشئتهم على مقولة "التمس لأخيك سبعين عذراً" هو أمر في غاية الأهمية. علاوة على ذلك، التركيز على مختلف المواقف الحياتية التي تبين معنى حسن الظن بوضوح، فيلفت الآباء والامهات نظر أبنائهم إلى ضرورة حسن الظن في الكثير من المواقف الواقعية المختلفة بحيث تكون دروساً عملية واضحة تصل بالأبناء إلى تمييز ومعرفة مفهوم حسن الظن وبالتالي تطبيقه في حياتهم عن قناعة تامة.

كما أنه لأمر مهم أن يصبح حسن الظن بالله جزءاً لا يتجزأ من حياتنا وطريقة معيشتنا، فنحن نعلم أن الأمر كله لله، بيده كل مفاتيح السعادة والرحمة والمغفرة والرزق، وهو القادر على كل شيء. فلنسلم الأمر كله له تعالى ونثق بأن كل ما ييسره الله لنا هو الأفضل فهو خالقنا وهو على كل شيء قدير.

فضلاً عن أنّ سوء الظن بالله يتعارض مع التوحيد فكما قال عز من قائل: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران:154].

وأخيراً لا يمكننا أن نسيء الظنّ بأحد لأن سرائر الناس لا يعلمها إلا الله . فلنضع سوء الظن جانباً حتى ننعم بحياة هنية هادئة مستقرة، تخلو من تكدّر النفس الذي ينشأ من جرّاء الظن السيء. علاوة على أنه لا يحق لنا أن نظن بإخواننا وأخواتنا الظن السيء ونفسر أقوالهم وأفعالهم بطريقة خبيثة ما لم نتيقن من ذلك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحثة وأديبة ومحاضرة في الأدب والفكر، لها العديد من البحوث والمؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية. حاصلة على شهادة الدكتوراة في التعليم (القيادة التربوية والإدارية). تقوم بتقديم العديد من الدورات التدريبية وورش العمل في مجالات عديدة. درست الأدب الانجليزي والشريعة الإسلامية. وقدمت مساهمات في العديد من المؤتمرات العالمية والمحلية فيما يختص بتطوير التعليم وطرائقه. لها اهتمامات عديدة في مجالات الأسرة وكذلك تنمية وتطوير الذات.

شاهد أيضاً

هل أنت مستعد للتغيير: خطوات التغيير الخمس (1-2)

يعتقد البعض أن الحياة صراع، وبناءً على هذا الاعتقاد فإن كلاً منا إما غالب أو …