وقفات مع آيات البرّ بالآباء والأمهات

الرئيسية » خواطر تربوية » وقفات مع آيات البرّ بالآباء والأمهات
parent-muslim1

يقول الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقُل لهما قولاً كريماً. واخفضْ لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} [الإسراء: 23-24].

يقرن سبحانه في هذه الآيات بين عبادته سبحانه وبين إحسان المرء لوالديه، ويجعل ذلك قضاءً منه، أي أمراً لازماً محتماً لا يقبل الرد أو التشكيك، وذلك قوله: {وقضى ربك} وكأنه جلّ شأنُه يقول: يا من تؤمن بربوبيتي! لا يستقيم إيمانك من دون الإحسان إليهما، والإيمان بربوبيتي يستلزم ما قضيتُه عليك وألزمتك به من هذا الإحسان.

وقرْنُ الإحسان بالعبودية بعد الربوبية يزيد من عظم شأن هذا الإحسان، ويرفع من مقامه عند الرب المعبود سبحانه .

وقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} توكيد في الأمر بالإحسان باستخدام المصدر المؤكِّد، فتقديره: قضيت عليكم أن تحسنوا إليهم إحساناً. ومما يزيد الأمر توكيداً أن الأمر بالإحسان للوالدين تكرر في القرآن خمس مرات، فضلاً عن دخوله في الأمر بالإحسان عموماً.

وكلمة (الإحسان) تستغرق كل فعل حسن جميل متقن مرغوب فيه ، فالولد الموفَّق هو الذي يتحرّى ما يرغب فيه الوالدان من الأقوال والأفعال والأشياء التي تتجلى فيها صفات الحُسن والجمال والإتقان؛ فيسعى إليها سعيَ الطامع برحمة الله، الطامح إلى جنته، فإنه بإحسانه إلى والديه إنما يزيد من رصيد حسناته - التي تشترك مع الإحسان بمعاني الحُسن والجمال، وتتناقض مع السيئات بما تحمله من معاني السوء والقبح والدون - لأنه في الحقيقة يُحسن إلى نفسه {إن أحسنتُم أحسنتُم لأنفسكم وإن أسأتهم فلها}.

الولد الموفَّق هو الذي يتحرّى ما يرغب فيه الوالدان من الأقوال والأفعال والأشياء التي تتجلى فيها صفات الحُسن والجمال والإتقان؛ فيسعى إليها سعيَ الطامع برحمة الله، الطامح إلى جنته

ثم خصّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات مرحلة من الزمن يعيشها الوالدان هما أحوج فيها إلى الإحسان من غيرها، وهي مرحلة الكبَر، حيث تكثر أعباؤهما على أولادهما، ويكثر تأفُّف هؤلاء الأولاد وتضجُّرهم من متطلبات هذه المرحلة المرهقة لهم، فجاء النهي الإلهي عن قول كلمة (أُفّ)، وقال بعض أهل العلم إنه لو وُجدت كلمة في التضجُّر والاستثقال أقل درجة من هذه الكلمة لجاء بها الخطاب القرآني في هذا السياق، لأن النهي عن كلمة (أف) هنا نهيٌ عما فوقها من الأقوال والأفعال التي تغضب الوالدين وتسخطهما.

ثم أكد الرب تبارك وتعالى ذلك فقال بالدلالة الصريحة الواضحة: {ولا تنهرهما} أي لا تغلظ عليهما بالزجر والنهر فتغضبهما، ولا تفجأهما بالكلام الفج الذي يسخطهما عليك، ولا يعني ذلك الصمت والسلبية، وإنما كن إيجابياً معهما {وقل لهما قولاً كريماً} تجود به عليهما.. محبَّباً إلى نفسيهما، يسيراً فهمُه بالنسبة لهما، يرضيان به عنك، ويسكنان به إليك.

ليس هذا فحسب، بل {واخفض لهما جناح الذلِّ من الرحمة} فهو بين أيديهما خاضع ذليل، مستسلمٌ لأمرهما، معظِّم لقدْرهما، يمشي في حاجاتهما على بساط من الانكسار والقناعة بأنه مهما فعل فلن يوفيهما حقهما، إلا أنه يتقي الله فيهما ما استطاع.

وقوله: {من الرحمة} تعليلٌ لهذا الخفض والتذلل، أي ذلك لهما إنما ينبغي أن يكون من أجل الرحمة بهما، لا لتطلعك إلى منفعة زائلة، أو مصلحة مؤقتة، وإنما يكون ذلك إذ يكون رحمةً بهما، ورحمةً بهما فحسب.

ثم ينقله إلى نهر الذكريات الجميل، حيث كانا يرحمانه حين كان صغيراً، يقومان على خدمته في النهار، ويسهران من أجله الليل، ويبذلان له من مالهما وصحتهما وكل ما يملكان، وكأنه يقول له: عندما كنتَ صغيراً كانا يخفضان لك جناح الذل من الرحمة، أفلا يستحقان بعد الكبَر أن تقابلهما بنفس المعروف، فتذلَّ لهما وترحمهما وتدعو لهما بالرحمة أيضاً {وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً}.

وفي هذا المقطع الأخير من الآية إشارة إلى أهمية الدعاء، وأنه يزداد أهمية إذا كان في حق الوالدين.

وفيه إشارة أيضاً إلى أهمية التربية والتنشئة على طاعة الله تعالى، فقد بدأ الآيات بما قضاه على العباد من عبادته وحده لا شريك له، ثم ختمها بالدعاء، والدعاء من العبادة، ثم ألمح إلى التربية وأنها ينبغي أن تكون على هذه المعاني الجليلة.

وفيه أيضاً تنبيه على أهمية مرحلة الصغر في التربية، الأمر الذي يهمله كثير من أولياء الأمور.

وفيه أيضاً رسالة إلى الآباء والأمهات، أنْ إذا ربّيتم أبناءكم منذ الصغر على عبادة الله وتوحيده؛ فإنهم سيحسنون إليكم ويرحمونكم ويكونون أولاداً صالحين يدعون لكم في حياتكم وبعد مماتكم .

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وصحفي في جريدة "السبيل" الأردنية، باحث في شؤون الحركات الإسلامية.

شاهد أيضاً

لمن يتطلع للذكر الحسن بعد موته

• القصة الأولى: أرض فَلاة، مقفرة مد البصر، حرٌّ لافح وقَيْظ شديد. على جانب الطريق، …