لماذا لا ينتصر المسلمون؟

الرئيسية » خواطر تربوية » لماذا لا ينتصر المسلمون؟
muslims63

لماذا لا ينتصر المسلمون على أعدائهم وقد وعدهم الله بالنصر في كثير من آياته الكريمة، ووعدهم النبي بالنصر في الكثير من الأحاديث الصحيحة أيضاً!

أليس الله عز وجل هو القائل في محكم آياته:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور، الآية:55]

وقال تعالى أيضاً: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم،الآية:47].

أليس النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو القائل: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) (رواه أحمد والحاكم والبيهقي)، فلماذا ما نحن فيه من هوان ومذلة وقهر وضعف وفقر ومرض وجهل؟ لماذا المسلمون دائماً في ذيل القائمة، بينما الغرب الكافر يحتجز الصفوف الأولى والمراكز الأولى في كل مناحي الحياة؟! حتى كاد اليأس أن يأكل قلوب الناس!

حين نكون مسلمين!

لقد وعد الله عز وجل -ووعده غير مكذوب- بنصرة المؤمن على الكافر ورفعته وتوريثه له الأرض، ووعد سبحانه بالتمكين لتلك الفئة التي تتصف دوما "بالفئة القليلة"، والتي تتسم "بالثبات" على الحق، أن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، كل ذلك بشرط واضح كرره الله سبحانه في كل آية من آيات النصر وهو "الإيمان"، الإيمان الذي يعلم المسلم أن النصر من عند الله وحده، وسبيله هو اتباع كامل لما أمر به الله، فالإسلام والإيمان ليست كلمات تردد على الألسنة، وليست دعاوي يدعيها من يشاء، ثم هو يحكم هواه أو يحكم غير الله إلهاً له من دونه سبحانه! ثم هو يطلب نصرة ربه الواحد الأحد ويشكو تأخر النصر عليه، إن المسلم الحق الذي يدخل في إطار موعود الله، هو ذلك المسلم الذي يتصف بصفات حددها الله عز وجل، ولم يحددها هو كبشر، صفات وجملة أخلاق وأفعال عليه أن يتحلى بها؛ حتى يدخل في جملة المسلمين الذين يتحدث عنهم القرآن، وتشملهم الأحاديث النبوية، حين تذكر كلمة "المسلمين" أو "المؤمنين"، وجملة الأخلاق والممارسات التي حددها الشرع ليست من باب الاختيار، وإنما هي من باب الحتمية التي لا يدخل المسلم في دينه إلا بإيمانه بها، وعمل بمقتضاها، وعليه حتى يؤتى النصر والتمكين أن يعمل جاهداً على التحلي بها، وقد جعلها الله في مقدور كل إنسان طالما أنه شرعها وصارت واقعاً دينياً لا يمكن الخروج عنه إلا بالانسلاخ من الدين، ومن هذه الأخلاق أذكر بعضاً؛ لنرى أين نحن من موعود الله بالنصر، وأين نحن من استحقاقه!

الخلق الأول- الجهاد:

ومنذ ذلك اليوم الذي تعطلت فيه فريضة الجهاد، وقد باء المسلمون بمكانة دونية بين الأمم، وكيف لا! والحق لا يكون إلا بقوة تحميه وتذود عنه وتنشره بين الخلق! كيف لا! والعالم يتربص بالمسلمين أن يغفلوا عن مصدر قوتهم بعدما غزوا العالم ونشروا فكرتهم، وأصبح للإسلام دولة من الشرق إلى الغرب دان لها القاصي والداني، حين كانت تمتلك جيوشاً تحت مظلة خلافة عظيمة، فبنت حضارة من أعظم حضارات العالم! كيف يتخلى المسلم عن فريضة الجهاد في الوقت الذي إذا ضعف لن يرحمه أحد! كما قال الله {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} [التوبة، الآية:8].

إن الجهاد لم يفرض لسفك الدماء، وفرْضِ الهيمنة، وإنما للدفاع عن الحق وحمايته وحماية الضعيف، ونشر العدالة بين الناس. والإعداد واجب على كل مسلم قدر الاستطاعة، جعله الله سبباً للنصر طالما يبذل المسلم طاقته، ليس مطلوباً منك كمسلم أن تكون في نفس قوة غريمك، وإنما أن تبذل قدر استطاعتك، {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْل ِتُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال، الآية:60].

