كيف تغرس حق العودة وحُب الوطن في عقل طفلك؟

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » كيف تغرس حق العودة وحُب الوطن في عقل طفلك؟
palestine-child

كثيراً ما يطلب "أحمد" من جدته أن تعُيده إلى يافا بحكاياتها عن تفاصيل الحياة فيها قبل التهجير والنزوح، فتقص عليه بعضاً من مشاهد حياة الدلال التي عايشتها في يافا وتبين له مكان بلدتها على خريطة فلسطين، وتؤكد له أن الحياة كانت رائعة بحب ودفء مشاعر سكان يافا القديمة، وتُشير له أن بلدة يافا خلت إلا من بعض السكنات وبقية الأرض كانت على مرمى البصر مزروعة بأشجار البرتقال والعنب والتين والليمون.

يقول "أحمد" أنه كلما سمع بجمال وروعة وطنه الأصلي ومقارنته مع ما يعيش عليه الآن يحن إلى أن يشتم رائحة تراب وطن أجداده، ويضيف أنه لن يتنازل عن حلمه بالعودة خاصة وأنه ما زال يحتفظ بمفتاح بيت أجداده.

كثيرةً هي الأشياء التي يجب أن نعلمها لأطفال هذه الأمة التي تدّعي إيمانها بالقضية الفلسطينية، إنّ فكرة أن نُعلم أبناءنا التاريخ كما يجب أن يكون وأن نربط قلوبهم بحب وطنهم ومقدساتهم وحقهم بالعودة إلى ديارهم التي هُجّر أجدادهم منها مسؤولية تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، فكيف يمكن أن نغرس في عقول أطفالنا حقهم بالعودة، وكيف نربط قلوبهم بها؟ وما هي الأنشطة التي تحفزهم وتغرس حب #العودة عندهم؟ وكيف يمكن تبسيط المفاهيم الوطنية لهم؟

ضرورة تبسيط مفهوم الوطن

الأخصائية الاجتماعية إيمان كامل: قبل حديثنا عن الوطن يجب أن نُبسط للطفل مفهوم الوطن حتى ينشأ وهو يعرف أين نبتت جذوره؟ وما الذي أبعده عن موطنه؟ وكيف يعود؟ وحتمية العودة

من جهتها، تقول إيمان كامل الأخصائية الاجتماعية في حديثٍ لــ"بصائر":" إننا نستطيع غرس حق العودة في عقول أطفالنا بربطهم بوطنهم بكثرة الحديث عنه، وعن الملاذ الآمن"، موضحةً أنه قبل حديثنا عن الوطن يجب أن نُبسط لهم مفهوم الوطن حتى ينشأ الطفل وهو يعرف أين بتت جذوره وما الذي أبعده عن موطنه وكيف يعود وحتمية العودة.

وأضافت أنه إن فهم الطفل معنى الوطن صار من السهل أن نُعرّفه حقوقه ومنها: الحق في استرداد ما هو له، ألا وهو عودته لدياره التي هُجّر منها قسراً .

أنشطة تغرس حب العودة عند الأطفال

وأشارت كامل– وهي أم مُهتمة بالتعليم النشط مع أطفالها- إلى أنّ الهوية الوطنية والقيم تتشكل عند الطفل حين يشعر بها، وعندما يكون كل ما حوله يدله على وطنه، لافتةً إلى أن هناك بعض الأنشطة التي يُمكن أن تستعين بها الأمهات لتغرس في نفوس أبنائها حب العودة وذلك يتمثل بوضع خارطة فلسطين على حائط المنزل، ورواية قصص التهجير المؤثرة، ووضع بعض من تراب الديار في مكانٍ خاص، واستخدام مجسمات معينة تتعلق بأشجار الزيتون أو استخدام الطين والرمل أو حتى مفتاح المنزل، وتعريف الطفل بأسماء المدن، وتعليق لوحات الحنين، وتحفيظ الطفل بعض أناشيد الوطن، وعمل بعض المجسمات التي تشد الطفل لطرح التساؤلات حولها.

ونوهت كامل إلى أنه يجب متابعة أخبار فلسطين وأي أحداث أو انتهاكات تدور فيها من قِبل الاحتلال وتبسيطها للأطفال، مُبينةً أن أقرب مثال هو "مسيرة العودة" التي انطلقت في الثلاثين من مارس الماضي وما زالت مستمرة، وشرحها للطفل بشكلٍ سلس وربطها بأمثلة يستوعبها الطفل حتى يكون على اطلاع بكل ما يحدث في وطنه، على حد تعبيرها.

