علوم الاضطرار لكل مسلم ليستقيم إسلامه (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » علوم الاضطرار لكل مسلم ليستقيم إسلامه (2-2)
o-BOOK-CLUB-BOOKS-facebook

في الجزء الأول من هذا المقال، بدأنا الكلام عن العلوم التي كل مسلم مضطر لتعلمها على الحقيقة لتصح حركته في هذا الوجود على أساس الإسلام بما ينفعه في دنياه وآخرته، وذكرنا علوم القرآن والسنة، ونستكمل في هذا الجزء بقية العلوم:

3. الفقه:

والاضطرار فيه لكل مسلم إتمام المستوى الأساسي من أحكام الطهارة والصلاة والصيام والزكاة، ثم تعلّم أحكام الشؤون الأخرى بحسب حاجته لها، كالحج وقت حجّه، والنكاح، أو بحسب مجال تخصّصه العلمي أو العملي: كالتجارة، أو القانون، أو الطب. وهذا البند ركن ركين به فهم أمر الله تعالى في ملكه، والتصرّف وفقاً له، وستجد أنه في الشرع مساحات حركة كثيرة متروكة للتفاوت الفردي، لكن لن يستقيم للفرد اتخاذ قرارته في مختلف مجالات الحياة حتى يكون على بصيرة بمقاصدها وضوابطها الحاكمة في تصور الشارع لهذه الحياة.

وفي هذا البند أنبِّه على أمرين قد يغفل عنها المتعلم المبتدئ:

أولاً- لا بد من عناية المتعلم بحفظ الأحكام لا مجرّد معرفتها، خاصة في العبادات والشؤون المتكررة في الحياة اليومية، فإذا نسيت -مثلًا- فعلاً من أفعال الصلاة، لن تذكر أيجبره سجود السهو أم تبطل به الركعة ما لم تكن حافظاً لأركان الصلاة وواجباتها وسننها، لذلك لا تتعجل الانتهاء على حساب الإتقان، ولا التوسع في أبواب الفقه معرفياً على حساب التمكن من أوائله أوّليّاً.

ثانياً- لا بد من تعلم الفقه على يد معلم يشرح له العبارات، ويصوّر له المسائل، سواء بحضور حلقة أو درس مباشر، أو متابعة سلسلة مسجلة على الإنترنت، لكن المطالعة المباشرة من الكتب قد توقع المتعلم في إساءة فهم، أو تطبيق، ولا تتيح السؤال عما أشكل.

وأختم بنصيحة التزام مذهب من المذاهب الأربعة، لا الفقه العام أو اللامذهبي، (ومن باب أولى عدم استقاء الفقه من مواقع الفتاوى، وطريقة السؤال والجواب). والفارق بين المنهجين وآثارهما في البنية الفكرية والحركية للمسلم مبيّن بإيجاز وافٍ في: "رسالة التمذهب" لقديش اليافعي، وكتاب "اللامذهبية" للبوطي.

لن يستقيم للفرد اتخاذ قرارته في مختلف مجالات الحياة حتى يكون على بصيرة بمقاصدها وضوابطها الحاكمة في تصور الشارع لهذه الحياة

ومن السلاسل الحسنة المسجّلة في شروح الفقه:

• (حنفي) شرح مختصر القدوري لعلاء عبد الحميد.
• (مالكي) شرح الموطأ لسعيد الكملي.
• (شافعي) الفقه الشافعي الميسر للشيخ هشام كامل الأزهري.
• (حنبلي) شرح أخصر المختصرات للشيخ أحمد باجابر.

4. الأسماء الحسنى:

أخص تعلّم الأسماء الحسنى بالاضطرار من بين علوم العقيدة،؛ لأن عقدة إشكال المسلمين العقدي اليوم في معاملة ربّهم، بسبب جهل مطبق بالله تعالى وقدره، بأسمائه وصفاته، ويترتب على ذلك جهل بما يقتضيه الإيمان بتلك الأسماء والصفات، بل تعارض معها في كثير من الأحيان، ما معنى إيماني بأن الله الخالق وأنا المخلوق؟ ماذا يترتب على اعتقادي أن الله الرزاق؟ ما انعكاس إيماني بالله الملك، القاضي، المتجبر...؟ يهرع الكثيرون لمتون العقيدة لإصلاح هذا الخلل، لكن تقرير أسس الاعتقاد من الإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته.. إلخ، لا يقوِّم ذلك الخلل في معاملة الله تعالى على الحقيقة، فالمضطر لا غنى له عن الإقبال على تعلّم أسماء ربه وصفاته ومقتضياتها، وهي الحلقة المفقودة بين أسس العقيدة النظرية والحركة القلبية والجارحية المترتبة على تقريرها.

عقدة إشكال المسلمين العقدي اليوم في معاملة ربّهم، بسبب جهل مطبق بالله تعالى وقدره، بأسمائه وصفاته، ويترتب على ذلك جهل بما يقتضيه الإيمان بتلك الأسماء والصفات

ومن المراجع النافعة للمستوى:

• شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة-القحطاني.
سلسلة شرح أسماء الله الحسنى-راتب النابلسي.

