“حماس” في ذكرى الانطلاقة… قلبٌ للطاولة السياسية وتجديد عهد المقاومة

الرئيسية » بصائر الفكر » “حماس” في ذكرى الانطلاقة… قلبٌ للطاولة السياسية وتجديد عهد المقاومة
Palestinian flag flies as Hamas supporters take part in a rally marking the 30th anniversary of Hamas' founding, in Gaza City

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، عن تفاصيل فعاليات احتفاليتها لهذا العام، بالذكرى الحادية والثلاثين لانطلاقة الحركة، تحت شعار "مقاومة تنتصر وحصار ينكسر".

وفي حقيقة الأمر، وبعيدًا عن الفعاليات المراسيمية المعتادة في مثل هذه المناسبات، فإن ذكرى الانطلاقة هذا العام جدُّ مختلفة؛ لارتباطها بالكثير من الأمور والتحولات التي أدت إلى فرض خريطة سياسية جديدة على جميع الأطراف المرتبطة بملف قطاع غزة، وبالحركة، وبالمشهد الفلسطيني بشكل عام.

فعلى سبيل المثال تأتي ذكرى الانطلاقة على وقع انتصار كبير حققته الحركة وذراعها المسلح، "كتائب الشهيد عز الدين القسَّام" على الكيان الصهيوني، عسكريًّا واستخباريًّا من خلال عملية "خانيونس" التي وقعت في الحادي عشر من شهر نوفمبر الماضي، وقادت إلى تأثيرات عميقة على الساحة السياسية الصهيونية.

إن ذكرى الانطلاقة هذا العام جدُّ مختلفة؛ لارتباطها بالكثير من الأمور والتحولات التي أدت إلى فرض خريطة سياسية جديدة على جميع الأطراف المرتبطة بملف قطاع غزة، وبالحركة، وبالمشهد الفلسطيني بشكل عام

فعلى أبسط تقدير، ففي الأثر المباشر كاد النجاح الكبير للقوة القسَّامية التي تصدَّت لعملية التوغل السري التي قامت بها عناصر استخبارية تابعة لجيش الاحتلال، عند منطقة "خانيونس" أن يودي إلى انهيار الائتلاف اليميني الحاكم في الكيان الصهيوني، بعد استقالة أفيجدور ليبرمان، زعيم حزب "يسرائيل بيتينو"، أحد شركاء الائتلاف، من منصبه كوزير للدفاع، وهو المنصب الذي تولاه نتنياهو بنفسه.

ووفق التقارير الإعلامية المتداولة؛ فإن نتنياهو واجه عنتًا كبيرًا في إقناع باقي شركاء الائتلاف، وخصوصًا وزير المعارف، نفتالي بينيت، زعيم حزب "البيت اليهودي"، بالبقاء في الائتلاف الحكومي الهش "نظرًا للمخاطر الأمنية الكبيرة التي تواجهها إسرائيل" وفق ما نُقِل عن نتنياهو.

بالتالي تدخل "حماس" إلى احتفالات ذكرى التأسيس هذا العام، على وقع انتصار كبير أثَّر كثيرًا على معنويات الكيان الصهيوني، بما في ذلك مؤسساته العسكرية والاستخبارية، وصولاً إلى مستوى الحكومة نفسها .

ونقف هنا قليلاً مع نقطة الأثر المعنوي والسياسي للهزيمة الصهيونية على يد "حماس" في هذا الموقف الذي أطلقت عليه الحركة عملية "حد السيف"؛ حيث إن هذه الهزيمة فتكت في عضد الدرع الرئيس للكيان الصهيوني، وهو مؤسساته العسكرية والاستخبارية، بالذات في ظل الازدراء الكبير الذي تعرضت له، وما كشفت عنه عملية "خانيونس" من عورات ونقاط ضعف، مما يضرب الأمن القومي الصهيوني ونظرية الردع الصهيونية التي قام عليها الكيان في مقتل.