واسترسلت "حببوا أطفالكم وشجعوهم على حفظ سورة الإسراء وفسروها لهم تفسيراً مبسطاً، واجعلوا في بيوتكم حصالة للتبرع لأطفال فلسطين وللقدس، وانشروا رموز فلسطين كالعقال والكوفية والملابس، وعرفوهم بالعلماء والزعماء والشهداء، علموهم أن الحفاظ على الوطن والتضحية لرفع شأنه سمة واجبة يجب التحلي بها.

أهمية تربية الطفل على الأسس الوطنية

وحول أهمية تربية الطفل على الأسس الوطنية، أكدت كامل على أن ذلك يعمل على صقل شخصيته، ويزيد من ثقته بنفسه وانتمائه لوطنه حتى في الغُربة، مُشددةً على أن معرفة هذه الأسس الوطنية كان نتاج أُسس حياتية تربى عليها، وهي دليله الذي يهتدي به في حياته العملية، فهو يتعلم الانتماء والحفاظ على حقه الشخصي والمطالبة فيه والولاء ليمارسه دوماً تجاه وطنه.

كيف يمكن تبسيط المفاهيم الوطنية

وفيما يخص كيفية تبسيط المفاهيم الوطنية وخاصة حق العودة في مرحلة ما عند الطفل حتى تترسخ عنده ويستوعبها، ذكرت كامل أنّ المفاهيم الوطنية من الأجدر بنا أن نبسطها للطفل حتى يستطيع تقبلها وفهمها وممارستها، مُشيرةً إلى أنه في الوقت الذي يدرك فيه الطفل انتماءه لعائلة صغيرة تهتم به ويهتم بها سيُدرك أن هناك وطن عليه الاهتمام به.

وتابعت: "حين يشعر الطفل بالأمان في بيته ولا يجد راحته إلا فيه وبين أهله مهما طال انشغاله بالخارج فهو يعود إلى بيته في نهاية اليوم، سيشعر حينها أن الوطن مهما عشنا غرباء بعيدين عنه ومنعنا الاحتلال والحواجز والمسافات إلا أنّه لن تهنأ لنا حياة إلّا على أرضه وتحت سمائه".

وأردفت قائلة: "حين يتعلم الطفل أنه مهما ابتعد عن بيته وطال الطريق فهناك طريق يحفظه عن ظهر قلب لا يضل عنه أبداً، سيحفظ حدود وطنه وتفاصيله وخارطته يبقيها محفورة بذاكرته ليهتدي يوماً إلى بيته الكبير (الوطن) كما يهتدي إلى بيته الصغير".

وبينت كامل أنه حتى لا تبقى الشعارات نظرية، تقوم مثلها كمثل أي مغترب فلسطيني بأنشطة لتقرب أطفالها من الوطن، منها: الاستماع إلى أناشيد الوطن وحفظها، والتحدث عن الوطن وسرد القصص التي عايشتها لهم لتجعلهم كأنهم عاشوا التفاصيل معها، تزيين البيت بخارطة فلسطين وتعليمهم رسم الخريطة وتحديد المدن الفلسطينية عليها، واصطحابهم إلى كل المؤتمرات والفعاليات التي تُقام حتى يؤمنوا بقضيتهم، وحثهم في كل الأنشطة المدرسية أن لا يتوانوا في التعريف عن أنفسهم ووطنهم.

غرس حب الوطن يقطع الطريق أمام الغزو الفكري

الأخصائي النفسي زهير ملّاخة: إذا غرسنا في الأطفال معنى الغيرة على الوطن والعمل من أجل الآخرين نكون نحن قد شعرنا بالطمأنينة والأمان بأنه سيكون غيوراً على دينه وماله ووطنه وبالتالي نقطع الطريق أمام أي غزو يريد تفتيت هذه الفكرة وأي ثقافات دخيلة

من ناحيته، قال زهير ملاّخة الأخصائي النفسي ومدرب التنمية البشرية: "إن أهمية تربية الطفل على الأسس الوطنية تكمن في الحفاظ على الإرث الوطني والحفاظ على رسالة الشعوب لأوطانهم، وتحقيق الانتماء والولاء ونقل الرسالة من الأجداد الى الأبناء واستمرار هذه الرسالة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".

وأضاف أن "تربية الأبناء على العطاء وعدم انتظار أي مقابل فتلك أهمية التربية الوطنية في الأجيال حتى يحافظوا على مقدساتهم ونغرس فيهم المعاني الجميلة"، موضحاً أنه إذا غرسنا في الأطفال معنى الغيرة على الوطن والعمل من أجل الآخرين نكون نحن قد شعرنا بالطمأنينة والأمان بأنه سيكون غيوراً على دينه وماله ووطنه وبالتالي نقطع الطريق أمام أي غزو يريد تفتيت هذه الفكرة وأي ثقافات دخيلة.