5. السير والتراجم:

هذه المصنّفات هي خير المرايا العاكسة لعصورها، والعمدة في تشكيل تصورات أصيلة ومتكاملة؛ لأنها نماذج تطبيقية عملية كلية لما نطالعه تنظيرًا وتجزئة في كتب الفقه والحديث والتزكية والاعتقاد، والقرون الأولى من أهل الإسلام أولى النماذج بالاقتداء؛ لأنهم أقرب الأجيال قاطبة للسان العربي الخالص، والسمت العربي الأصيل، وأدناهم تمثلًا حسنًا وصحيحًا لروح الديانة، حين تَقَرّ في الأفئدة وتسود في التطبيق، بعد أن تستوعبها الأفهام وتُشربهَا العقول، وبهذا فهم نماذج للاقتداء بامتياز.

ويخطئ البعض فهم الاقتداء على أنه دعوة ساذجة وغير واقعية لاستنساخ تجارب قاطني الخيام، وساكني الصحراء في القرن الحادي والعشرين! وليس ذلك صحيحاً؛ لأن التجارب من حيث هي تجارب لا تستنسخ؛ إذ هي رهينة بظروف وعوامل تهيأت لها في حينها، وكثير من ظروفهم وعوامل أزمانهم لا يمكن بحال استجلابها في زماننا، ومنها أنه لن يتنزل وحي من جديد لنعاصره، ولا نبي بعد النبي الخاتم ليعيش بين أظهرنا.

وإنما الاقتداء مقصوده ومنهجه غمر النفس والفكر والروح في تلك الأدبيات، واستقراء سماتها العامة وسمات أهلها وقضاياهم وهمومهم. فمن ذلك الغمر والاستقراء يتشرب المطالع تلقائيًا فسحة نفسية، وتتشكل في وعيه تصورات ذهنية عما ينبغي أن يكون شخصه في خير تمثلاته للديانة حين كانت، فيقاربها ويحاكيها من بعد على ما يستطيع، وكذلك قيام تلك التصورات السويّة والتمثلات المهْدية في وعينا، يخفف من حدّة الانبهار بمـــا لدى النماذج البشرية غير المؤمنة بالله، ولا المنضبطة بشرعه، ويجعلنا نقبل عليها حين نقبل إقبال المتثقف العام من عَلُ لا المتلقف المُستَهام من سَفَل.

مقصود الاقتداء ومنهجه غمر النفس والفكر والروح في تلك الأدبيات، واستقراء سماتها العامة وسمات أهلها وقضاياهم وهمومهم

ومن المراجع الأساسية في هذا البند:

• الرسول صلى الله عليه وسلم–سعيد حوّى.
• فقه السيرة النبوية–البوطي.
الشمائل المحمدية–الترمذي.
• أم النبي–عائشة بنت الشاطئ.
• خديجة بنت خويلد: سيدة نساء العالمين–إبراهيم الجمل.
تراجم سيدات بيت النبوة-عائشة بنت الشاطئ.
صور من حياة الصحابة والتابعين–عبد الرحمن رأفت الباشا.
• الأئمة الأربعة–محمد أبو زهرة.
• سيرة عمر بن عبد العزيز–ابن الجوزي.

6. البنية الفكرية المسلمة:

البنية الفكرية للمسلم لا بدّ لها من أرضية راسخة من العقيدة والثقافة والفكر والتاريخ، والعناية بتشكيل هذه البنية ليس رفاهية ولا قصرًا على المتميزين، بل هو لازم لمن شاء أن يصح تصوّره لما حوله، خاصة في عالم ثقافات الأمم فيها متحاضنة ومتداخلة بمحاسنها ومساوئها. ومن المراجع الأساسية في هذا البند:
• مدخل إلى فهم الجذور–البوطي.
• تعريف عام بدين الإسلام–علي الطنطاوي.
رسالة في الطريق إلى ثقافتنا–محمود شاكر.
• العقوبات الإسلامية وعقدة التناقض–البوطي.
الإسلام يتحدى–وحيد الدين خان.
• جولات في الفقهين الأكبر والأصغر–سعيد حوّى.

7. البنية النفسية المسلمة:

ومحورها بالأساس التزكية، وما يتفرع عنها من أدبيات بناء الذات وتهذيب الشخصية وإصلاح النفس. وكل مسلم مضطر لتعلم ما تستقيم به بنيته النفسية تجاه ربه، وتجاه الكون كما أراده ربه، وتجاه حياته كما ينبغي أن يحياها، لا أن ينازعها. والبنية الفكرية والنفسية متداخلتان لحد بعيد، ومن الخطأ فصمهما في مسار التعلم، فما من فكر يقر إلا ويتوطن في النفس، وما يتوطن في النفس يوجّه بالضرورة باطنها من الشعور والخواطر، وظاهرها من الأفعال والأقوال.

ومن المراجع الأساسية في هذا البند:

• باطن الإثم–البوطي.
• العلم والحياة الربانية–القرضاوي.
• منهج الإسلام في تربية الإرادة–د. مصطفى زيد.
الفتور-ناصر العمر.
• كراسة قراءة النفس–ذاكر الهاشمي.
• إضاءات على طريق بناء الذات–هدى النمر.
خلق المسلم–الغزالي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

السيرة النبوية في السياق المجتمعي… معالم ومعانٍ غائبة!

تأتي السيرة النبوية كأحد أهم روافد الشريعة الإسلامية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من السُّنَّة النبوية …