أخلاقيات الفيس بوك في ضوء المفاهيم الإسلامية

الرئيسية » خواطر تربوية » أخلاقيات الفيس بوك في ضوء المفاهيم الإسلامية
facebook22

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من مجرد صفحات لإبداء الرأي والتواصل مع الآخر؛ لزيادة الجانب المعرفي وتوثيق الروابط الاجتماعية -والتي انقطعت بسبب الانشغال في الأمور الحياتية- إلى ساحات مجتمعية كالمقاهي والأندية، يقع فيها الأكثرية في تكوين علاقات غير سوية، وتكوين منتديات للغيبة والنميمة، والعلاقات بين الشباب والشابات، والرجال والنساء، وتغييب المفاهيم والتجسس، وتحسس أخبار الناس، حتى أصبح الفيس بوك وسيلة هدم لبيوت آمنة؛ حيث إنه يمثل الستر والخفاء في حدوث الكوارث، فكل مستخدم يتحدث من خلف شاشة لا تدري بحقيقته إن لم تكن تعرفه شخصياً، فعليك الحذر منه.

والتخفي ينزع برقع الحياء، ويزيل الخشية من الله ومن أعين الناس، فيقدم الفرد على مالا يستطيع القيام به علانية، فلا رقيب سوى الله ثم الضمير الإيماني الذي يغيب بالتدريج خلف تلك الستر المختلفة، والجميع يحسب أنه في مأمن من العقاب، عقاب الناس بالفضح، وعقاب الله عز وجل بالمراقبة التي لا تغيب حتى تنقطع الأنفاس، وتصعد الروح إلى بارئها.

وبما أن تلك المنصات أصبحت ضرورة من ضرورات الحياة لا يمكن الاستغناء عنها، فقد أصبح لزاماً على أصحاب الرأي أن يقننوا استخدامها، بوضع ضوابط تخضع للمعايير الإسلامية، وليس معايير مخترع تلك الصفحات، تُلزم الجميع باتباعها باجتهاد قدر الاستطاعة.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أسوة حسنة، حين نهاهم عن الجلوس في الطرقات -وهي تشبه إلى حد كبير تلك المواقع اليوم-، كما يخبرنا الحديث الشريف عنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُم وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقاتِ)، فقَالُوا: "يَا رسَولَ اللَّه، مَا لَنَا مِنْ مَجالِسنَا بُدٌّ، نَتحدَّثُ فِيهَا"، فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِس فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ)، قالوا: "ومَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رسولَ اللَّه؟"، قَالَ: (غَضُّ الْبَصَر، وكَفُّ الأَذَى، ورَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بالْمَعْروفِ، والنَّهْيُ عنِ الْمُنْكَرِ)، والحديث متفقٌ عَلَيهِ، واستناداً لهذا الحديث الكريم، نستطيع أن نخرج بجملة أخلاقيات، تبعاً لرصدنا للوقوع فيها على الفيس بوك من قبل الكثيرين، والله المستعان.

شهادة الزور

قد يتساهل البعض في الضغط على زر الإعجاب، أو ما إلى ذلك دون أن يقرأ المنشور، أو أنه يضغطها من باب المجاملة، أو أنه يتحامل على صاحب المنشور لمأرب ما، فيعلّق تعليقات تدل على الغضب أو الرفض، ليس للتجرد في عرض رأي، وإنما قصاصاً لخلفية أخرى، وتلك الأحوال تدخل في باب الشهادة!

قد يكون من حقك أن تمتنع عن إبداء الرأي بالطبع؛ لأنه لن يستطيع أحد أن يمرّ على كل ما هو منشور ليبدي رأيه فيه، لكن إبداء الرأي يستوجب الصدق والأمانة، وكذلك إبداء النصح بالاستحسان أو الخلاف أو الإضافة، والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر بشدّة من قول الزور وشهادة الزور، فإيانا والوقوع فيها.

الخوض في الأعراض

وقد حذّر الإسلام من الخوض في أعراض الناس والنيل منهم، والإشارة لأحدهم في كلام ينمُّ عن الفاحشة، ولو بالباطن؛ ليعلم القارئ إلى من يشير الحديث، والخائض في أعراض الناس هو بين مصيبتين، إما أنه صادق، وهنا ينطبق عليه قول الله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور، آية:19}، فالحديث في مثل تلك الأمور يجرئ البعض الآخر على الخوض فيها، ويبيح للآخرين الاستماع إليها حتى يعتادوها، فتنتشر كلمات الفاحشة والرذيلة في المجتمع، لذا جعل الله عز وجل عقوبة الخوض في العرض ثمانين جلدة، وهي قريبة من عقوبة الفاعل غير محصن -مائة جلدة-؛ لخطورة تعودنا الاستماع لتلك المفردات.