تشكيل الرسالة بحسب طبيعة الطفل وعمره

وتابع ملاخة "حتى تصل الرسالة للأطفال بمختلف أعمارهم لا بُد أن نُشكل هذه التربية بحسب طبيعة الطفل وفكره وعمره واستيعابه ، وندخل في تعلم القيم الوطنية باللعب، ونحول رسم الأطفال إلى رسم المقدسات وخريطة فلسطين، ونحاول أن نشغل عقول أطفالنا بقصص الصحابة والتابعين والنماذج البطولية لهم، ولمناضلي ومجاهدي فلسطين، وهذه الجوانب نشكلها بحسب طبيعة الطفل وفكره والأشياء المُحببة له".

وأكد ملاّخة أنه في مراحل الطفولة المبكرة يمكن استخدام الأنشطة والحركة والرسم والألعاب الجماعية حتى نوجد الثقافة في عقلية الطفل فيتعرف على حيفا وعكا عن طريق الرسم، كما نحاول تعزيز الأشياء المرئية والسمعية فيرى الطفل وطنه وخيراته والأماكن الجميلة في أرضه المحتلة ونحاول أن نعزز الولاء عند الطفل لوطنه ويعرف أنه في محتل غاصب احتل ارضه.

وأردف قائلاً:" وعندما يكبر أكثر نستخدم معه القصص المقروءة وأبيات الشعر، ونحاول التعرف على مواهبه فمثلاً إن كان يحب الخطابة نركز على الأشياء الوطنية من خلال الخطابة، وإن كان يحب إلقاء الشعر نستغل القصائد الوطنية في إلقاء الشعر عند الأطفال، وفي مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة نحاول عمل اسكتشات مسرحية نعزز فيها القيم الوطنية".

دور ولي الأمر والمعلم

وذكر أنه يجب على ولي الأمر في البيت أن يجعل القصص التي يرويها تتضمن قصة عن الوطن، أو عن شهيد أو أسير، وأن تعلق صور الشهداء والمجاهدين.

وذكر ملاخة أنه يجب على المُربّي في المدرسة أن يحاول في كل درس أن يكون من ضمن أهدافه تعزيز قيمة وطنية في شخصية الطفل حتى نستطيع فعلاً أن نشكل ونعزز هوية الطفل  حتى في الأمور الرمزية، فمثلاً في الروضة عندما نُلبِس الطفل الزي الفلسطيني فهذا من الأدوات التي تعزز هوية الطفل وحب الوطن، كما يمكن استخدام وسائل فنية كإعطاء الطفل بعض البذور يزرعها، والقول له أنها كانت موجودة في أرضنا، وتمثيل دور الأرض وكيف تم احتلالها أو من خلال مسرح العرائس فهي مفيدة ويحبها الأطفال وتساعدهم على حفظ المعلومات.

التربية المجتمعية وصلابة الأسرة أفشلت برامج تذويب الهوية الوطنية

وأكد ملاخة أن أطفال فلسطين بالفطرة والتربية المجتمعية والتلقائية أصبحوا يتحدثون عن القدس والوطن وصفقة القرن ومؤامرات العرب والغرب تجاه القضية الفلسطينية، لافتاً إلى أن هذه المشاهد التي نراها وهذا الحديث ما وُجد من فراغ، فلو تربى الأبناء على الجُبن والأنانية ودناءة الأخلاق وحُب الذات وليس حب الوطن لما رأينا هذه المشاهد التي ترفع الرأس وهي اليوم حاضرة بقوة في الإعلام صورةً وقولاً.

وختم ملاخة حديثه بالقول:" إن هناك الكثير من البرامج والأفكار التي دخلت مجتمعنا كان هدفها تذويب الإرادة والقيم والهوية الوطنية تدريجياً عند أطفالنا لكنها بفضل الله فقدت قيمتها ولم تُحقق أهدافها أمام صلابة الأسرة الفلسطينية"، منوهاً إلى أهمية المتابعة الدائمة للأبناء في مناهجهم ومدارسهم وأصحابهم والمؤسسات التي يذهبون إليها وأن تكون المتابعة والملاحظة حاضرة بقوة حتى نحصن أولادنا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

مساعدة المكروب… سر البركة ودوام النعمة!

تذكر "سميرة" أنها ذات يوم عاشت ضيقة ذات اليد، بعد سنين طويلة من اليسر ووفرة …