إن الجهاد لم يفرض لسفك الدماء، وفرْضِ الهيمنة، وإنما للدفاع عن الحق وحمايته وحماية الضعيف، ونشر العدالة بين الناس

والجهاد فرض عين حين تنتهك حرمات المسلمين، أو تسبى نساؤهم، أو تحتل أرضهم، فرض على المسلم أن يدافع عن كل هذا ويدفع الضرر عن أمته.

ومن ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة، الآية:190] وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِن لَدُنكَ وَلِياً وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء، الآية:75]، وفي هذا يكون حسن الظن بالله، والثقة بنصره مع بذل النفس رخيصة في سبيله وطلب الشهادة بصدق، مع شجاعة وصبر وثبات على الطريق حتى يتحقق موعود الله بالنصر أو الشهادة، وكلاهما للنفس محبب ومطلوب.

الخلق الثاني- علاقتنا بالناس:

والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمسلم من يأمن جاره بوائقه، والمسلم ليس باللعان ولا السباب ولا الفاحش البذيء، والمسلم من يحفظ أخاه المسلم ولا يسلمه، والمسلم هو من ينصر أخاه المسلم، إن كان ظالماً يكفه عن ظلمه، وإن كان مظلوماً نصره حتى ينتصر ويعيد إليه الحق، وبتلك الصفات التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها من مكارم الأخلاق أين أمة محمد منها اليوم! هل يمكن أن ينطبق علينا لفظ "أمة مسلمة"! تستحق النصر والخروج من مأزقها، إنها الأسباب التي يجب أن نأتيها قبل أن نرفع أكفنا إلى السماء مطالبين الله عز وجل بأن يوفي وعده معنا بالنصر والتمكين.

الخلق الثالث- الأخوة في الله:

إن الحب في الله والأخوة ومعاني الود بين المسلمين لهي الأسس التي بني عليها مجتمع المدينة الوليد، ومن ثم أسس بناء الدولة المسلمة، ولن ينصلح للمسلمين شأن إلا بإعلاء تلك المعاني والأخلاق، وفي الأخوة الإسلامية يقول الله تعالى: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، الآية:67]. والأخوة ليست كلمات تسرد، وإنما هي أفعال ملموسة في المجتمع المتحاب، فهي التكافل وقت الشدائد، وهي التآخي والأنس وقت المحن، وهي التعاون على البناء، وهي التنافس الشريف في الدراسة والعمل، وهي الربانية وقت أن تُلهي الدنيا الناسَ بماديتها، وهي التذكير بالورع والخوف من الله، وهي حبس اللسان عن الخوض في الناس بالباطل، وهي العفة عما في أيدي الناس، وهي القناعة بما قسم الله لنا، وهي التواضع بين الخلق والحياء معهم، وهي اللين والرفق والتبسط مع المسلمين، وهي السماحة والإحسان والأمانة، وهي الكرم مع الأهل ومع المحتاج دون أن يطلب، فأين أمة الإسلام من كل هذا؛ كي تطلب النصر من الله!!

النصر للإسلام حتمي:

فيقين أن الله عز وجل مبلغ دينه، ويقين أن الله حين علمنا أنه لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ)، ولن يكون ذلك نهاية البشرية، وإنما بداية حقبة إسلامية جديدة تملأ الأرض عدلاً ورحمة كما ملئت ظلماً وجوراً، ولكن كل ذلك لمن؟

إن الطريق إلى النصر هو نفس الطريق إلى دعوة الناس أن يكونوا مسلمين، هو تربية أنفسنا أولاً، ثم تربية مجتمعاتنا على قيم الإسلام وأخلاقه وشرعته

كل ذلك للإسلام، وللمسلمين الذي يعملون بهذا الإسلام ومقتضيات شريعته. إن الطريق إلى النصر هو نفس الطريق إلى دعوة الناس أن يكونوا مسلمين، هو تربية أنفسنا أولاً، ثم تربية مجتمعاتنا على قيم الإسلام وأخلاقه وشرعته، ومن قبل كل ذلك عقيدة التوحيد فلا شيء في القلب سوى الله تعالى، إن النصر حتمي وهو واقع بنا أو بغيرنا، سبيله العمل والتطبيق والقرب من الله حتى لو كنت وحدك، فما احتاج الحق يوماً لنصرة الكثرة، وإنما لنصرة المؤمنين ولو كانوا قلة! وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله! فاستبشروا بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

عن رمزية عهد التميمي وتبرّجها

أغبياء نحن إلى حد السخف حين نحطم رموز قضايانا الإسلامية والقومية والوطنية باحثين عن أي …