باطن الإثم.. الخطر الأكبر في حياة المسلمين

الرئيسية » كتاب ومؤلف » باطن الإثم.. الخطر الأكبر في حياة المسلمين
73003a8a-cd53-49c2-9ede-ea65a5ae9e51-192X290

المسلمون اليوم أكثر عددًا وإنجازاتهم ومظاهر سعيهم أكثر منها من العهود السابقة، فهذه الصروح العلمية من مكتبات وجامعات شاهدة لهم.

غير أنهم في حقيقة الحال في أوضاعهم من تردٍ إلى تردي، متفرقون رغم وجود الحق الذي يجمعهم، فأهل الباطل يتعاونون ويشدون من أزر بعضهم البعض في سبيل باطلهم والمسلمون أوهن من أن يتناصروا فيما بينهم لإحقاق حقهم، وما السبب في ذلك؟

إنه الداء الخفي الذي يتحدث عنه هذا الكتيب الصغير في حجمه العظيم في معانيه.

مع الكتاب:

أدرج المؤلف الموضوع الذي تناوله تحت عدة عناوين:

الباطن أو الظاهر أو الديانة والقضاء

أشار المؤلف إلى أنّ أوامر الشريعة الإسلامية تنقسم إلى قسمين، منها ما يتعلق بأقوال وأفعال كالصلاة والصوم، والقسم الآخر ما يتعلق بالنفس والقلب كالإخلاص والتواضع والحب في الله والبغض فيه، والمهم الذي على المسلم أن يدركه أنّ الأحكام الشرعية الظاهرة المتمثلة في الأقوال والأعمال لا تكون مقبولة عند الله ولا تثبت للإنسان أجرا أو ترفع عنه وزراً ما لم تقترن بالحالة القلبية التي يجب أن يكون القلب مستقرا عليها، وأنّ صلاح القلب والنفس هو الأساس في صلاح الأعمال وظهور ثمارها، فالتناسق بين البواعث القلبية مع ظاهر السلوك والأعمال هو الذي يميز المؤمنين عن الكافرين وفقدان هذا التناسق هو السبب في تردي أوضاع المسلمين اليوم.

الخطر الأكبر

ليس الخطر من عدو غاصب مستعمر ولا من أسلحة فتاكة ولا من فقر مدقع، بل الخطر الأكبر يكمن في الذي يفتح السبيل أمام العدو ويبذر الشقاق والتدابر، إنها النفس التي بين جنبينا، لذلك يكمن جوهر الإسلام في تهذيب النفس البشرية فينزع منها الكبر والحسد والتباغض والتكالب على الدنيا لتدخل هذه النفس في محراب العبودية لله فيصبح سلوك الإنسان ثمرة من ثمرات عبوديته لله فيكون واقع كل منهما تصديقاً للآخر.

ومنبع هذا الخطر ومصدره واحد وهو تعلق القلب بالدنيا ووضعها في مرتبة أعلى من المرتبة التي وضعها الله وعندما يتعلق القلب بأهواء الدنيا يقع أسيرا ويتفرع عنه شتى الأمراض من ضغائن وشُح وحقد وحسد ورياء.

من نتائج هذا الخطر:

فمن أعظم نتائج هذا الخطر تفرق أمر المسلمين وتحول العمل الإسلامي فيما بينهم إلى شعارات وأعمالا سطحية لا ثمرة لها، مما جعلهم يغفلون الفارق بين طبيعة الإسلام وطبيعة المذاهب الفكرية الأخرى.

فالإسلام قائم في ذاته على تحقق معنى العبودية لله في النفس وهو المنطلق الأول لكل حركة وسعي ويطالب المسلم بإصلاح قلبه ونفسه قبل كل شيء.

أما المذاهب الفكرية الأخرى لا تكلف نفوس أصحابها من ذلك شيئًا ولا تحملهم على اجتناب باطن الإثم لذلك دعوتهم تبدأ من عمل حركي وتنتهي إلى عمل حركي، والنفس تسير مع ذلك لأنه لا يكلفها شيء من أهوائها ومشتهياتها.

هذا هو العلاج:

أول العلاج أن نكون قد أدركنا المشكلة بداية فذلك نصف الطريق إلى حلها، فالعلاج يكمن في أن نعي أننا في قاعة امتحان عظيمة الاتساع ومادة الامتحان شديدة الخطورة، والعلاج أن يأتي من يذكر الإنسان بنفسه وينبهه إلى الساعات الخطيرة التي يمر بها والمصير الرهيب الذي ينتظره، فعلاجنا أن نتذكر هويتنا ووظيفتنا وأن لا نغفل عن هذه الهوية والوظيفة وأننا عبيد لله عز وجل إليه مصيرنا وبيده تقلباتنا وله حياتنا ومعادنا.

السبيل إلى استعمال هذا العلاج:

السبيل إلى استعمال العلاج أن تصطبغ بحقيقة العبودية لله وحده فلا يستعبدك مال أو جاه ولا أي شيء آخر من آفات النفس، والسبيل إلى ذلك الجهاد الأكبر جهاد النفس.

ومن السبل المعينة على ذلك:

أولا: تفكر الإنسان في ذاته ومصيره ورقابة الله عز و جل عليه.
ثانيا: التزام ورد دائم منتظم من قراءة للقرآن الكريم وما يتبعه من ذكر لله كتسبيح واستغفار.
ثالثا: كثرة الدعاء والتذلل والتضرع لله تعالى.
رابعا: تجنب أكل الحرام.

لا تعنينا التّسميات:

يجب أن ألا تشغلنا المسميات لهذه العلاجات عن حقيقة الأمر فلا ننشغل وننصرف في المنازعات والخلاف حول إن كان اسم هذه العلاجات سلوك أم تربية أم تصوف فننصرف بذلك عن حقيقة الداء، مع ضرورة العلاج لخلافات شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع.

التصوف الأخلاقي والتصوف الوجداني:

ما سبق ذكره يدخل تحت ما يُسمى التصوّف الأخلاقي، وهو في الحقيقة وهو عبارة عن الخُلق الإسلامي الذي جاء به الإسلام، أما القضايا الأخرى من فناء وشهود وبقاء فهي حالات وجدانية وأذواق لا تُفهم إلا بمعاناتها ولا نستفيد منها علماً يُقرأ أو يُحفظ بل نستفيد منها واقعاً إسلامياً صحيحاٍ يحيا فيه الإنسان.

مشكلاتنا أخلاقية وليست فكرية:

ما نعاني منه هو حقيقة يتعلق بالخلق والوجدان وليس لها أي علاقة بالقناعة والفكر، لسنا بحاجة إلى المزيد من الدراسات الفكرية، وإنما نحتاج لقوة هائلة تدفعنا للتنفيذ.

وأمر التنفيذ ليس بيد الفكر والعقل وحده، إننا نحتاج لقوة هائلة من الأخلاق وللوعة القلب الذي يقلب حياة الإنسان فيجمع أهواء النفس من شتات وينسيك طعم الدنيا وأهوائها بما يذيقك من حلاوة مراقبة الله، وشهود وهذه اللوعة لا تأتي من إرهاق الفكر لاعتصار مزيدا من النظريات والأبحاث، بل تأتي من إرهاق النفس بمزيد من العبادات والمثول بتذلل وضراعة بين يدي الله عند الأسحار.

الخلاصة:

السبب في تفرق المسلمون وتدابرهم اليوم هو الحواجز الراسخة في نفوسهم، ولا بد من زوال هذه الحواجز حتى يجتمع أمرهم وينصلح حالهم، والعلاج الفعّال القادر على إزالة هذه الحواجز إنما هو الإخلاص، فإذا توفر إخلاص القلب لدين الله زالت الأحقاد والبغضاء والكبر ليحل مكان ذلك التواضع والود والوئام، وبالإخلاص تزول العصبية بكل أشكالها وأطيافها ليكون الولاء للإسلام أساساّ.

وختم كتابه ب: فلنفترق على عهد، وحتى لا يكون الحظ من هذا الكتاب مجرد وصفة نظرية وتنميق ورصف للكلام وإنما قبل أن نفترق بعد قراءة هذا الكتاب علينا التعاهد على:

*الاستيقاظ مع الفجر أو قبله إن أمكن ونذكر الله حتى طلوع الشمس.
*أن نحرص على التحول إلى المسجد عند سماع الأذان للصلاة جماعة.
*أن نبذل كل جهد في سبيل أن لا ننفق العمر الثمين إلا بطاعة لله أو سعي مشروع ابتغاء دراسة أو رزق أو راحة مباحة عقب نصب.
*إذا أقبل الليل وآوى كل منا إلى فراشه أن يتذكر ربما هي الضجعة التي لا نستفيق منها فنذكر الله ونندم على تقصيرنا.
*إذا أقبلت الدنيا بخيرها أو مصائبها تذكر أنه لا معطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار إلا الله.
*المحافظة على الدعاء والاستجداء من الله عقب كل صلاة.
*إذا استشعرت سخط الناس عليك احرص أن يكون من مرضاة الله عنك خير عزاء.
*إذا نازعتك نفسك لغيبة أخ لك فتذكر عيوبك التي سترها الله عليك.
*ليكن رأس مالك الذي ستقدمه بين يدي الله قلبا نقيا طاهرا من الأحقاد والأضغان.
*إذا راودتك نفسك على اقتراف شيء من المحرمات تذكر ضجعة الموت.

مع المؤلف:

محمد سعيد رمضان البوطي من المرجعيات الدينية على مستوى العالم الإسلامي، اختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في دورتها الثامنة ليكون شخصية العالم الإسلامي باعتباره "شخصية جمعت تحقيق العلماء وشهرة الأعلام، وصاحب فكر موسوعي"، يعتبر ممن يمثلون التوجه المحافظ على مذاهب أهل السنة الأربعة وعقيدة أهل السنة وفق منهج الأشاعرة، ترك البوطي أكثر من ستين كتابا في علوم الشريعة والآداب والتصوف والفلسفة والاجتماع ومشكلات الحضارة كان لها أثر كبير على مستوى العالم الإسلامي.

بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: الخطر الأكبر في حياة المسلمين.
المؤلف: محمد سعيد رمضان البوطي.
مكان النشر: دمشق_سوريا
دار النشر:مكتبة الفارابي.
سنة النشر: 1976
عدد صفحات الكتاب: 111 صفحة

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

سحر القيادة – كيف تصبح قائداً فعالاً

توطئة هل القائد يولد قائداً بخصائص جينية معينة؟ هل القيادة موهبة ومنحة سماوية تقتصر على …