أنا

5989637

لم يكن العقّاد الكاتب الوحيد الذي كتب قصة حياته، ولكنه كان لا شك الوحيد على الإطلاق الذي وصل به اعتداده بنفسه أن يسمي كتابه باسم: "أنا"، وجاء كتابه فريدًا كعنوانه، فهو يحكي فيه عن جوانب كثيرة من حياته وشخصيته وعائلته، كما يتطرق خلال ذلك بالتحدث عن مواضيع شتى: كالعقيدة والصداقة والحب، فحتى من لا تستهويهم قراءة السير الذاتية، سيستفيدون من فلسفة العقاد، وعمق تفكيره وخواطره وأفكاره.

مع الكتاب:

قسَّم العقاد الكتاب لتسعة فصول أساسية غير مُعَنْونَة، غير أن كل فصل احتوى على عناوين جانبية تتعلق بموضوع واحد، ففي أول فصل –مثلًا- يبدأ بالتحدث عن نفسه، ثم يتطرق للحديث عن والديه وأساتذته، وهكذا دواليك في بقية الفصول.

لا يدخل العقاد في تفاصيل كثيرة ودقيقة عن حياته، بقدر ما يحلل الجوانب القليلة المحدد التي يذكرها، فمثلًا، حينما يتحدث عن نفسه و"ظنه بالناس" يقول:

"وأَعجَب ما عرفته عن نفسي أنني أسيء الظن بالناس؛ لأنني أحسن الظن بهم، فأول ما يخطر لي على بال أن أتهم من يقترف عملًا من الأعمال المنكرة بسوء النية وتعمّد الإساءة؛ لأنني لا أحسب أن إنسانًا عاقلًا يقع في خطأ جسيم عفوًا، أو جهلًا بالفرق بين الحسن والقبيح".

كذلك من الطريف في الكتاب هو ذكره لعيوبه ونقاط ضعفه؛ ليستفيد منها القراء، وهي عادة الأمور التي يتلافى ذكرها الناس بصفة عامة، وأصحاب السير الذاتية بصفة خاصة عند الحديث عن أنفسهم، فيذكر العقاد الصعوبة التي يواجهها في تغيير الأماكن التي اعتاد على ارتيادها، أو العادات التي ألفها، فيحكي -مثلًا- أنه حين انتقل للعيش في مدينة جديدة حين كبر، فإنه ظلّ يرتاد دكان الحلاق القديم في المدينة التي كان يقطن فيها؛ لأنه ذات الحلاق الذي ظلّ يتعامل معه على مدى عشرين عامًا!

كما يتطرق في أواخر الكتاب لتحليل الحالة النفسية للإنسان وتطورها على مر الأعوام، بحيث يكون الإنسان حالمًا في شبابه، ثم يجنح للواقعية حين يكبر في السن، وكيف كان هو -على عكس كثير من الناس- واقعياً في شبابه، خياليًا في أربعينياته.

وتحدث العقاد بطبيعة الحال عن انطوائه الذي اشتهر به، وربما يكون هذا ما أكسبه الثقة في نفسه، فيقول في فلسفة عجيبة عن "محاولة إرضاء الناس":
"وعرفت أن الذين أُسخِطُهم لا يرضيهم عني شيء، وأن الذين أُرضيهم لا يسخطهم علي شيء، فلا فائدة إذاً من اتقاء السخط، ولا من اجتلاب الرضا؛ لأن الذين يسخطون علي يرجعون إلى خلائقهم التي لا تتغير، والذين يرضون عني يعرفونني من عملي الذي يرتضونه، ولا يريدون مني شيئًا سواه".

ومن الأمور الشخصية التي ذكرها العقاد هي تحدثه عن إيمانه وعقيدته، وفلسفة الإيمان والعقيدة في الحياة بصفة عامة، كما أطلعنا على حقيقة كرهه للوظائف الحكومية التي كانت تعتبر من الكنوز في عصره، لدرجة أنه من كان يتخرج ويحصل على وظيفة حكومية، فكأنه ملك الدنيا بأسرها، أما هو فكان يرى الموظف "رقيق القرن العشريـــن"، وإنما كان يحدد ساعاتٍ للعمل في المنزل، ويقسّمها بين القراءة والكتابة، وكان هذا نظام حياته كلها، علاوة على أنه على انطواء شخصيته، غدا واسع الثقافة والاطلاع، مولعًا بالسفر ومتقنًا لبعض اللغات الأجنبية ومنها الإنجليزية، وقد ذكر تفاصيل ذلك في الكتاب حتى يستفيد غيره من تجربته في التعلم.

ورغم أن العقاد لم يتزوج قط، إلا أنه يعتبر من أحكم الأدباء الذين تكلموا عن المرأة والحب، فيقول عن شأن الحب بصفة عامة:

"الرجل الذي يحبه جميع الناس لا يحب جميع الناس؛ لأن المحب يصادق ويعادي في سبيل المحبوبين، ومن صادق وعادى لم يسلم من الأعداء".

عملاق هو العقاد في سيرته الذاتية، كما كان عملاقًا في الأدب والفلسفة والثقافة، في كتابه "أنا"، لا يُعرِّف العقّاد بنفسه فحسب، وإنما يُعيد تصحيح الكثير من المفاهيم عن نفسه وطباعه، وفي ذات الوقت يستحث القارئ ليقوم بذات الشيء مع نفسه؛ ليعرفها ويتقبلها أكثر، ويحسن التعامل معها بشكل أفضل، بغض النظر عن آراء الناس، تمامًا كما فعل هو.

مع المؤلف

  • من مواليد أسوان ـــ مصر سنة 1889، وتُّفي في القاهرة عام 1964.
  • أديب، ومفكر، وصحفي، وشاعر، مصري، وكان عضوًا سابقًا في مجلس النواب المصري، وعضو في مجمع اللغة العربية.
  • يعد أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر، وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والفلسفية والإسلامية، وله أكثر من مئة مؤَلَّف.
  • اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية فقط. وكان مع هذا موسوعي المعرفة، فكان من العصاميين وعلم نفسه بنفسه وعُرف لهذا بالعملاق.
  • اشتغل مدة في الوظائف الحكومية ولكنه نبذها كلها وكرس حياته للقراءة والكتابة.
  • من أبرز مؤلفاته النثرية: العبقريات، والديمقراطية في الإسلام. ومن دواوينه الشعرية: وهج الظهيرة، وهدية الكروان، وأشجان الليل. وله رواية وحيدة بعنوان: سارة.

معلومات الكتاب

اسم الكتاب: أنا
اسم المؤلف: عباس العقاد
الناشر: دار الكتاب اللبناني – بيروت
عدد الصفحات: 300

كتب ذات صلة بالموضوع

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

القراءة الذكية .. كيف تقرأ بذكاء، بسرعة، وبإدراك كبير؟!

يقول عباس العقاد: (إنّ القراءة لم تزلْ عندنا سخرة يُساق إليها الأكثرون طلباً لوظيفة أو …