الحزبية.. هل هي حقاً محرمة شرعاً؟

الرئيسية » بصائر الفكر » الحزبية.. هل هي حقاً محرمة شرعاً؟
muslims5

يكثر بعضهم من ترديد ذم الحزبية والحزبيين، مشددًا على أن الإسلام يرفضها وينبذها، وناعتاً كل من يخالفه بـ"الحزبي" على سبيل الذم والتنقيص، حتى قال أحدهم لمريديه: "لا تخالطوا حزبياً"، وقال آخر لتلامذته: "إياكم والحزبية فإنها مسّاخة"، وألقى ثالث محاضرة بعنوان "فرَّ من الحزبية فرارك من الأسد"! مع أن الحزب يعني "الجماعة من الناس" فلا أدري أي ذمٍّ في اجتماع الناس على شيء ما، إلا أن يكون الشيء المجتمَع عليه هو المذموم، فيكون ذم الاجتماع عليه تبعاً له، لا لمطلق الاجتماع.

قال ابن فارس في "مقاييس اللغة": "حَزَبَ، الحاءُ والزاء والباء أصلٌ واحد، وهو تجمُّع الشيء. فمن ذلك الحزبُ الجماعةُ من الناس، قال الله تعالى: (كل حزب بما لديهم فرحون)، والطائفة من كل شيء حزب، يُقال: قرأ حزبه من القرآن. والحِزباء: الأرض الغليظة. والحَزابية: الحمار المجموعُ الخَلْق".

فالحزبية في حد ذاتها ليست مذمومة، وهي -في صورها وأشكالها المتعددة- ممارسة طبيعية للبشرية المستخلفة في هذه الأرض، بل إن الإسلام يحض على الاجتماع وعدم التفرق، وإنْ كنا عدمنا أن يجتمع المسلمون تحت راية واحدة، ليحكمهم خليفة واحد؛ فليس أقل من أن يجتمعوا في جماعات تنظم دعوتهم، وتوجّه طاقاتهم، وذلك خيرٌ ألف مرة من التفرد.

الحزبية في حد ذاتها ليست مذمومة، وهي -في صورها وأشكالها المتعددة- ممارسة طبيعية للبشرية المستخلفة في هذه الأرض، بل إن الإسلام يحض على الاجتماع وعدم التفرق

يستشهد بعض المتحمسين لفكرة رفض "الحزبية" بقوله تعالى: {إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيَعاً لستَ منهم في شيء} [الأنعام: 159]، وبقوله تعالى: {ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31-32].

أما الآية الأولى؛ فقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "فارقوا دينهم"، وقرأها ابن مسعود رضي الله عنه: "فرّقوا". قال الإمام الطبري في توجيه ذلك: "وكأن علياً ذهب بقوله (فارقوا دينهم)؛ خرجوا فارتدوا عنه، من (المفارقة)...

وكأنّ عبدالله تأوّل بقراءته ذلك كذلك (أي فرّقوا) أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرّق ذلك اليهود والنصارى، فتهوّد قومٌ، وتنصَّر آخرون، فجعلوه شيعًا متفرقة".

وعلى القراءتين كلتيهما؛ فإن المقصود من الآية عقد المفاصلة بين الإسلام والشرك، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته من جهة، وبين المشركين وأهل الكتاب المحرفين ودعوتهم من جهة أخرى، وليس لها علاقة بذم الحزبية في إطار الإسلام، فهي تقول للنبي عليه الصلاة والسلام: إنك وما تحمله من رسالة شيء، وهؤلاء المفارقين المفرقين لدينهم شيء آخر.

يقول الإمام الطبري بعد ذكره للقراءتين المشار إليهما آنفاً: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأتْ بكل واحدة منهما أئمةٌ من القَرَأة، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه، وذلك أن كل ضالّ فلدينه مفارق، وقد فرّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده، فتهوّد بعض، وتنصّر آخرون، وتمجّس بعض، وذلك هو (التفريق) بعينه، ومصير أهله شيعاً متفرقين غير مجتمعين، فهم لدين الله الحقّ مفارقون، وله مفرّقون. فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مصيب".

