كم عابد فينا عاقٌ لوالديه؟!

الرئيسية » خواطر تربوية » كم عابد فينا عاقٌ لوالديه؟!
mosque21

كلما نظرت إلى بيوت الله في الأرض وعدد روّادها وتأملت واقع الحال من انتشار المنكرات ومخالفة الأوامر الشرعية وانتهاك الحرمات أدركت الهوة السحيقة والفجوة الشاسعة التي تفصل بين عبادات الناس وسلوكياتهم ومخالفة أحوالهم لأقوالهم، واضطراب واختلال الموازين في أعمالهم وترتيبها وفق الهوى والمزاج لا وفق الأولويات، فكم من الفروض ضُيعت في حمأة الانغماس في النوافل والمباحات؟! وكم من صغائر الذنوب كانت سبيلا للكبائر والموبقات؟!

ويخطئ خطأ فادحاً من يظن للحظة أنّ الأمر الشرعي المنزل من رب السماء وما كلف الله به عباده من عبادات جسدية أو مالية أو قولية أنها عبادات مجرّدة من آثار تمتد وتتغلغل في عمق المجتمع، بل إنّ الأصل من هذه العبادات أنها تزكية للفرد تهذب قوله وفعله وقلبه، فهي إن كانت الصلة بين العبد وربه فهي أيضاً شريان الحياة الذي يغذي صلة الإنسان بأخيه الإنسان بل وبين الإنسان وسائر ما في الكون من مخلوقات لتجد معالم العبودية تتجسد معانيها ابتداء من التلفظ بالشهادتين وحتى إماطة الأذى عن الطريق أو التبسم في وجه أخيك.

ومن الأمور التي تنتشر في زماننا وتعبر عن مدى الغفلة التي ضربت جذورها في أوساطنا لا سيما عند أولئك الذين يشهد لهم بالصلاح بل ويشار إليهم بالبنان على أنهم عمّار بيوت الله عقوق الوالدين أو مجافاتهما، ففي ازدحام الواجبات وتنوع المسؤوليات وتكاثرها من جهة ومن جهة أخرى اعتيادنا للعبادة وحصرها في أنماط معينة أدى ذلك لغياب روح الشريعة عن تصرفاتنا وعباداتنا بمختلف أشكالها وأنواعها، هذه الروح التي يفترض أن تبعث الحياة والحركة في المجتمع المسلم فيتميز بذلك عن سائر المجتمعات لا أن يكون صورة طبق الأصل عن أولئك الذين يتعاملون مع أوامر الله كما الثوب يرتدونه في بيوت الله ومع أول خطوة خارج بيوت الله يخلعونه فينسلخون منه في ميادين الحياة الشاسعة.

اعتيادنا للعبادة وحصرها في أنماط معينة أدى ذلك لغياب روح الشريعة عن تصرفاتنا وعباداتنا بمختلف أشكالها وأنواعها

فالعبادة أكبر وأشمل من ركيعات نؤديها في دقائق معدودة أو مواسم محدودة، أو مسبحة نعدد عليها أذكارنا، العبادة نهج حياة يلازمنا وغرس نجني ثماره خُلقاً وتعاملاً وسلوكاً في الشارع والبيت والمدرسة وأماكن اللعب واللهو قبل أن تكون في المسجد .

والمتتبع لآيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة التي تشدد على البر بالوالدين والإحسان لهما وتحذر من عقوبة عقوقهما يدرك عِظم المسألة وخطورتها؛ فقد قرن الله تعالى الإحسان إليهما بأهم قضية في الوجود وهي التوحيد  لقوله عز وجل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: آية36]، ويعلق ابن كثير على هذه الآية: "ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإنّ الله سبحانه جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود"، وقل جل شأنه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [سورة الأنعام: آية151] ثم قرن شكره عز وجل بشكرهما لقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [سورة لقمان: آية14]، والله تعالى في أكثر من موقع في القرآن الكريم يقرن بين طاعته وبر الوالدين، بل إنه صلى الله عليه وسلم قدم برهما على الجهاد في سبيل الله عندما سئل عن أحب الأعمال إلى الله: "أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قال ثم أي قال ثم بر الوالدين قال ثم أي قال الجهاد في سبيل الله" (رواه البخاري).

فإذا كان لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث بل ولا ترفع لله أعمالهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك به شيئاً إلا المتشاحنين يقول الله للملائكة ذروهما حتى يصطلحا" (رواه الإمام أحمد) "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" (رواه البخاري)، فما بالك بأعمال ذاك العاق الذي قد يمر بباب والديه خمسة أوقات للصلاة في المسجد وهو لهما مجافٍ بل مقاطع، يدخل على زوجه وأبنائه بألذ المأكولات وأفخم الملبوسات ووالديه أو أحدهما يأكل الحرمان من حشاشة قلبه ويدك البرد عظمه، بل إنّ عقوقهما من الكبائر التي حذر رسول الرحمة منها: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين" (رواه البخاري).

فما قيمة صلاتك إن لم تكن بينك وبين الله سبباً تتلقى منه رأساً جل شأنه لأوامره وتنتهي بنواهيه؟! ما قيمة عبادتك إن لم تكن لك فتحاً تفتح عليك لتفهم مراد الله كما يحب الله ويرضى، وما قيمة العبادة إذا لم تتخلل قلبك فتتركه في سعة وبحبوحة يزهر ويفيض براً ورحمة بمن حوله دون الإخلال بالأولويات؟!

إنّ الانفصام الخطير الذي يفصل بين سلوك المجتمع المسلم أفراداً وجماعات وبين أوامر الشريعة السمحاء إنما ذلك يعود إلى التعامل الفض الجاف مع مفهوم عبادة الله والقصور في فهمها على الحقيقة، وقد عرفها ابن تيمية: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله.

إنّ الانفصام الخطير الذي يفصل بين سلوك المجتمع المسلم أفراداً وجماعات وبين أوامر الشريعة السمحاء إنما ذلك يعود إلى التعامل الفض الجاف مع مفهوم عبادة الله والقصور في فهمها

إنّ التدهور الذي بلغته المجتمعات الإسلامية إنما هو نتيجة لفصل أمور دينهم عن دنياهم، فليس للدين سلطان على حياتهم بقدر ما هو للهوى والمزاج، فكم من عابد منا يقضي ليله قائماً ونهاره صائماً أثرت قدماه في دروب الدعوة وتصدرت سيرته كل مجلس وعلى كل لسان فإذا سألت عن خاصة أمره مع أهله بكت قلوبهم قبل عيونهم من جفوة في قلبه وقسوة في لفظه، فيرتد إليك طرفك حائرا أينقصنا مزيداً من المساجد والمصلين، أم أنّ الذي نفتقر إليه حقيقة هو تفاعل نفوسنا وقلوبنا مع أوامر الله فنترجمها واقعاً حياً ومثالاً يُحتذى به على أرض الواقع ، لا أن نتغنى بها على المنابر وفي دروس العلم والوعظ؟!.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!

جاء في أمثال العرب: "ما هكذا تُوْرد يا سعد الإبل" وهو مثل في الأصل قيل …