ابذل مجهودًا ولكن في الاتجاه الصحيح!

الرئيسية » خواطر تربوية » ابذل مجهودًا ولكن في الاتجاه الصحيح!
Three-Ways

"بذلتُ كل ما في وسعي ولم أصل إلى نتيجة"، هي من أشهر العبارات التي نسمعها في زماننا الحالي، حينما يفشل معظم الناس في أية تجربة، ولا نلومهم في ذلك، فأول أمر يودُّ إنسان أن يقع فيه هو الشعور بالتقصير، وبالتالي الندم على ما فات، ويحاول المعظم من هذا المنطلق أن يبذل كل ما في وسعه؛ لكي يخرج -على الأقل- "بريئًا" من المسؤولية إذا ما وقع في حفرة الفشل.

ولكن الحقيقة أنه في الكثير من الحالات لا يكون هؤلاء الذين تعرضوا لتجارب فاشلة خالين من الخطأ والتقصير، فبذل الجهد وحده ليس كافيًا لتحقيق الأهداف في الحياة، ففي غالب الأحيان يلزمنا تقنين وتحديد الجهد المطلوب، وبذله في الاتجاه الصحيح حتى يؤتي ثماره، وإلا يكون مجهودًا دون طائل، وبلا أي نفع يعود على باذله، وإليكم ثلاث خطوات نحاول من خلالها تصحيح المسار الذي نبذل من خلاله مجهودًا ما بغرض تحقيق الهدف النهائي:

في غالب الأحيان يلزمنا تقنين وتحديد الجهد المطلوب وبذله في الاتجاه الصحيح حتى يؤتي ثماره، وإلا يكون مجهودًا دون طائل، وبلا أي نفع يعود على باذله

1- لا تُعوِّل على كمية الجهد المبذول:

فماذا يفيد أن يقود الإنسان آلاف الكيلومترات بسيارته، إن كان يسير في الاتجاه الخاطئ وبعيدًا عن الهدف النهائي !! أو أن يداوم مريض على أخذ علاج غير فعّال! فيأتي متعلم للغة ما مثلًا، يقول أنه شاهد معظم الأفلام والمسلسلات والبرامج بتلك اللغة لفترة كبيرة، ولكنه لم يتعلم شيئًا! بينما لم يحرص هو على فهم بناء الجملة، ولا قواعد اللغة، وما أبرز ما يميزها، أي أنه لم يتخذ الأساليب العملية والعلمية الصحيحة لتعلم اللغة، ثم يشتكي بأنه لم يتعلم شيئًا!

في تجربة أخرى، تحكي إحدى الأمهات أنها لا تعرف كيفية التعامل مع طفلها المصاب بالتوحد وترغب بالتخلص منه، وأكدت أنها بذلت مجهودًا كبيرًا للتواصل معه وفهم ظروفه، ثم نفاجأ أثناء الحوار معها أنها كانت تتواصل معه كما تتواصل مع الطفل العادي، في انتظار استجابته، كما أنها لم يكن لديها أدنى معرفة بأبرز أعراض هذا المرض، فكانت تُعرّض ولدها للضوء والزحام والأصوات العالية، ثم تعجب من انزعاجه وردود فعله غير السويّة من وجهة نظرها!

ومثال ثالث عن زوجة لا تعرف حقوقها ولا حقوق زوجها عليها، ثم تشتكي أن المشاكل لا تتوقف بينهما، وأنها تبذل كل ما في وسعها من الحوار وإدخال أطراف وسيطة! ولكن ما الفائدة، وكل طرف لا يعرف ما له وما عليه أصلًا؟ ففيم سيفيد إصلاح كوب تهشم!! وفيم يفيد البناء على أساس هش وغير سوي، وقابل للانهيار في أي لحظة!! وفيم يفيد ترميم بناء لم يؤسس بالشكل الصحيح بدايةً!