الأمر الآخر المهم الذي يمنح الخصوصية لاحتفالات الذكرى هذا العام، ويحقق شعار "مقاومة تنتصر وحصار ينكسر"، هو مسيرات العودة الأسبوعية، والتي انطلقت في نهايات مارس الماضي وأخرج فيها أهالي قطاع غزة الكثير من مظاهر العبقرية في المزج بين السلمية والصدور العارية، وبين أدوات المقاومة التي أزعجت الكيان الصهيوني، وسببت حرجًا كبيرًا للحكومة الصهيونية أمام سكان مستوطنات غلاف غزة في جنوب فلسطين المحتلة.

الأمر الآخر الذي يمنح الخصوصية لاحتفالات الذكرى هذا العام، هو مسيرات العودة الأسبوعية، التي أخرج فيها أهالي قطاع غزة الكثير من مظاهر العبقرية في المزج بين السلمية والصدور العارية، وبين أدوات المقاومة التي أزعجت الكيان الصهيوني، وسببت حرجًا كبيرًا للحكومة الصهيونية أمام سكان مستوطنات غلاف غزة

فللمرة الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني تخرج مظاهرات لسكان هذه المستوطنات مطالبين بالأمن، أو فارِّين من هناك، هروبًا من مبتكرات فعالة وبسيطة في آنٍ، وأهمها البالونات الحارقة، التي تسببت في تعطيل حقيقي للحياة اليومية وآذت الوضع الاقتصادي في تلكم المناطق.

على المستوى العسكري والسياسي الاستراتيجي تدخل حركة "حماس" عامها الحادي والثلاثين، وهي في وضع أفضل بكثير من السنوات الماضية .

فعلى المستوى العسكري أثبتت الوقائع التي ترافقت مع العملية العسكرية الصهيونية الموسعة التي تلت عملية "خانيونس"، أن حركة "حماس" وجهازها العسكري، قد وصل إلى مستوىً من القوة غير المسبوق، لدرجة أنه أجبر الحكومة الصهيونية على التراجع مذعورة، وقبول فوري للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، مع إثبات الحركة أن سلاحها الصاروخي قادر بالفعل على الوصول إلى كل مكان في الكيان الصهيوني، وتجاوز ترتيبات "القبة الحديدية" التي طالما تباهى الصهاينة بقدراتها.

وهو ما كان له كذلك أثرٌ كبير في تعضيد الموقف السياسي للحركة والتي أثبتت أنها تجيد المناورة السياسية ولكن ليس على حساب الثوابت، وفق ما تبرزه الطريقة الذكية التي تدير بها الحركة ملف المصالحة، والتعامل مع معطلاتها التي تثيرها السلطة الفلسطينية، وأوساطٌ في حركة "فتح"، لدرجة وصلت إلى التآمر مع الكيان الصهيوني على لقمة عيش أهل غزة.

فبجانب منع الرواتب، عملت السلطة زيادة وتيرة الحصار بالاتفاق مع سلطات الاحتلال (!!!)، مثل منع دخول المزيد من السلع، بحجة أنها يمكن أن تستخدم في المجال العسكري، وتقليص مساحات الصيد في بحر غزة من آنٍ إلى آخر.

ولا تخفي السلطة أو أوساط حركة "فتح" الموالية لها، أن هذه الأدوات ليست سياسية، أو تستهدف حركة "حماس" بصورة أو بأخرى، وإنما أكدوا –مثلما يقول الصهاينة بالضبط وفق المقاييس الموضوعية لتحليل مضمون الخطاب السياسي والإعلامي لكلا الطرفَيْن– أن الهدف هو التضييق على أهل القطاع، من أجل أن يمارسوا ضغوطًا على "حماس" لتسليم السلطة كاملة في غزة، وتسليم سلاحها، وإلزام الفصائل الأخرى بذات الأمر!!

إلا أن "حماس" استطاعت قلب الطاولة على الجميع، ونجحت من خلال التفاهم مع الطرف المصري في أن تحل محل السلطة الفلسطينية ذاتها في الترتيبات السياسية والأمنية المصرية بشأن الأوضاع في قطاع غزة والملف الفلسطيني بشكل عام، وهو ما أثار سلطة محمود عباس بالجنون؛ فلجأوا إلى التسريب ضد الحكومة المصرية، والإعلان علنًا عن تنسيق مع الاحتلال لمنع دخول أموال المساعدات القطرية إلى قطاع غزة!