أما الآية الثانية؛ فهي تنهى المسلمين عن أن يكونوا من المشركين الذين فرّقوا دينهم، "أي بدلوه وغيّروه، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض" كما قال ابن كثير، مضيفاً: "وقرأ بعضهم (فارقوا دينهم) أي تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام".

وهم عندما فعلوا ذلك، أي فرّقوا دينهم وفارقوه؛ دبّت بينهم الفرقة، فأصبحوا شيعاً وأحزاباً، فالآية تشير إلى أحد مآلات تفريق الدين ومفارقته، وهي الاختلاف والتشتت والتحزب على الباطل، وليس فيها ذمٌّ لأصل "التحزب" الذي هو ممارسة إنسانية طبيعية؛ نظّمها الإسلام ولم يُلغها، والقبائل التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي من أشد صور الحزبية وضوحاً وصرامة، ومع ذلك فلم يأمر الإسلام بحلّها للاندماج في حزب واحد، وإنما عالج آثارها السلبية التي تكتنف الجماعة كما تكتنف الفرد.

بل إن حزبي المهاجرين والأنصار - إن صحّ التعبير، بل هو يصح - تشكَّلا في العهد النبوي، ولكن حينما أوشكت هذه الحزبية أن تقع في حفرة التعصب الأعمى؛ وقف النبي صلى الله عليه وسلم حائلاً بينها وبين ذلك، ففي الحديث المتفق عليه أن جابراً رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب معه ناسٌ من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجلٌ لعّاب، فكسَعَ أنصارياً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعَوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بالُ دعوى أهل الجاهلية؟"، ثم قال: "ما شأنهم؟"، فأُخبرَ بكسعة المهاجريِّ الأنصاريَّ، قال جابر: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها خبيثة".

الحزبية بحد ذاتها شكلٌ من أشكال التجمّع -ولو جزئياً-، ولكنها حين تخرج عن المقصد الذي أنشئت من أجله لتصبح معول هدم وتفرقة واختلاف لأمة مجتمعة؛ فإنها حينئذ تستحق الذم، لا لكونها حزباً، وإنما لأنها تحولت عن مقصدها الحميد

ويلتقي في المعنى مع الآيتين السابقتين؛ قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، أضف إلى ذلك أن الحزبية بحد ذاتها شكلٌ من أشكال التجمّع -ولو جزئياً-، ولكنها حين تخرج عن المقصد الذي أنشئت من أجله لتصبح معول هدم وتفرقة واختلاف لأمة مجتمعة؛ فإنها حينئذ تستحق الذم، لا لكونها حزباً، وإنما لأنها تحولت عن مقصدها الحميد.

وأمة الإسلام لو كان فيها أحزاب متعددة الأسماء والأشكال التنظيمية؛ إلا إنها تبقى أمة واحدة، وحزب واحد هو حزب الله تعالى المعتصم بكتابه سبحانه، المتفق على دلالاته القطعية، غير الخارج عن دلالاته الظنية إلى ترهات ليس لها قوائم، فلا تعارض البتة بين أن تكون الأمة حزباً واحداً، وبين أن يكون هذا الحزب الكبير منقسماً في أشكاله التنظيمية إلى أحزاب صغيرة، لا يطغى أحدها على الآخر، ولا يجور ولا يهجر.

وللحديث بقية..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وصحفي في جريدة "السبيل" الأردنية، باحث في شؤون الحركات الإسلامية.

شاهد أيضاً

الإسلام وقضية الصراع السياسي والاجتماعي… دروس من دولة المدينة

تُعتبر دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، المرجع الأهم لأية طليعة إسلامية تبحث في الأسس …