لا تُكلف إلا نفسك

الرئيسية » خواطر تربوية » لا تُكلف إلا نفسك
A Muslim man reads the Koran during the holy month of Ramadan in

تستمر الحياة فينا بعوارضها وحقائقها، فيموت خلق ويولد غيرهم، يأسى البعض ويحزن، وغيرهم يتقلب في الأفراح والمسرات، ومسيرة الحياة مستمرة لا يوقفها موت، ولا يزيد من عمرها أمل، ولا ينقصها ألم، وغاية الله من الخلق قائمة فينا منذ أن شاءت إرادته أن يوجد على هذه الأرض خليفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة، آية:30]، فينتهي موسم الزرع ليأتي موسم الحصاد ويجني الإنسان ثمار ما زرع.

غاية جليلة وشريفة لم يتركها الله لأهواء البشرية وتقديراتهم، بل أرسل الرسل للدعوة إلى الله، وتوضيح السبل والمعالم التي توصلك إلى بر النجاة؛ إذ يقول تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد، آية:25]، وأوضح جلّ شأنه مراده من الخلق كله، فلم يجعلك تتخبط في دوامة من الحيرة، لتكتشف بقدراتك الواهنة الضعيفة القاصرة ما يريده منك كربٍّ أنت عبده، وهو سيدك ومولاك، بل أوضح لك الغاية والمراد من خلقك، فيقول جل شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، آية:56].

وبيّن لك السبل وهيأك بكل الأسباب الموصلة لذلك، فما عليك إلا أن تستصلح تربة زرعك التي هي نفسك، وتتعهدها بما أمدّك به من قوة وحيلة، وتبذر البذر الذي يعود عليك بالأثر الطيب في الدارين {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [سورة الشمس، آية:9].

والرسالة السماوية السامية التي تدعوك لتحقيق العبودية في سير حياتك إنما تمتد وتستمر فينا استمرار الحياة، لم تتأثر بموت بشر، ولا بإنكار مُنكر، ولا بجحود كافر، وإنما الذي يتأثر بذلك سلباً أو إيجاباً إنما هي البشرية بأفرادها وجماعاتها، فبقدر ما يكون لها نصيب من هذه العبودية التزاماً وتحقيقاً يكون نصيبها من الرفعة والرقي والتقدم، وبالقدر الذي تنكره وتخالفه يعود عليها وبالاً وحسرة وندامة بل وتخلفاً.

بقدر ما يكون للبشرية نصيب من هذه العبودية التزاماً وتحقيقاً يكون نصيبها من الرفعة والرقي والتقدم، وبالقدر الذي تنكره وتخالفه يعود عليها وبالاً وحسرة وندامة بل وتخلفاً

وكم ننفق من أعمارنا في سبيل تصحيح مسار أحدهم! وتنفطر قلوبنا أساً وألماً على من ضلّ سبيله، وتخبط في سعيه، وقد ننفق من أوقاتنا وأعمارنا في ذلك ما يجعل المرء منا يغفل عن نفسه التي بين جنبيه، وينسى تعهد قلبه، وقد جهل بداية أنه لا بد أن يتعلم السباحة حتى يستطيع إنقاذ نفسه أولاً في خضم هذه الحياة، وبالتالي إنقاذ غيره، وأنّ المرء لا بدّ أن يبذل من نفسه لنفسه أولاً، حتى إذا تشبع فكره وقلبه بهذه العبودية التي أراده الله لها، فاضت على سلوكه وخُلقه وسائر جوارحه، فأصبح كما المصباح المنير في ذاته ولمن حوله، متحققاً في ذلك بقوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [سورة النساء، آية:84]، فكم منا من غفل نفسه وضيعها! ومن ضيع نفسه كان لغيره أضيع، والله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه الكريم: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [سورة فاطر، آية:8] ، {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [سورة الشورى، آية:48]، وبعد أن تتشرب ذرات كيانك من هذه الدعوة تصبح كما النور يفيض على غيره، ونورك ينحصر بأن تبين لغيرك معالم الطريق وتدعوه لسلوكها.

إن المرء لا بدّ أن يبذل من نفسه لنفسه أولاً، حتى إذا تشبع فكره وقلبه بهذه العبودية التي أراده الله لها، فاضت على سلوكه وخُلقه وسائر جوارحه، فأصبح كما المصباح المنير في ذاته ولمن حوله

فالمطلوب منا كعبيد لله أن تتحقق هذه العبودية في سكناتنا وحركاتنا، حتى إذا استقامت بها نفسك، وأقيم بها أود قلبك، قمت تدعو لربك وتبلغ بقدر طاقتك، وفي محيطك لا تتكلف في ذلك إلا ما أوتيت من وسع وطاقة، ثم لا تلتفت ولا ترقب نتائج ذلك، فإنما الأمر بدايته ومنتهاه إلى الله تعالى، يضع قبولها في قلب من شاء، وقتما يشاء: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة القصص، آية:56]، ولن تُسأل أو تحاسب على النتائج، فقد كفاك الله هم هذا، وما قصص السابقين من الأنبياء والتي وضعها الله لنا نماذج في كتابه العزيز نتعبد بها على مدار حياتنا إلا لغاية، فلا تنحصر العبادة فقط في تلاوة خالية من التفكر والتدبر، وإنما اتباع سبلهم، وتقفي أثرهم، والتفكر في سِيَرِهم عبادة كثير منا من يغفل عنها، ومن النماذج التي وضعها الله بين يدينا لأخذ العبرة منها في مسير الدعوة إلى الله:

-النموذج الأول: نوح ولوط عليهما السلام، فكان من أول المعارضين لدعوتهم وأشد المنكرين الجاحدين لهم زوجاتهم اللاتي هنّ سكن وأنس لهم، لكن يشاء الله أن يقفن في صفوف الكافرين الجاحدين، فيضرب الله فيهن مثلاً للذين كفروا، فيقول جل شأنه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [سورة التحريم، آية:10].

-النموذج الثاني: انظر لموقف الأبوة تفيض حباً، وتبغي نجاة البنوة المتمثلة في قصة نوح عليه السلام مع ابنه، إذ يكاد ينفطر قلبه على ابنه وهو يراه من جموع الغافلين الذين سيأخذهم الطوفان، ويحاول جاهداً معه: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [سورة هود، آية:42]، ويتوجه راجياً ربه في ابنه: {وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [سورة هود، آية:45]، ويأتي الرد الرباني:{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [سورة هود، آية:46].

-النموذج الثالث: إبراهيم عليه السلام وحواره مع أبيه محاولاً أن يقنعه بدعوته، ويأخذ بيده لعبادة الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42 (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44)يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)} [سورة مريم]، فماذا كان الرد من أبيه: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [سورة مريم، آية:46].

-النموذج الرابع: محمد صلى الله عليه وسلم يقف من أقاربه من يصدّ عن دعوته، ويشكك به أمام الأقوام، وما أبو لهب إلا أسوأ مثال على ذلك.
انظر هذه الصفوة من البشرية وهم على ما هم عليه من قدر ومكانة عند الله، يشاء الله أن يكون من أسرهم وعوائلهم من ينكر دعوتهم، ويتصدى لها، ولكن لم يكلّف هؤلاء الأنبياء إلا بالتبليغ دون النظر للنتائج، حتى ولو كانت النتائج يحيط خطرها بالأقرب إليهم؛ لأنهم لم يكلفوا بالإلزام والاتباع إلا أنفسهم، فهذه الحقيقة التي تجلّت لهم، وفهموها ما كانت إلا دافعاً لهم لمتابعة سيرهم دون أن يفتت من عضدهم منكر أو جاحد، وتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد) (رواه البخاري) ، فلا كثرة الأتباع كانت دافعاً لهم للسير قدماً ومواصلة المسير، ولا قلتهم نخرت أو أوهنت من عزائمهم؛ لأنهم يدركون حقيقة قوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [سورة الشورى،آية:48].

بهذه الحقيقة التي تسعى بها، وتسير بنورها في مسيرة حياتك، تبرز قيمة نفسك التي طالما غفلتها، وقصرت بحقها عليك، عندما تدرك أنك ستحاسب على ما قدمت أنت، وسعيت في سبيله، تنضبط بوصلة سعيك في الحياة، وعندما تدرك حقيقة أنك لن تحاسب إلا على الأسباب لا على النتائج؛ إذ إن أمرها لله، وقتها لن يضرك متخاذل ولن يشغلك أمر الكثرة والقلة، فإن لم تسع على أمر نفسك، ولم تعمل على إنقاذها وفلاحها، فمن ذا الذي سيسعى عليها ويقدم لها؟! ومن فرّط في حق نفسه فهو من باب أولى لحقوق غيره أشد تفريطاً.

إن لم تسع على أمر نفسك، ولم تعمل على إنقاذها وفلاحها، فمن ذا الذي سيسعى عليها ويقدم لها؟! ومن فرّط في حق نفسه فهو من باب أولى لحقوق غيره أشد تفريطاً

ولا يظن ظانّ أنّ هذه دعوة للأنانية وحب الذات وإنكار الغير، لكن المرء إن لم يتعهد نفسه أولاً، ويقيمها في مقام العبودية، لخالفت أفعاله أقواله، وإن لم يصلح نفسه ويربيها أولاً، لعجز عن إصلاح غيره، والله يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[سورة الرعد، آية:11]، ومن ثم يتحرك في هذا الكون داعياً إلى الله، وقد بدأ بنفسه وما يحيط به، تشهد أفعاله لأقواله، ويصدِّق ظاهره باطنه، يقيم العبودية لله في خاصة نفسه أولاً؛ ليتحرك بها سعياً خارج نفسه في هذا الكون ثانياً، دون أن تسلبه النتائج- أياً كانت- أنفاسَ العبودية من قلبه وصدره، فيظل متلبساً بها، جاثياً على ركبتيه، ضارعاً لله أن يهديه، ويهدي به، ويجعله سبباً لمن اهتدى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

لمن يتطلع للذكر الحسن بعد موته

• القصة الأولى: أرض فَلاة، مقفرة مد البصر، حرٌّ لافح وقَيْظ شديد. على جانب الطريق، …