وكما هو واضح فقد خاب فأل خصوم الحركة، الذين لديهم خصومة مبدأية مع مشروع المقاومة في الأصل؛ حيث لم يثُر أهل غزة، ولم يخرجوا إلى الشوارع مُطالبين بإسقاط حكم الحركة للقطاع، أو سيطرتها عليه.

بل على العكس، ففي إجراء يعكس ذكاءً سياسيًّا، قامت الحركة بتوسيع نطاق مشاركة الفصائل في قطاع غزة، في القرار السياسي والعسكري، بحيث لا تتحمل هي كل المسؤولية عن الأوضاع، وإدخال شركاء جدد للعملية السياسية والعمل العسكري.

فتم ذلك من خلال دمج "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، في العمل المسلح ضد الاحتلال، وجعْلها نموذجًا يحتذى في التنسيق العسكري، حتى وصل الحال إلى تكوين غرفة عمليات مشتركة تضم ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية المسلحة المتواجدة في القطاع.

أما على المستوى السياسي، فإن "حماس" استوعبت مختلف ألوان الطيف السياسي الفصائلي الفلسطيني، بما في ذلك حركات وفصائل تنتقد الحركة بشكل مباشر، مثل الجبهة الشعبية، بل وأجزاء من حركة "فتح" تعارض سياسات قيادة السلطة وقيادات فتح الموالية لمحمود عباس، وتدور في فلكه.

وفي حقيقة الأمر، فإن هناك الكثير مما يُقال في ذكرى الانطلاقة هذا العام، ولكن في إيجاز سريع فإن البيان الذي أصدرته الحركة في الثاني من ديسمبر، لإعلان برنامج الاحتفالات بذكرى التأسيس هذا العام، يعكس إدراكًا حقيقيًّا من جانب الحركة بتحديات المرحلة، كما أنه –وهو الأهم– يعكس أمام الرأي العام، أن "حماس" لا تتكلم وكفى، وإنما -وفق مطابقة ما جاء في البيان مع ما يحدث وتقوم به على أرض الواقع– تنفِّذ ما تعد به، وما تعلنه من برامج، وأن حديثها عن المقاومة ليس مجرد شعارات كما يزعم بعض المُعوِّقين.

تدخل "حماس" عامها الحادي والثلاثين، وهي أقوى بكثير من ذي قبل، وفي موقف قوة سياسي اعترف به العدو الصهيوني ذاته، وتُعتبر نموذجًا مشرفًا لمفاهيم العمل الإسلامي في مختلف المجالات، السياسية والعسكرية

فعندما تعلن الحركة عن شعار "كسر الحصار" فإنها تشير إلى مسيرات العودة ونتائجها، وعندما تعلن النفير، وتتكلم عن أهمية الاستعداد والإنفاق على السلاح، وتؤكد على مركزية المقاومة العسكرية للعدو الصهيوني تقف بكبرياء بانتصار "حد السيف"، وعندما يتقوَّل أحدٌ عن الأثر السياسي لصواريخ المقاومة يؤكد البيان على الهزة السياسية الكبيرة التي أحدثتها هذه العملية.

وفي الأخير فإن "حماس" تدخل عامها الحادي والثلاثين، وهي أقوى بكثير من ذي قبل، وفي موقف قوة سياسي اعترف به العدو الصهيوني ذاته، وتُعتبر نموذجًا مشرفًا لمفاهيم العمل الإسلامي في مختلف المجالات، السياسية والعسكرية، وتعكس فهمًا حقيقيًّا للجهاد في الإسلام، ولمتطلبات التمكين، وغير ذلك من المفاهيم التي التبست على كثيرين آخرين في زمننا المعاصر!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

كيف تكون الجندية سبباً لنجاح القيادة

القيادة المتمثلة بقائد بُنيت شخصيته بفكره وقلبه بناءً دقيقاً على تعاليم الدين الحنيف لهي الأساس …