رسالة إلى كل صاحب ألم

الرئيسية » خواطر تربوية » رسالة إلى كل صاحب ألم
regret-1-e1493935498429

- "يسهل عليك النصح؛ لأنك لم تجرّب هذا الألم".

- "إنك لم تذق مثل ألَمي".

لعلّ غالبنا مرّت به عبارات كتلك في معرض شكوى أو مشورة أو فضفضة ما، ربما لم يشرب كل منا من نفس الكأس، أو يتجرع ذات الألم الذي يُحكَى له، لكن في ضوء حقيقة هذه الدار وما طُبعت عليه من كَبَد، فيه من درجات الألم كما فيه من ألوان السرور، فما منا إلا وقد ذاق من صنوف الألم ما شاء الله له أن يذوق، وتقلّب قلبه في حرّ الحزن ما كُتب عليه أن يتقلب، ما منا إلا وشرب، وما منا إلا وتجرّع بقَدَر، ويظل الشرب شربًا على أية حال، لذلك في السطور التالية رسالة مهداة إلى كل قلب ذي ألم من أي نوع وبأي قدر، عسى أن تنفعه الذكرى.
مما يلفت النظر بعد تأمل -أعمق بعدًا- من ذات الشكوى، أن مكمَن التألم حقيقة لم يكن ذاتَ الألم، وإنما هو الخوف من الشعور بالألم، والجزع من ثقل وطأته وطول إقامته وتَبِعات وحشته، ما يؤلم أكثر من الألم هو الخوف من الألم، ومحاولة إنكاره، أو تناسيه، أو التغافل عنه بشتى الصور  ، وما يوجع القلب -أكثر من ذات الوجع- هو الهروب من التوجّع!

إن الأمر أشبه بجرح جسدي عميق، تفضل أن تغمض عينيك عن النظر إليه على أن تباشر معالجته، مع أنك تعلم أن التغاضي عن الجرح لن ينفي وجوده، ولن يحل ألمه، ولن يوقف نزفه، بل لعله يزداد سوءًا، ويشتد نزيفًا باستمرارك في التجاهل؛ وما ذلك إلا لأن مباشرة العلاج لا بد ستأتي بقدر جديد من الألم تتطلبه بالضرورة مواجهة الألم، ونحن نخشى الحِمل الجديد، ونفرُّ من مجابهة المزيد.

وإذا كان الأمر من البداهة بمكان مع الجراح البدنيّة بما لا يجعل ذا عقل يستسيغ التجاهل كوسيلة للتعامل السويّ معها، فلماذا هو مع جراح القلوب أشد تسترًا وأدنى وقوعًا؟

من جهة؛ لأن جراح القلوب بعكس جراح الأبدان، ليس لها "مراجع طبية" عالمية تصنف العلاج "الأكيد"، وتعرض العواقب الوخيمة الناشئة عن خوف المواجهة وتجاهل العلاج، ومن جهة أخرى؛ لأن جراح الأبدان صارت مكشوفة وواضحة ومحددة، فألم علاجها يهون في مقابل ذلك الجلاء "المؤكد"، والمؤقت في الغالب بوقت زمني متعارف عليه للشفاء!

جراح الأبدان صارت مكشوفة وواضحة ومحددة العلاج، أما جراح القلوب فما زالت طي التكتم، وطي الهمس، وطي الرهبة، في بيئات نشأت على الكبت وانعدام فقه الحوار

أما جراح القلوب فما زالت طي التكتم، وطي الهمس، وطي الرهبة، في بيئات نشأت على الكبت وانعدام فقه الحوار، وفنون طب القلوب، ومداخل علاجها، بل وعلى ترويع كل ذي قلب من تقلبات قلبه، وما قد يتبع الانسياق وراءها من يأس وإحباط قد ينتهي بحجود وكفران بالله وتقديره!

واللافت أن عواقب التجاهل والتكتم جاءت بنفس النتائج التي ادّعت القيام لردعها، فما أكثر ما ينتهي أصحاب الآلام القلبية لهذا الحضيض؛ لأن الألم لا يُحَلّ بالتجاهل، ولا يذهب مع الريح من تلقاء نفسه، بل إذا حلّ بقلب فلا مُرتَحل له إلا بمفاتح معيّنة، كما في طب الأبدان.

سبحان الله! أوَ للقلوب طبٌ كطب الأبدان؟ بل للقلوب طب قبل طب الأبدان!   أليس الذي خلق الأبدان فسوّاها هو نفسه الذي أبدع تلك القلوب وبيَن تركيبها ومفاتحها! فلماذا الأبدان علوم مكشوفة عندنا، والقلوب بعدُ كهوف مجهولة وألغاز محيرة لنا؟ أوليس الذي يُستعان به على آلام الأبدان وعلاجها هو ذاته الذي يملك مفاتح شفاء القلوب! أم لأن للأبدان أدوية "مادّية" ملموسة، و"شخوص" أطباء نراها بأم أعيينا شهادة لا غيبًا، وبالتالي "نثق" كل الثقة بنتائجها وفاعليتها في شفاء الألم مهما طال تعاطيها، وتكون الاستعانة بالله وقتها تكميلاً جماليًا للأصل ليس إلا؟!

صدقني يا صاحب الألم، مهما يكن ما تمر به من ألم قد مرَّ على غيرك ممن قبلك، أو يمر على سواك ممن بعدك!  

صدقني يا غير صاحب الألم، ألمك قادم في الطريق؛ لأنك مهما توخيت المشي بحذر لن تعدم يوماً ما عثرة في الطريق، لكن كم من عثرة كانت بداية نهضة أقوى، كذلك الألم، إنما يراد في الأصل نورًا للقلب لمن فقه، بل هو نور القلب عند الفقيه، ففي الألم معانٍ لا تتجلّى في العافية لمن فقه، كما أن في العثرة تجديدًا لجمال النهوض من بعد؛ ذلك أن في كل ألم رسالةً ربانية لن يصلك مثلها في أوقات العافية والحبور، رسالة تذكرة بالانكسار، ليس لذات الألم ولا لسبب الألم، وإنما الانكسار لله، الذي يجيب المضطر، ويكشف السوء، ويجبر المكلوم، ويقوي الضعيف، ولولا تلك الكسرة لازددت بدوام الصحة تجبرًا واستعلاءً، وباستمرار العافية غفلة عن حقيقة ضعفك، وتلهياً بلذّتها عن مغزى وجودك، لذلك اتخذ من ألمك مَطيّة لربك، الذي خلقك فهو يهديك، والذي هو يجبرك ويشفيك، وهو أبدًا يحيط بك ويكفيك.

في الألم بعض الحياة لمن تعامل معه كقطعة من الحياة، وفي الألم كل الحياة لمن تعامل معه معبرًا لدار القَرَار، وفي الألم قطعة من العذاب لمن استسلم لأغلاله، وفي الألم كل العذاب لمن تصدّى له عاريًا وحده.

مهما توخيت المشي بحذر لن تعدم يوماً ما عثرة في الطريق، لكن كم من عثرة كانت بداية نهضة أقوى

يا صاحب الألم، اتق الله في قلبك! لا تذهب فتوزعه ذات اليمين وذات الشمال، مبللاً أكتاف الناس بدموعك! فكل من توزع عليهم ألمك لم ولن يعدموا آلامهم كذلك، والقلب في النهاية أسير همومه الشخصية قبل هموم غيره، ومهما أفاض عليك الناس من استماع لفضفضتك، فوالله الذي فطر قلبك على التقلّب، وجعل من قَدَرك ألمك، لا يجبرك غير الذي فطرك، ولا يملك أن يمسح الجرح غير الذي قدّره بعلم وإلى أجل هو بالغه، والله الذي لا إله إلا هو، كم ممن سيقرأ هذه السطور قد مرّ عليه من الألم ما ظنّ معه أن قلبه لا يعود من غياهبه! وعاد آخر المطاف، بفرج من الله، وكم ممن نزل بساحته من الجراح حتى تكسّرت النصال على النصال، ثم جرى عليه من بلسم العافية ما انجبرت معه الكسور، وينسبون ذلك الجبر للوقت ومرور الزمان، وما جبره إلا الله، الذي جعل لكل شيء قَدْراً.

ولو أن كل ذي ألم وَعَى المفتاح لشفاء القلب كما السبيل لشفاء البدن، لما تقاطرت القلوب في غياهب الاكتئاب وهَوَت في قيعان اليأس، ولسدّده الله في طلب أسباب الشفاء الأخرى بإذنه من مشورة وغيرها، فشتّان بين أن تفزع لله أولاً، وأن تعود إليه آخرًا، بعد أن خذلك كل من هرعت إليه قبل الله! وكم ممن اكتفى بالله كفاه وأغناه عمن سواه، وكم ممن انكفأ على غير الله فما يزداد إلا بُعداً، وما يزداد إلا حسرة، فأين تذهب؟ ألك رب سواه؟ أم إلى أرحم بك من الله؟ أم إلى خير من الله!

شتان بين أن تفزع لله أولاً، وأن تعود إليه آخرًا بعد أن خذلك كل من هرعت إليه قبل الله!

افزع إلى ربك بحِمْلك كله، كلّمه -وهو العليم- عن ألمك وبثه همك، خبّره -وهو الخبير- عن قلبك الذي ينزف، وعن نزفك الذي يشتد، اشكُ إليه وطأة الحمل عليك، ناجِه بمخاوفك ألا تصبر، انطرح على بابه ولا تقم حتى يكون هو مقيمَك، وهو مقيمُك لا ريب، بل إنه ما طرحك إلا ليقيمك به، وما قدّر عليك الحِمل إلا لتستعين على حَمْلِه به، سبحانه وتعالى.

مهما يكن من هَمّ فالله له، ومهما يكبر من ألم فالله أكبر، ومهما يعظم من كرب فالله أعظم.

استعن بالله أولًا وآخرًا، ولك ضمان ألا يُبطرِك فرح ولا يحطمك ألم.

استعن بالله؛ لأنك به لا تعجز، وبغيره لا تفلِح.

استعن بالله؛ لأنك مهما جاهدت أن تصبر بنفسك، فما صبرك إلا بالله.

لا تهرب من ألمك؛ لأن الهروب ليس حلًا.

ولا تغرَق فيه؛ لأنه لا يُراد لذاته.

واستعن عليه بالله؛ لأنه لا يعينك عليه سواه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

اتباع الهوى والسقوط نحو الهاوية!

خلق الله الإنسان وأمده بأسباب بقائه واستمراره في هذا الوجود، غير أنه جل شأنه رضي …