وإما أنه كاذب أو مجرد مشتبه، فيكون حكمه كما ورد في الأثر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: (وَأَيَّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ، وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ سَبَّهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِإِنْفَاذِ مَا قَالَ).

التنابز بالألقاب والسخرية من خلق الله

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات، آية:11].

نشر أحدهم صورتين متجاورتين لامرأة أفريقية سوداء، وأخرى آسيوية بيضاء في مزحة سخيفة، بأن السوداء تدفع مهراً كذا لمن يتزوجها، وأن البيضاء يدفع لها مهر كذا، والجميع يتندر على صورة المرأة السوداء -رجالاً ونساء- وهم يعلمون أنهم يخوضون في كبيرة، ويسخرون من خلق الله، ويتحدثون في عنصرية، مخالفين صريح الدين من أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم يحسبون أنه مجرد مزاح، لا ينبني عليه جزاء أو أجر، بينما يقعون هم في الحرام البيّن.

المزاح بين النساء على العام

وقد تتبسط بعض النساء في الحوار على العام بينها وبين مجموعة من النساء، بإطلاق النكات، وكتابة كلمات تثير الرجال، حتى ولو لم يكونوا مشاركين في الحوار، بحجة أنه حوار نسائي خالص، فلا دخل للرجال فيه، ويحق لها أن تكتب ما تشاء، وهي تنسى أن الخيال خلف الشاشات مطلق العنان لصاحبه أن يتخيل تلك التي كتبت دون ضوابط شرعية، فتفسد نفوساً وهي لا تدري تبعات ما تكتب.

اقتحام الخاص بين الجنسين

يدخل الرجل، أو تدخل المرأة يلقي أحدهم السلام وينتظر الجواب، ثم يعيد إلقاء السلام ويلحّ في الرد دون ضرورة عملية تستوجب الحوار بينهما، وهو لا يعلم أن ذلك أشبه بالخلوة، فإن كان ثمة مصلحة تقتضي أن يكون هناك حوار مشترك، فليكن سريعاً وفي حدود متطلبات العمل، وانتقاء كلمات عامة لا تخجل أن تنشرها على العام ويراها الناس، "فالإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".

فلنتجنب الوقوع في تلك الإشكالية لما خلفها من شبهات، وهي خطوة أولى للشيطان؛ ليوقع الناس في الخطأ، ثم الخطيئة والكبيرة، أعاذنا الله وإياكم.

نشر الصور الخاصة

وتنشر إحداهن صورتها الخاصة، وقد لا تكون لها من الأساس، ومع ذلك تتلقى مئات الإعجابات، وكلمات الغزل، وترد بإيحاءات استحسان على التعليقات فيضيع الحياء، وندخل في دائرة إطلاق النظر، ويتبعها ما يتبعها من أحاديث على الخاص، مما يستوجب غضب الله، ولعنة الملائكة، وخطورة بينة على الأسر والمجتمعات.

قبول الآخر

وننسى في خضم ذلك أن الحساب هو حساب شخصي، أنشأه صاحبه؛ ليعبّر فيه عن رأيه هو، لا ما يعجب الناس، فلكل إنسان أن يعبّر عن ذاته، ولك أن تقبله أو ترفضه، ولك أن تناقشه بأدب أو تمتنع عن الكلام، ولك أن تقبله صديقاً على حسابك، أو تقوم بحذفه، أو حتى حظره إن اختلفت معه اختلافاً كلياً، أما أن يتم التخوين والتراشق بالكلمات، والفضح والشتم لمجرد رأي قد يكون خاطئاً أو صائباً، فذلك في ديننا غير مقبول، فليس المؤمن السبّاب ولا اللعّان، ولا الفاحش البذيء.

هذا ولن أستطيع أن أحصي كل السلبيات على تلك المواقع، وإنما اجتهدت أن أذكر أشهرها مما وقع تحت يدي، ورأيت بعيني، ويمكن أن تقاس على ما ذكرت كافة الظواهر السلبية، باعتبار الفيس بوك مكاناً عاماً يسير فيه الرجال إلى جانب النساء، ويجب مراعاة ذلك، حفظ الله أمتنا وأبناءنا ورجالنا ونساءنا من المهالك الأخلاقية، والله ولي ذلك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

كيف ينظر الإسلام للإنسان ؟

تعد نظرة أي مجتمع لقيمة الإنسان من أهم أحد محددات ثقافة المجتمع وأبرز ملامح هويته …