كيف نحقق مفهوم حفظ الله؟

الرئيسية » بصائر تربوية » كيف نحقق مفهوم حفظ الله؟
muslim-quran23

كم منّا حفظ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تجِدْه تجاهك)؟

إننا بقدر ما نُهرَع لطلب الحفظ والعون من الله تعالى؛ ليحفظنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وليحفظ أبداننا في عافية، وأولادنا وأهلينا في سلامة، لا نتوقف لننظر هل نحن نحفظ الله تعالى في حياتنا أو لا؟

حفظ الله تعالى يكون بتقواه، والتقوى مأخوذةٌ مِنَ الوقاية وما يحْمِي به الإنسانُ رأسَه، ومفهومها أن تجعلَ بينك وبين ما يغضب الله حاجباً وحاجزًا، وقد شبه السلف التقوى كأنك تسلك طريقاً فيه شَوْكٌ، فماذا تفعل؟ تشمِّرُ عن ساقك، وتنظرُ إلى مواضعِ قدمك، وتقدِّمُ قدمًا وتؤخِّرُ أخرى مَخافةَ أنْ تصيبك شوْكةٌ، تلك هي التَّقوى.

ومن أكبر المعينات على التقوى بعون الله تعالى، أن يكون لك وِرد ثابت من أربعة مناهل أساسية:

التقوى مأخوذةٌ مِنَ الوقاية وما يحْمِي به الإنسانُ رأسَه، ومفهومها أن تجعلَ بينك وبين ما يغضب الله حاجباً وحاجزًا

1- الصلاة:

لقد سمّى الله سبحانه المواظبة على الصلاة وأداءها حفظاً، فقال سبحانه: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} [المؤمنون:9]، الصلاة هي بوابتك للتغيير الحقيقي والدائم، فالذي لا تنهاه صلاته عن المنكر ولا ترتفع باهتماماته وتسمو بروحه، إنما في أدائه الخلل وليس في الصلاة!

إن المتأمل في الصلوات الخمس الدورية يومياً، وتقارب أوقاتها المدروسة، يتبين له أن مفهوم العبادة لله تعالى ليس فقط في شعائر معدودات، بل هو توجه حياتي وطبع متكامل.

والذي يتقن تلاوته وصلاته فيتم ركوعها وسجودها، ويجتهد في خشوعها وحضورها، لا بد ستتأثر أفعاله فيما بين الصلاتين بهذا الإتقان، فهو يقبل على الصلاة إقبال الفَارّ من معركة لحصن حصين، أو الخارج لمعركة مع درعه المتين: (والصلاة نور)، (رواه مسلم).

أما الذي يصلي نقراً كنقر الديك، وأداء كأداء الرياضة، ويخرج من المسجد ليكذب ويسرق ويسب ويغش، فصلاته من ذلك بريئة، وعبوديته لله تعالى عن ذلك منزّهة.

2- القرآن:

يُحكى أن رجلاً كان يداوم على قراءة القرآن، ولكنه لا يحفظ منه شيئاً، فسأله ابنه الصغير يوماً: ما الفائدة من دوام قراءتك إذا كنت لا تحفظ منه شيئا؟! فأجاب: سأخبرك إذا ملأت سلة القش هذه من ماء البحر! فقال الولد: مستحيل أن أملأها! سيتسرب الماء منها! فقال له: جرّب!

فأخذ الصبي السلة –وكانت تستخدم لنقل الفحم- واتجه إلى البحر، وحاول ملأها، ثم جرى بسرعة إلى أبيه، ولكن الماء كان قد تسرّب منها بالفعل!
- فقال لأبيه متذمراً: لا فائدة!

- رد الأب بثقة: جرّب ثانية!

ففعل وجرّب ثانية وثالثة ورابعة وخامسة دون جدوى! حتى مَلّ وتعب وقال لأبيه: يستحيل أن نملأها بالماء!

- فقال الأب لابنه: ألم تلحظ شيئاً على السلة؟!

هنا تنبّه الصبي، لقد كانت السلة متسخة من بقايا الفحم حين أخذها، والآن هي نظيفة تماماً!

عندها قال الأب لابنه: هذا تماماً ما يفعله القرآن بقلبك! فالدنيا وشواغلها قد تلوث قلبك بعلائقها، والقرآن كماء البحر يجُلّي صدرك، وينقّي قلبك بدوام تلاوته، ولو لم تحفظ منه شيئاً.

هذه الحكاية القصيرة كفيلة ببيان المراد، وفي الحديث: (التّؤدةُ في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلَّا في عملِ الآخرةِ)، [رواه أبو داود]، أي التأني يكون محموداً إلا حين يتعلق الأمر بالاستزادة للآخرة ؛ لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة: 48]. فكثيرون قد يؤجلون النظر في كتاب الله، ويستصغرون البدء ولو بورد صغير من عشر آيات أو ربع حزب، حتى يتفرغوا أو يبدؤوا في الحفظ أو يجمعوه مع التفسير، لكن الحل الأمثل كما رأينا في القصة، أن يلتزم المرء بورد تلاوة؛ بهدف تنقية قلبه وصفاء نفسه، فهذا الذي يؤدي لتلك وليس العكس.

ومن صور تحويل الوسيلة غاية، أن ينقلب "إتمام" ورد القرآن اليومي هو الغاية، ومجرد تلاوة الكلام المكتوب هو المقصد، وبالتالي مع طول التزامك به لا تكاد تستشعر أثراً، وفي هذا المعنى يقول السلف: "إنما نزل القرآن؛ ليُتدبر ويُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً "! وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} [الأنبياء:10]: "فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم، وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب، ومكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها؟ وقال سهل بن عبد الله: "العمل بما فيه حياتكم، وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه"، دليله قوله -عليه السلام-: (القرآن حجة لك أو عليك) (رواه مسلم)". ا.هـ.

من صور تحويل الوسيلة غاية، أن ينقلب "إتمام" ورد القرآن اليومي هو الغاية ومجرد تلاوة الكلام المكتوب هو المقصد، وبالتالي مع طول التزامك به لا تكاد تستشعر أثراً

3- الأوراد:

أذكار الصباح والمساء، أذكار الأحوال: (عند الأكل، دخول الخلاء، الخروج من المنزل، الثوب الجديد، الإعجاب بشيء...إلخ)، التسبيحات المختلفة: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله...إلخ)، يرتب المرء لنفسه ورداً مهما كان قليلاً ليداوم عليه، ويزيد فيه تدريجياً، وإن المداومة عليها بيقظة واستحضار لمعانيها وعمقها من أقوى ما يجدد حياة القرب، واستشعار القرب من المولى عز وجل.

4- الرقائق والتذكرة:

أن يكون لك منها ورد صغير تداوم عليه، بضع صفحات أو دقائق مسموعة، خير من المباعدة بينها بفترات طويلة، ثم الانكباب على كتاب أو سلسلة مسموعة جملة واحدة، الطريقة الأولى هي تماماً كفعل ماء البحر في سلة القش، استلزم الأمر عدة مرات متتالية لإحداث الأثر المطلوب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

خمس خطوات لمواجهة التحديات والقرارات الصعبة!

وددتُ مشاركتكم ببعض الدروس التي تعلمتها من التحديات التي واجهتها في حياتي، وذلك لأننا جميعًا …