2- مجهود قليل دائم ولكن في الاتجاه الصحيح:

في كل تلك الحالات لا أحد يستطيع إنكار الجهود التي بذلها هؤلاء، ولكنها قطعًا لم تكن في الاتجاه الصحيح، فلم تؤتِ ثمارها، ومن هنا، فهم ليسوا معفيين من المسؤولية، بل على العكس هم مؤاخذون؛ لأنهم لم يحرصوا على معرفة الطرق الصحيحة للوصول إلى هدف ما، فبذل المجهود على غير هدى لا ريب أمر منبوذ وغير مقبول، سيما في عصرنا الحالي الذي يمكن للإنسان فيه أن يعرف عن كل شيء وأي شيء بضغطة زر!

بذل المجهود على غير هدى لا ريب أمر منبوذ وغير مقبول، سيما في عصرنا الحالي الذي يمكن للإنسان فيها أن يعرف عن كل شيء وأي شيء بضغطة زر

لذا، لو اقترحنا كمثال توضيحي لحالة الأم التي يعاني ولدها من التوحد، فكان عليها –مثلًا- أن تبدأ في فهم أبعاد ذلك المرض، وتراجع متخصصين، وربما تشارك تجربتها مع أمهات يعانين من نفس المشكلة، وأن تعرف منهن كيف نجحن في تخطي التجربة بنجاح، وماهية التحديات التي واجهتهن، وإن تقدمت خطوات قليلة على مدار السنوات، فإنها بإذن الله ستصل؛ لأنها تقوم بالأمر على الوجه الصحيح، كذلك بالنسبة لمتعلم اللغة، فحتى وإن تعلم قاعدة لغوية واحدة أو بضع مفردات كل يوم، فإنه إن استمر لا ريب سيصل مع الأيام لمستوى جيد، أو على الأقل مقبول بالنسبة له فيما يتعلق بتلك اللغة.

3- سؤال ذوي الخبرة، وتحديد الهدف من المجهود:

أما فيما يتعلق بالاستفادة من التجارب، فالأمر كما وضحنا فيما سبق من تجربة الأم وولدها مريض التوحد، وكذا بالنسبة لمتعلم اللغات والمتزوجة حديثًا، فكلما أفاد الإنسان من تجارب الآخرين، حتى وإن لم يتبع ذات الخطوات، فإنه على الأقل سيتجنب الوقوع في نفس الأخطاء، وتكرار أساليب غير مجدية، وكما تقول العرب: "السعيد من وُعظ بغيره".

فكلما أفاد الإنسان من تجارب الآخرين، حتى وإن لم يتبع ذات الخطوات، فإنه على الأقل سيتجنب الوقوع في نفس الأخطاء وتكرار أساليب غير مجدية
ثم يأتي جانب تحديد الهدف، فالكثيرون يقومون بالأعمال الخيرية -مثلاً- ولكن هل الجزاء والأجر واحد؟! قطعًا لا، يقول تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ، إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]، فالنيات الطيبة والرجاء في أجر عظيم من الله لا ريب يعزز قوة الإنسان، ويستجلب التوفيق من الله في بذل المجهود وتحقيق الأهداف ، فأحيانًا كثيرة حين لا يكون الهدف واضحًا، يجد الإنسان نفسه يتخبط يمنة ويسرة، ويقوم بخطوة هنا، ثم يتراءى له اتخاذ خطوة أخرى هناك، وبالتالي يضيع وقته وطاقته بغير فائدة تذكر.

تحديد الغاية والاتجاهات الصحيحة للوصول إليها يعد في معظم الأحيان أهم من بذل كل ما في طاقتنا ووسعنا، فقد نجد كثيرين يبذلون جهدًا أقل مما نبذله، ويحرزون نقاطًا أكثر في الحياة، وربما يصلون إلى ذات الهدف الذي نريده أسرع منا، لا لشيء، إلا اتخاذهم للخطوات الصحيحة، ورجوعهم لأهل الخبرة والفهم، وتحديدهم لهدف واضح، وتوكلهم على الله الذي لا يضيع معه أحد.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • النجاح
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

    شاهد أيضاً

    ما الحكمة من تولى رب السماء أمر الفتوى فيما يخص النساء!

    قال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي …