عندما تشعر بالغربة عن نفسك (2-2)

الرئيسية » خواطر تربوية » عندما تشعر بالغربة عن نفسك (2-2)
man30

في مرحلة ما من رحلة الحياة، مرة أو أكثر من مرة، على طول تلك الرحلة، نصل كلنا لذلك المفترق الذي تشعر عنده أن نفسك فَرَطت منك، وأنك صرت أغرب الناس عن ذلك الكائن الذي تحمله بين جنبيك، وأن بينك وبين قلبك ألف حائل... إلا قليلًا!

في الجزء من المقالة عرضنا أول ثلاثة مفاتيح من "وصفة" مجرّبة الأثر، نافعة الجدوى -بإذن الله- للتعامل مع هذه المرحلة، وفي هذا الجزء نستكمل المفتاحين التاليين:

1. {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} [الأعراف، الآية: 144]:

لا تتكلف الحيرة والتوهان فوق حجمهما، فتكون كمن لم يبعث له نبي، ولم تبلغه رسالة، وليس بين يديه قرآن ولا سنة!  

في كل مرة تصل لمثل ذلك المفترق، ابدأ بسرد قائمة من المعلومات عندك من كل الفضائل والنافعات التي أغفلتها، أو قصّرت فيها، أو هجرتها بسبب "انشغالك"، ثم التزم بواحدة يوميًا، أو دوريًا، هذه الخطوة البسيطة كفيلة بأن "تنعش" يقظتك لنفسك، وتردك لما كنت حِدت عنه، حتى تبدأ تستقيم ثانية، وفي نفس الوقت ليس فيها رهبة التغيرات الجذرية، ولا رعب التحوّل الشامل والجهد الكاسح.

تعامل مع نفسك على أنها في مرحلة تأهيل، واقتطع لها وقت استراحة تخفف فيه مما شغلك حتى ألهاك، فإذا أفقت من اللهو والالتهاء أمكنك أن تسمع لها وتحاورها جادّاً، ثم تتعاون معها في تدارك أمرها.

في كل خطوة وعند كل مفترق ستجد دائمًا علامة كالنجم يمكنك الاستنارة بها، أو أمرًا على الأقل واضحًا جدًا يمكنك العمل به فورًا، وأن تدعو ربك أن يهديك، خذ بذلك البيّن ولا تتكلف المجهول وراءه، فأخذك به شكر لنعمة بيانه، ومن شكر الله زاده، فخذ واشكر واستبشر خيرًا.

في كل خطوة وعند كل مفترق ستجد دائمًا علامة كالنجم يمكنك الاستنارة بها، أو أمرًا على الأقل واضحًا جدًا يمكنك العمل به فورًا، وأن تدعو ربك أن يهديك

2. استعن بالله ولا تعجز:

تأكد أنك لا تبلغ في عمرك شعور العجز المعجز إلا أن يكون سبقه سلسال من الانفصام عن استعانة ربك، واستهدائه ومناجاته ودعائه واستشارته واستخارته، ذلك أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ذلك أنه من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، وما مثل هذه المفترقات التي نصل لها إلا لتعلم إذ نسيت، أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه يهديه إليه إذا ما استهداه.

وإن أكبر منافذ التعجيز والتخاذل أن تشعر أنك غير قادر على الحمل وحدك، ونسيت أنك من البداية لم تؤمر بالحمل وحدك، وقد خلقت ضعيفاً، وإن أول منافذ القوة والعزم دائمًا في ذلك المفترق وغيره، في كلمتين: "يا رب".

أكبر منافذ التعجيز والتخاذل أن تشعر أنك غير قادر على الحمل وحدك، ونسيت أنك من البداية لم تؤمر بالحمل وحدك

بدايتك الجديدة تكمن دائمًا في جثوة على الركبتين ورفع لليدين، الأولى تضع عنك أغلال العظمة والتكبر الأجوف، وتردك لموضعك عبدًا ضعيفًا محتاجًا، والثانية ترقى بك لسماء لا تغلّق أبوابها في وجهك مهما بعدت، وتصلك بمعين قوة، وعون لا ينضب مهما استزدت.

وما أعجب قول أمّنا السيدة عائشة عليها الرضوان في قصة المجادلة! عندما جاءت الصحابية "خولة بنت ثعلبة" تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في أثرها سورة "المجادلة" التي أوّلها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما...}، فتقول السيدة عائشة: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول!"، وفي رواية: "تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ..." وفي أخرى : "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا..." (رواه البخاري).

إياك أن تمضي في الحياة زاعمًا الإيمان بالله، ثم أنت مبتور عنه وعن طلب نوره كمن لا رب له   ، وإياك أن تعلن بلسانك الإقرار لله بصفاته سميعًا بصيرًا خبيرًا بعباده، ثم قلبك منها في شكّ وكفران!

تكلم، والله سميع، ادع، والله مجيب، أكثِر، والله أكثَر، كَبِّر، والله أكبر.

والله تعالى الموفق والمستعان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

أخلاقيات الفيس بوك في ضوء المفاهيم الإسلامية

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من مجرد صفحات لإبداء الرأي والتواصل مع الآخر؛ لزيادة الجانب المعرفي …