الاشتغال بالوسائل عن الغايات (2-2)

الرئيسية » خواطر تربوية » الاشتغال بالوسائل عن الغايات (2-2)
job-work818
إن الخطوة الأولى لاتخاذ قرارات رشيدة في حياتك هو أن تعيد النظر في مفاهيمك وتصوراتك عن نفسك ومفردات حياتك ، وأن تعيد ترتيب أولوياتك وتعطي لكل أمر حجمه وقدره الطبيعي، من حيث كونه وسيلة عون وأمانة مسؤولية واختبار تمحيص.

فأن تكون الدنيا بوسائلها في يدك لا في قلبك، هو التقدير الحقيقي لها بغير تفريط ولا إفراط، تحديد هذا في البداية هو تحديد للرؤية الكلية لمسارك أو إطار حركتك في الحياة، مما يعينك بالتالي على قرار متى تتنازل وتكون مرناً، ومتى تثبت ولو ضاعت "فرصة"، فمثلاً لن تتكالب على "طحن" نفسك في وظيفة بساعات عمل إضافية؛ لأجل الترقية التي يتنافس عليها الكل، إذا كانت الوظيفة بالنسبة لك مجرد مصدر كسب يكفيك؛ لتتفرغ لعمل أهم بالنسبة لك، كالكتابة والتأليف، أو التطوع، أو التربية أو غيرها.

وعندما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المال بأنه "حُلْوةٌ خضِرةٌ"، لم يكن القصد الثناء عليه بوصفه غاية، بل بيان خطره كوسيلة نقلبها لمطلب بذاتها، فهو خضرة؛ لأنه ماء الحياة وباعث النماء فيها، وهو حلو تستطيع حلاوته أن تجعل الحياة بهيجة، لكن هذا يتوقف على تعاملك معه، بأخذه من حِله ووضعه في حقه، "المال ليس وسيلة متاع فحسب، بل هو بوسائل تحصيله وسبل إنفاقه شاهد على نوع الحياة التي يحياها صاحبه، وله كلمة فاصلة في تقرير مصير هذه الحياة، فالمال الذي يدخل جيوبنا ثروة ويخرج منها نفقة ليس مجرد صفقة، بل إنه سيكون علينا شهيداً" (كما تحدّث الرسول – خالد محمد خالد)

عندما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المال بأنه "حُلْوةٌ خضِرةٌ"، لم يكن القصد الثناء عليه بوصفه غاية، بل بيان خطره كوسيلة نقلبها لمطلب بذاتها

ليس من بأس في الادخار المشروع والكسب المشروع، ولمّا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "يا رسول الله، ما أسلَمتُ من أجلِ المالِ، ولَكِنِّي أسلَمتُ رغبةً في الإسلامِ، وأن أَكونَ معَ رسولِ اللَّهِ"، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (يا عَمرو، نِعمَ المال الصَّالح للمرءِ الصَّالحِ) (رواه أحمد)، لكن البأس كل البأس أن يصير الكسب غاية لا سبباً، وأن تعتقد أنك أنت "ترزق" نفسك بعملك، ويصير المال سيداً مستبداً لا خادماً مطيعاً، فتفتح على نفسك أبواب شرهٍ وطمعٍ في أذيالهما الشقاء المقيم والعقيدة المتداعية، وفي تتمة الحديث: (إن هذا المال حلوة خضرة، فمَن أخذَهُ بسَخاوةِ نفسٍ، بورِكَ لَهُ فيهِ، ومن أخذَهُ بإشرافِ النَّفسِ، لم يُبارَكْ لَهُ فيهِ، وَكانَ كالَّذي يأكُلُ، ولا يشبَعُ) (البخاري).

ليس من بأس في الادخار المشروع والكسب المشروع ، لكن البأس كل البأس أن يصير الكسب غاية لا سبباً، ويصير المال سيداً مستبداً لا خادماً مطيعاً

العبرة بما وقر في القلب ورسخ في النفس في التعامل مع المال وغيره من أدوات الامتحان ، فسخاوة النفس هي القناعة والاعتدال والتعفف في الطلب، وأخذ المتاع من حله ووضعه في حقه، وأما المذموم فهو إشراف النفس، أي الحرص والتلهف والتكالب في الجمع، والجزع والشح والضن بالمكنوز، فذاك الذي مهما أكل لا يشبع، هذا ما قصده المصطفى صلى الله عليه وسلم : (ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفسِ) (البخاري)، فإذا وقفنا عن حدود الله وحقه في التعامل مع المال والثراء وغيرهما من الأدوات، كانت حقاً حلوة خضرة، ونِعْم الوسيلة الصالحة للمرء الصالح، أما إذا تخطينا حقيقتها كأدوات ومتاع المقصود بها العون على السبيل، لا أن تكون هي غاية السبيل، فيبدأ التكالب على تحصيلها والشغف بأسبابها، والتهالك في كنزها، كأننا لها مخلّدون، فحينئذ لا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، وحرصك على ذلك لن يزيد في المكتوب لك من الرزق شيئًا، لكنه سيحل عقيدتك من قلبك عقدة عقدة، ويفقدك مذاق الحياة الطيبة، وسكينة النفس وشرفها وعزتها.

حرصك على الدنيا لن يزيد في المكتوب لك من الرزق شيئًا، لكنه سيحل عقيدتك من قلبك عقدة عقدة، ويفقدك مذاق الحياة الطيبة، وسكينة النفس وشرفها وعزتها

إذاً، مفهومك للفرص، وميزانك للتنقل بينها يختلف تماماً بتحديد الأقدار وترتيب الأولويات، وبغير التوقف عندهما تتحول الحياة للعبة "بنك الحظ"، حيث تجميع المال للمال، وتكديس المقتنيات لمجرد التكديس، والتنافس للفوز من أجل الفوز وفقط، فتنقلب الوسائل لغايات وتصير هي الأولويات، وتتلاشى معالم الغاية الكبرى في غفلة منك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …